الامن الثقافي!
يحيي ابوزكرياالامن الثقافي!-1- اخبرنا وزير عربي للثقافة ذات يوم انّه طلب من فخامة رئيس دولته ان يرفع ميزانية وزارة الثقافة لتفعيل الدور الثقافي والحركة الفكرية والمسرحية والفنية اسوة بميزانية وزارة الثقافة الفرنسية التي تعد كبيرة للغاية، فاجابه هذا الرئيس العربي وكان عسكريّا محدود الثقافة بقوله: اصرف الاموال علي المواخير وبيوت الدعارة ولا اصرفها علي الثقافة …تفسّر هذه الحادثة الي حدّ كبير سبب الكساح الثقافي والفكري الذي يميز الواقع العربي الذي برع محللونا في كشف الانهيارات السياسية فيه، فيما لحدّ الآن لم تجر ايّة عملية استقصاء حول خسائرنا الثقافية او سقوطنا الثقافي ومصاديقه في كل المشاهد العربية…-2- واحد من اهم اسباب التراجع الثقافي في الوطن العربي هو تخصيص الميزانيات العملاقة للجيوش والاجهزة الامنية وتخصيص الجزء اليسير او قل الفتات من المال للفعل الثقافي، وربّ دولة عربية تشتري اسلحة بقيمة 10 مليارات دولار، لكنّها تنأي بنفسها عندما يتعلق الامر بدعم قطاع المسرح العام او تطبيب المثقفين المبدعين الذين انهكتهم الامراض ويبحثون عمن يجمع لهم مالا للعلاج ..ولو كان العالم العربي في حالة حرب مع امريكا او الكيان الصهيوني لهان الامر، ونسينا امر القصيدة وركزنا علي الدبّابة، لكن الالم يتضاعف عندما نكتشف انّ هذه الاسلحة التي كلفت ميزانية جيلين تقريبا الغرض من شرائها الدفاع عن الحاكم ونظامه السياسي المهترئ، ولاستخدامها في حروب حدود مع دول مجاورة تدين بالدين الواحد وتتكلم اللغة الواحدة …-3- هذا النزوع باتجاه العسكرة والتسلّح لا ينمّ عن استراتيجية عسكرية او سياسية، بقدر ما ينم عن التركيبة الفكرية لصنّاع القرار في العالم العربي الذين تخرجوا من رحم العسكريتاريا وينظرون الي الحياة بعيون هاون ودوشكا وليس بعيون الجمال والرومانسية والعدل، وعدم تلقيهم للتعليم المدني اوجد جفوة بينهم وبين القيم الانسانية والمثل العليا . فهم اذا خيّروا بين العصا والقصيدة يختارون العصا، واذا خيروا بين البندقية والرواية يختارون البندقية، واذا خيروا بين الثكنة والحديقة الغنّاء يختارون الثكنة، واذا خيروا بين الظلم والعدل يختارون الظلم، وهذه المسلكية جعلت احد العلماء يقول لو انّ الحاكم يحسّ بتلذذنا اثناء غوصنا في قراءة الافكار والحضارات لقتلونا لاجل تلذذنا هذا.واذا كان التكوين الشخصاني لصانع القرار كما ذكرنا فكيف يتفاعل مع قيم الجمال والفكر والفن، ففاقد الشيئ لا يعطيه، والجاهل لا يستشعر لذّة الثقافة، ومن ادمن حبّ الحديد والاصفاد والقيود لا يمكن ان يستشعر عظمة الثقافة.-4- التركيز علي الامن القومي او الامن النظامي ان صحّ التعبير، جعل امننا الثقافي في خطر، فحصوننا اصبحت مدكدكة ثقافيا وفكريا وباتت فضاءاتنا كل فضاءاتنا مخترقة كما هو واقع جغرافيتنا … ففي الوقت الذي بذلت فيه فرنسا ملايير اليوروات من اجل تحصين الثقافة واللغة الفرنسيتين من الغارة الامريكية والانجلوسكسونية، فانّ منتظمنا العربي الرسمي لم يبذل اي جهد في سبيل حماية الثقافة الذاتية والعادات والتقاليد، وكانّه كان مكلفا بمهمة تعرية واقعنا الثقافي والفكري ليسهل لاحقا علي الدبّابة الامريكية والغربية الايلاج في جغرافيتنا..وعلي سبيل الذكر لا الحصر، فكثيرا ما اقول وانا في الخليج انك لغتي الانكليزية تقوي في هذه الجغرافيا، لاني لا استخدم اللغة العربية مطلقا، فالعامل في الفندق لا يتكلم الاّ الانكليزية، والحلاق هندي لا يجيد الاّ الانكليزية، وصاحب الفندق امريكي، والبائع باكستاني، وحتي اطفال الخليج يتكلمون الانكليزية بلكنة امريكية وقد نسوا مع الخادمات ذوات اللسان الانكليزي لغة الضاد نهائيا … و اذا عرفنا انّ اللغة هي الفكر نفسه نستطيع ان نتصوّر اي انماط فكرية ومسلكية تسود لاحقا …-5- عدم اهتمامنا بالامن الثقافي وتحديدا من قبل المنتظم السياسي الرسمي جعل فضاءاتنا الفكرية والثقافية عرضة للقصف والنسف وساهم في انتاج الطفيليات الفكرية والثقافية، وبروز الاقليات الفكرية الشاذة التي تريد ان تربط الامة بالدبّابة الامريكية والاغنية الامريكية وطريقة الحياة الغربية بسيئاتها، وهذا الرهط من الطفيليين بدل ان يركز علي محاسن الحضارة الغربية من قبيل احترام الوقت وارخاء العنان للابداع التقني، يركّز علي مساوئ الحضارة الغربية ويطالب بان تلتقي هذه المساوئ بمساوئنا ليتسني لنا صناعة النهضة.ويصرف هذا النظام الرسمي العربي ملايين الدولارات علي الفضائيات او الغنائيات، التي برعت في الفن والطرب فقط، ويوجد بعض البرامج في بعض الفضائيات او الغنائيات يكلّف مئات آلاف من الدولارات ويعطي لهذا المطرب او ذينك المطربة عشرات آلاف الدولارات مقابل المشاركة في البرنامج، ولم نسمع ان نفس القيمة او اقلها اعطيت لاديب مبدع، وقد سألت مدير فضائية عربية عن سر احتضان الفنانات والفنانين وتغييب المثقفين والمبدعين، فقال لي بهمس – وكان يظن انّ غرفته الفاخرة يتنصت عليها – انّها توجيهات الجهات العليا ..فقلت له: عجيب الجهات العليا مع الجهل والتجهيل، وضد الثقافة والمثقفين، وعندما خاف خوفا شديدا امسكت عن الكلام، لكنّه اقيل بعد فترة من منصبه ….-6 – التزام الجماهير بايديولوجيا معينة يؤرقنا والوعي والتنوير مصطلحان يجلبان لنا المتاعب، والجماهير المنقادة وراء فيفي عبدو وهيفاء وهبي ونانسي عجرم هي اسلس واسهل علي نظامنا واجهزتنا الامنية، بهذه العبارة يفسّر احد صناع القرار في العالم العربي سبب انغماس الجهات العليات في دعم كل ساقط في العالم العربي، ففي ظنه انّ تغييب الثقافة الجادة يدخل في سياق الحفاظ علي الامن القومي الذي قد تهزّه قصيدة جادة او رواية اصيلة او مسرحية شعبية، ويقول لي هذا المسؤول العربي وكان جالسا علي كرسي وثير، انّ الحكم كنسائنا من نظر اليهن بشزر قتلناه .. المعادلة التي تحدث عنها المسؤول اياه تفسّر لماذا تراجع المسرح والقصة والرواية والفن التشكيلي والاعمال الدرامية الجادة والصحافة الهادفة البناءة والاعلام المرئي المتألق، وهذا التراجع لم يؤد الي خرم الامن الثقافي فحسب، بل افضي الي وضع مزر وخطير يعيشه معظم المبدعين الملتزمين، والرئيس العربي يستأنس عندما يبعث راقصة للعلاج في الخارج ولا يسعف اديبا روائيّا اصيب في كبده المتقطّع بفعل الانهيارات الكــبري والذي يجمع له اصدقاؤه تبرعات للعلاج من هنا وهناك ..-7- في كتابه الرائع طبائع الاستبداد ، يقول عبد الرحمان الكواكبي انّ الحاكم عدو التنوير والعلم والثقافة والحضارة وصديق الجهل والظلام والعتمة والاستبداد … ويمكننا ان نستصحب كلام عبد الرحمان الكواكبي علي راهننا العربي الغارق في اناشيد الحكام وسلّم علي الواوا ………….ہ كاتب من الجزائر8