الامبريالية الخشنة والناعمة
محمد الرحاليالامبريالية الخشنة والناعمة ان المتأمل في الوضع الراهن للعالم العربي يلاحظ انه يعيش نوعين من الحروب، حرب مادية ساخنة وقودها النار والحديد، وحرب باردة و ناعمة قناتها الاعلام والصورة. والحربان معا تتمان اما بواسطة متعاونين من العالم العربي او من خارجه تابعين للولايات المتحدة الامريكية، واما بواسطة امريكا نفسها، عند الاقتضاء. العراق ولبنان وفلسطين تشهد بشكل بارز علي الدمار الشامل للبلاد والعباد، الذي تعد صوره ابشع من صور الاشرطة الوثائقية المنجزة عن الدمار النازي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا اصبح العالم العربي مستهدفا بهذا الشكل الذي لم يشهده في القرن الماضي؟ الجواب البسيط جدا هو ان العالم العربي يحتل موقعا استراتيجيا من الناحية الجغرافية، ومن ناحية ثروته النفطية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، ومن ناحية تراثه الثقافي والحضاري الذي يقع في تماس مباشر مع ثقافة وحضارة العالم الغربي الاوروبي. هذه العناصر كانت موجودة في القرن الماضي، ومع ذلك لم يكن الدمار بهذه الحدة التي اصبحت تسعي للقضاء علي الكيان الوجودي للدول بالمعني المادي. شِق من الجواب يتمثل في ان العالم العربي، مع امتداده الاسلامي اصبح يضم اقوي جيوب المقاومة التي تهدد بالقوة الامبريالية العالمية الجديدة التي ترعاها الولايات المتحدة، خصوصا بعد اندحار النظام الشيوعي ، الذي كان عائقا ايديولوجيا مقاوما للنظام الراسمالي.كسر المقاومة الآن، ماديا وفكريا، يتم بدعوي محاربة الارهاب الذي اصبح ينسب الي كل حركة اسلامية ترفض الانصياع، رغم ان الامبراطوريات الامبريالية، في الواقع، لا تحتاج الي دعوي؛ لان تضخم القوة لديها يجعلها في غني عن التبرير العقلاني. وعندما نتفحص دعوي الارهاب الايديولوجية التي تستند اليها امريكا للهجوم علي العالم العربي، علما بان امريكا سبق لها ان ادينت امميا بالارهاب في القرن الماضي اثناء حصارها لنيكاراغوا، نلحظ انها في تفاصيلها غير صحيحة. فنظام البعث في العراق قام، الي حد ما، علي ايديولوجيا علمانية بعيدة عن التوجه الاسلامي الجهادي، والشيء نفسه ينطبق علي الايديولوجيا البعثية بسورية. كما ان حزب الله وحماس يختلفان عن القاعدة . الاولان يقاومان لتحرير ارض محتلة، اما القاعدة فتسعي، من بين ما تسعي اليه في زعمها، لتحرير العالم العربي والاسلامي من جاهلية القرن العشرين، وتحطيم الحضارة الغربية. هذه التفاصيل في الايديولوجيا والاهداف غير هامة بالنسبة للقوة الامريكية، لان القوة تميل الي التبسيط، وفي كثير من الاحيان لا يهمها التحليل المتأني، بل ما يهمها هو ان تحقق اهدافها بشكل آني وسريع. وهذا بالضبط ما يجعل امريكا تضع كوريا الشمالية وايران والعراق، قبل الاحتلال، وسورية ضمن طبقة واحدة غير طبيعية، تسميها محور الشر ، رغم الاهداف والايديولوجيات المختلفة لهذه الدول. ولمزيد من التضليل، يُستعمل مفهوم الشر ذو الحمولة الدينية، تصنيفا اخلاقيا لإحداث تأثير اكبر في المواطن الامريكي. وبذلك يصبح العدو واضحا ومحددا ، وانتهي الامر. ويصور العدو الارهابي اعلاميا بكونه موجودا في كل مكان لكنه خفي في كل مكان، ويصبح بذلك تمثيلا representation متخيلا لواقع مختلف ومعقد. وعندما يُهاجَم العدو تخفي صور القتلي والدمار، ولا يظهر منها الا ما تسمح به المؤسسة العسكرية. تشمل تقنية الخفاء عدد القتلي كذلك. فبما ان العدو خفي، فان احصاء عدد قتلاه غير مهم، المهم عدد الجنود الامريكيين الذين يقتلون في العراق، او عدد الجنود الاسرائيليين الذين قتلوا في لبنان وفلسطين. وتسمح تقنية اخفاء العدو بالتستر علي مئات الآلاف من المدنيين، من الشيوخ والنساء والاطفال الذين قتلوا ويقتلون في العراق وفلسطين ولبنان، كما كان الحال في فييتنام واماكن اخري من العالم. غير ان الصور والدراسات المنفلتة من الرقابة الامريكية، تبين ان هذه الدولة، بمساعدة عميلتها اسرائيل في المنطقة العربية، اصبحت فعلا امبراطورية للدمار الشامل، دمار الارض والانسان وجميع مظاهر التحضر والتمدن. فبعد ان كان العراق من ابرز الدول العربية التي حققت تقدما هاما علي مستوي التنمية الانسانية والبحث العلمي والتقدم التكنولوجي، اُرجع هذا البلد بشكل ممنهج الي قبائل وطوائف متناحرة. فدمرت المكتبات والجامعات ونهبت المتاحف وقتل العلماء، ودمـــرت المدن وبُناها التحتية. وتمكن الاحتلال الامريكي من اتمام خطة تقليص الثقل الديموغرافي الذي كان يمثله العراق في المنطقة. بدات الخطة في السابق باقامة الحصار الشامل الذي كان عبارة عن حرب بيولوجية باردة اودت بمئات الآلاف من العراقيين، اغلبهم من الاطفال والشيوخ، بسبب الامراض والاوبئة التي تسببت فيها ندرة الدواء والغذاء. وهي نفس الخطة التي تطبق الآن في فلسطين وطبقت اثناء الغزو الاسرائيلي للبنان. وقد بينت دراسة حديثة انجزتها جامعة جونز هوبكنز بامريكا ان حوالي 654 الف عراقي قتلوا بعد الاحتلال الامريكي، بنسبة 13.5 في الالف من عدد السكان البالغ 26 مليونا، بمعني ان العراق ككيان في طريقه الي ان يصبح جزءا من الماضي البابلي. ولامـــــريكا سجل مرمــــوق في هذا الصدد، تجسده الابادة الجماعية للشعب الهندي الامريكي الذي لم يبق منه في امريكا سوي الفلكلور والافلام الهوليوودية. تُقلب الحقائق في الهيمنة الامبريالية. يصبح المعتدي عليه هو السبب في الدمار الذي حصل ويحصل له، لانه استفز المعتدي. فيلبس الجلاد ثوب الضحية، ويصبح عمله التدميري دفاعا عن النفس. فتقطع امريكا آلاف الكيلومترات الي العراق لتدمر نظامه، المتهالك اصلا، دفاعا عن نفسها وحفاظا علي الامن العالمي من اسلحة الدمار الشامل، التي تَبيَّن انها اكذوبة امريكية، في حين تؤكد استفتاءات الرأي والدراسات والابحاث الامريكية والاوروبية ان العالم اصبح مهددا اكثر من ذي قبل بسبب الاحتلال الامريكي للعراق، كما ان اسرائيل هي الدولة الاولي التي تهدد السلم العالمي، وليس حزب الله او حماس او سورية. تدمير لبنان وفلسطين، يُسوَّق اعلاميا ايضا علي انه دفاع عن النفس من قبل اسرائيل، بدعوي اختطاف جنودها، في حين ان اسرائيل تختطف وتسجن وتقتل الاطفال والنساء والشيوخ والمدنيين. وتتصرف مثل عصابات المافيا، فتسرق البنوك وتختطف وتغتال السياسيين. وكل من يسكت عن هذا اصبح يسمي معتدلا وواقعيا، ومن يقاومه ينعت بالتطرف والارهاب. الواقعية اصبحت في القاموس السياسي مرادفة للتنازل عن الحقوق المشروعة والقبول بالذل. والعنف عندما تمارسه امريكا واسرائيل باحدث الاسلحة العالية الفتك والشديدة التدمير يسمي دفاعا عن النفس، وعندما تستعمله المقاومة بـاسلحة بدائية، منها الحجارة، يسمي ارهابا. في ثقافتنا نقول ان النية ابلغ من العمل، والنية من وراء ما تقوم به امريكا هو نشر الديمقراطية في العالم العربي، والديموقراطية ستأتينا بالرفاهية والتقدم. يُروَّج لهذا الكلام اكاديميا (محاضرات، ندوات، الخ)، واعلاميا بغية تلطيف وتجميل صورة امريكا في العالم العربي. لقد اصبح الوضع ملحا لننتقل الي ثقافة ان الواقع ابلغ من النوايا. والواقع الملموس هو ان ما يجري في الشرق العربي هو تهديد للحياة علي الارض. ان هدم البيوت علي رؤوس المدنيين، وتلويث البحر، وتدمير الاراضي الزراعية وتلغيمها، واستعمال القنابل العنقودية والفسفورية، وقطع الماء والدواء والاكل عن الناس، كلها اساليب لزرع الموت باختصار. ولامريكا انجازات معروفة في هذا المجال. فهي الدولة الوحيدة التي استعملت السلاح النووي ضد البشر في الحرب العالمية الثانية في اليابان، حيث لم تكن هناك ضرورة لذلك في رأي بعض المؤرخين، كما ان انجازها حافل في استعمال الاسلحة الكيماوية في كوريا الشمالية اثناء حرب الكوريتين وفي فيتنام، وفي استعمال الاسلحة المزودة باليورانيوم المنضب في العراق وفي يوغسلافيا، بدون علم حتي جنودها.يتم كل هذا الدمار بدعوي نشر قيم العالم المتحضر ، منها الديموقراطية وحقوق الانسان، علما بان السجن والقتل والتعذيب بدون محاكمة سلوك منهجي ضد من تعتبره امريكا عدوها، والدليل الصارخ علي هذا توقيع بوش الاخير علي قرار يقضي باباحة التعذيب من قبل المحققين الامريكيين وعدم متابعتهم قضائيا، رغم رفض المحكمة الدستورية الامريكية العليا لذلك. وبالطبع، فان هذا القرار موجه اساسا للعربي وللمسلم بشكل عام. ومثل هذا القرار يجد في الاعلام سندا قويا له. هكذا، تصبح صورة العدو الارهابي العربي و/او المسلم، التي تبني وتعمم علي العالم الآن، هي انه عنيف، سافك للدماء، لا يحب الحياة، غير متحضر، الخ، والعربي/المسلم الطيب هو العربي/المسلم الميت. مثل هذه التمثيلات الخيالية المفارقة للواقع، رافقت دائما الحملات الامبريالية في التاريخ الانساني. قيم العالم المتحضر في التصور الامبريالي الامريكي المروج له حاليا تاخذ طابعا بروتستانتيا اصوليا، يقوم علي الثنائية الدينية البسيطة: خير/شر. الخير هو ما تمثله امريكا والعالم المتحضر (الغرب المتحالف معها ايديولوجيا او موضوعيا). ونظرا للرابط التاريخي الذي يجمع البروتستانتية باليهودية، اصبح لاسرائيل دور اساسي في التحالف الامريكي. اسرائيل جزء من العالم المتحضر ، وهي الواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق العربي. وهذا بالطبع يخول لها الحق في القتل والدمار وارتكاب جرائم الحرب، لان رسالتها نبيلة ـ مفارقة غريبة، يصبح الخير دافعا لارتكاب الشر. وهذا النوع من التفكير يدمر السياسة ويذكي الصراعات العقدية الاصولية.تلتقي الاصولية الدينية البروتستانتية المحافظة مع الاصولية الدينية اليهودية في مسألة ان الحملات العدوانية تتم بوحي و بمباركة الهية، كما يصرح بذلك زعماء امريكا المحافظون، وابرزهم رئيس الحزب الجمهوري الذي صرح ان اسرائيل تنفذ رسالة إلهية. وصور العدوان الاسرائيلي الاخير علي لبنان بليغة في هذا الشأن. تبدأ الصور بجنود اسرائيليين فوق الدبابات وعلي الارض يصلون ويتلون التوراة، وبعدها صور الدمار وقتل الاطفال والمدنيين اللبنانيين. ان الخطورة في هذه الصور تؤكد القول، عن قصد او بدونه، ان الحرب علي اجزاء من العالم العربي حرب دينية، فتثار وتحرك العواطف والمعتقدات، ويعطل العقل، ويُبسَّط الواقع بشكل مُخِل، وياخذ الصراع مُسحة دينية، وتهمش جوانبه السياسية والقانونية الاساسية، فتتعقد الحلول اكثر. وهكذا تصبح امريكا ـ بوش واسرائيل من حزب الله ، مع فارق ان حزب الله اللبناني يدافع عن قضية عادلة، هي تحرير الارض، في حين ان امريكا واسرائيل تدافعان عن قيم الهيمنة والدمار والابادة الشاملة. ان مشكلة امريكا الآن تتمثل في تضخم قوتها، مع ادارة محافظة تطغي عليها عقيدة، يختلط فيها السياسي بالديني الاصولي، ويغيب فيها التحليل العقلاني للواقع. ومشكلة امريكا مع العالم العربي انها تحيط نفسها بخبراء ، من طينة برنار لويس وغيره، يعيدون انتاج التمثيلات التخييلية والصور النمطية القادمة من عالم الاستشراق. وفي هذه الحالة نصبح امام اوهام وامام ثمن باهظ لتحقيقها، ان تحققت.ان هذا النهج غير الواقعي يحمل اخطارا عديدة، ضمنها تشجيع صراع الاصوليات (يهودية ومسيحية واسلامية)، وتدمير السياسة، واضعاف النخب الفكرية ذات التوجهات غير الاسلامية في العالم العربي. للاسف العالم العربي هو من يدفع الثمن، ارضا وانسانا، نتيجة للسياسة الكارثية لامريكا، ولذلك ينبغي الاستثمار في المقاومة الفكرية السلمية لهذه السياسة، وهو استثمار هام جدا.ہ باحث مغربي من جامعة ابن طفيل8