يوسف مكي1 ـ الدعم والمعايير المزدوجة: في السياسة الامريكية تجاه العرب، يمكن ان ينتفض أي شعب عربي على حكامه ويغير نظامه السياسي، ولا مانع من ان تدخل امريكا طرفا في دعم الشعب المنتفض بهذا الشكل اوذاك. وقد حدث هذا في ثورة تونس وفي ثورة مصر وفي ليبيا وفي اليمن والآن في سوريا، فقد طالبت امريكا برحيل هذه الانظمة. لكن العرب شعوبا وانظمة ليست سواء في المعاملة الامريكية. ولا يجب ان ترحل كلها من وجهة النظر الامريكية، فأنظمة الخليج – وعلى رأسها النظام البحراني – وعلى الرغم من انها خارج التاريخ كبقية الانظمة العربية الاخرى، فإنها (الانظمة الخليجية) تحظى بحماية ورعاية وتغطية سياسية من قبل الادارة الامريكية ودفاعا عن ممارساتها القمعية ازاء شعوبها، ولا تحظى حقوق الانسان فيها بأي اهتمام، كما يحصل في بلدان عربية اخرى. ولا يجب ان ترحل.
ومثال البحرين في السياسة الامريكية المزدوجــــة والمنافقــــة يحظى بأهمية صادمة في كيفية تعامل الامريكان مع الثورات العربية ووقوفها ضد الانظمة الاستبدادية، وبالمقابل دفاعها عن هذا النظام المستبد والقبلي، بل والتواطؤ معه ومع السعودية على سحق الثورة وبموافقة امريكية. اما التواطؤ فيبدو في سكوتها المريب على النظام في اعتقاله للناشطين الحقوقيين امثال نبيل رجب وعبد الهادي الخواجة وزينب الخواجة، هذا فضلا عن قيادات المعارضة الاخرى – إذْ قضية حقوق الانسان في البحرين ليست ذات اهمية للامريكان – ولا ننسى زيارة نائبة السفير الامريكي قبل فترة لبعض عناصر شرطة قيل انهم مصابون في المستشفى، في حين انها لم تعر بالا لعشرات الضحايا من المعارضة ولو من قبيل اللفتة الانسانية. اجل إنه التواطؤ والنفاق بعينه.
إلا ان الامريكان لا يقفون عند هذا الحد في دعم النظام الخليفي، بل يكافئون النظام على قمعه واستبداده بتمرير صفقة سلاح، تظاهروا في بداية الحركة الاحتجاجية انهم اوقفوها حتى يتوقف النظام عن حملته القمعية تجاه المتظاهرين. لكنهم عادوا ومرروها، بينما النظام لم يتوقف عن قمعه المفرط، لا بل زاد وعلى مرأى ومسمع من الادارة الامريكية وبشهادة تقرير لجنة بسيوني، التي التف على توصيتها النظام، ودون ان يلزمه حلفاؤه الامريكان بضرورة تنفيذها وظلت حبرا على ورق، ولم يزل العنف المفرط تجاه المحتجين مستمرا وبرعاية احد خبراء الشرطة الامريكيين.
ماذا يعني ذلك؟ ليس هناك سوى اجابة واحدة وهي أن جزءا من مشكلة الثورة البحرينية انها في منطقة استراتيجية اقتصاديا وجغرافيا وسياسيا وتحظى انظمتها بالحماية الامريكية وبالتالي لا تسري عليها قوانين التغير والثورات من المنظور الامريكي التي تسري في مناطق عربية اخرى، فبقاء الانظمة وتخلفها السياسي اهم بالنسبة للامريكان، وهذا ما يفسر سر الازدواجية في الموقف الامريكي من الربيع العربي فهي تقف بقوة ضد انظمة عربية، وتقف بقوة مع انظمة ضد شعوبها كما هو الحال مع البحرين، مع العلم ان المطالب الشعبية في كل البلدان الثائرة هي واحدة: حرية، ديمقراطية، عدالة، وكرامة. لكن المصالح الاقتصادية الامريكية في منطقة الخليج العربي اهم من الديمقراطية، وبقاء الأنظمة القبلية والموالية للغرب اهم من مطالب وتطلعات الشعوب، والديمقراطية الامريكية تتوقف عند بوابات الخليج ولا تدخلها. فرائحة النفط اهم من نسائم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان العالمية.2- النظام يريد الحوار:
بين فترة واخرى يعلن النظام الحاكم في البحرين عن رغبته في الحوار، وفي سبيل ذلك يطلق تصريحات من قبيل: ان باب الحوار مفتوح مع المعارضة بشرط ان تدين العنف. أي عنف هذا الذي يتكلم عنه النظام، فماذا يقول عن عنفه وقمعه وتنكيله بالمعارضين والمحتجين لأكثر من سنة. انه قلب للحقائق الدامغة.
وفي واقع الامر ان تصريحات النظام الاخيرة على لسان وزير العدل ليست جديدة انما متكررة، وتأتي في سياق ضغط عالمي عليه بخصوص ملفه الفاضح في انتهاك حقوق الانسان، حيث يهدف الى ايهام الرأي العام العربي والدولي بأنه منفتح على الحوار مع المعارضة، ولكن المعارضة هي التي ترفض ذلك. في حين ان حقيقة موقف النظام انه لايريد الحوار، وليس جادا في ذلك انما يطلق مثل هذه التصريحات كلما حُشر في الزواية وانكشفت سوأته وانتهاكاته، على الرغم من الغطاء الامريكي. فلو كان جادا في الحوار واخراج البلاد مماهي فيه لأطلق عدة مبادرات لتهيئة البيئة المناسبة لحوار وطني جاد بين النظام والمعارضة ومنذ فترة، وخصوصا اطلاق سراح القيادات السياسية التي رهن الاعتقال.
اذا اراد النظام الخليفي ان يتحاور بشكل جدي فما عليه الا ان يبدأ بداية جدية وسليمة باتجاه المعارضة وذلك من خلال اجراءات محددة لا يملكها الا النظام نفسه ولا احد يستطيع القيام بها غير النظام نفسه، وتتمثل في سلة من الخطوات العملية وهي: اطلاق سراح القيادات السياسية المسجونة دون مبرر سياسي او اخلاقي، وقد برأهم تقرير لجنة بسيوني، ومن خلال اقالة الحكومة الحالية (فهي المسؤولة عن الأزمة السياسية المستحكمة وعلى رأسها رئيسها)، ومن خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومن خلال انتخاب لجنة لصياغة دستور جديد يؤسس لملكية دستورية، ومن خلال إبعاد الشخصيات التأزيمية سواء من العائلة الحاكمة او من المجتمع، ومن خلال الاعتذار لأهالي الشهداء والمتضررين، والسماح بحق التجمهر والاجتماع والتظاهر السلمي في أي مكان، وعودة المنفيين لأسباب سياسية، بالاضافة الى عودة المفصولين والموقوفين الى اعمالهم الأصلية وتعويضهم عما لحق بهم من اذى نفسي ومادي، والغاء كافة المظاهر الأمنية والعسكرية في مدن وقرى البلاد، وسحب القوات السعودية من البلاد. ودون اجراءات جدية من هذا القبيل، فإن حديث النظام عن الحوار هو من قبيل كلام في الهواء، ليس له مصداقية، حتى لمن يتفوه به من رجالات النظام كوزير العدل وهويعلم ذلك علم اليقين. اما التذرع بالعنف والطلب من المعارضة ادانة العنف، فإن من يمارس العنف هو الحكومة، ومن ينتهك حقوق الانسان فهو الحكومة ايضا، اما الحركة الاحتجاجية فهي سلمية والنظام يعرف ذلك تماما. والنظام هو الذي قمع الحركة في دوّار اللؤلؤة بشكل دموي، كما يقوم بقمها هذه الايام في كل مكان تظهر فيه. فعن أي حوار يتحدث وزير عدل النظام، ربما يقصد حوار طلقات الشوزن والمطاطي والرصاص وحرق البيوت والاعتقالات التعسفية وهدم المساجد، لا بل ازالة دوّار اللؤلؤة من الوجود.
تصريحات لا خير فيها، فقط للعلاقات العامة التي برع فيها النظام في محاولة للخروج من المأزق الذي وضع النظام نفسه فيه. نعم مع الحوار ولكن وفق ارضية وبيئة محددة كما بيّنا بيئة حاضنة للحوار – وضد الحوار الذي يرغبه النظام على طريقة الشيوخ القبلية. فقد انتهى زمن الحكم القبلي في 14 فبراير 2011. ولا عودة الى الوراء مهما حاول النظام الخليفي. ربما ينطبق على حوار النظام المثل القائل: كيف اعاودك وهذا اثر فأسك. وبالفصيح هذا اثر رصاصك على اجساد المتظاهرين والمحتجين.’ باحث بحراني في علم الاجتماع