الامير تركي الفيصل يؤكد ان أي صراع ينشأ بين السعودية وإيران في لبنان سوف يمتد الي خارجها ولن يجد له من مشجعين سوي المتطرفين في الجانبين
قال ان كارثة العراق تكشف عن قوي سياسية لم تتعلم بعد فن التعايش وتقاسم السلطةالامير تركي الفيصل يؤكد ان أي صراع ينشأ بين السعودية وإيران في لبنان سوف يمتد الي خارجها ولن يجد له من مشجعين سوي المتطرفين في الجانبينابوظبي ـ القدس العربي من جمال المجايدة:قال الامير تركي الفيصل رئيس مركز الدراسات بمؤسسة فيصل العالمية وسفير السعودية السابق في واشنطن ان مجلس التعاون لدول الخليج العربية يواجه أزمة تعكر صفو الاستقرار فيه وتهدد أمنه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.واوضح في محاضرة بمؤتمر ينظمه مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول امن الخليج في ابوظبي ان حالة الأزمة أصبحت ظاهرة تخطّي الحديث عنها النطاق الإقليمي، فغدت محور كتابات كثيرة تحللها وتبحث عن دوافعها وتقترح لها الحلول يغذي بعضها روح الكراهية والعداء مستفيدة في ذلك من خلافات مذهبية وسياسية تطرأ بين طرفي الخليج: دوله السُّنيّة علي شواطئه العربية، وإيران الشيعية علي الشاطئ الآخر.وهذه الكتابات والتحليلات الصادرة عن محللين سياسيين يعيشون بعيداً عن المنطقة جعلت من إيران محوراً لمدّ شيعي يسعي حثيثاً الي مدّ نفوذه في منطقة الهلال الخصيب، مما يعني تقويض حركة التعايش السلمي بين أطياف المجتمع العربي بمختلف مذاهبه وعقائده التي ظلت قائمة علي مدي قرون طويلة، ومن ثم كما يزعم هؤلاء المحللون بروز إيران كقوة مهيمنة في المنطقة، وقد ساعد علي قبول مثل هذه التحليلات غير الايجابية بروز قوي حديثة التكوين في المنطقة تدور في فلك ايران اشتطت في تحديها لكل ما يخالف توجهاتها فلجأت الي العنف لتصفية حساباتها مع إخوانهم السنة فسمتهم تارة بالوهابيين، وتارة أخري بالتكفيريين، وأشاعوا أنهم ممن ساندوا أو سكتوا علي اضطهادهم في فترة صدام حسين في العراق، والحق انه اذا عدل صدام في شيء، فلقد كان عادلاً في اضطهاده لكل العراقيين وبكل أطيافهم وطوائفهم.وقال الامير تركي الفيصل في المقابل فإن هناك عناصر انطلقت من عالمنا السني بدعوة بغيضة لقتل من سموهم بالرافضة والتنكيل بهم، واجتمعت الفئتان في العراق الذي أصبح مَلْفاً ومسرحاً لشتي أنواع الكره والبغض والمنكر.وهنا يبرز السؤال عن حقيقة ما يوصف بالخطر الإيراني وربطه بأحداث العراق ولبنان وانعكاسات ذلك علي أمن واستقرار دول مجلس التعاون .واضاف قائلا لقد رأينا قبل يومين اللقاء بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس أحمدي نجاد وقد اتفقا علي إخماد نار الطائفية المشتعلة في العراق وإطفاء جذوتها في لبنان، ولذلك فإنني أفضّل النظر الي إيران بوصفها دولة جارة وصديقة تربطنا بها روابط تاريخية ومصالح اقتصادية وتقارب في نمط الحياة الاجتماعية، وإذا كان هناك خلاف مذهبي بين ايران ودول المجلس فيجب ألا يؤدي هذا الخلاف المذهبي الي اي نوع من العداء والكراهية، لأنه خلاف قديم يصعب علاجه بين يوم وليلة، وتجاوزه يكون بتحكيم العقل والرجوع الي جوهر الدين الإسلامي الحنيف، وتغليب سماحته، وتوعية عامة الناس بأن التعايش مطلوب من أجل توفير الأمن للمنطقة، وأن لا فائدة من تسخير جزئيات من السلبيات المذهبية في زمن يحتاج فيه الناس إلي التقارب والألفة لتحقيق الرفاهية والاستقرار لشعوب المنطقة بأكملها. ان إيران ودول مجلس التعاون نسيج باهر من السنة والشيعة يشبه في دقة حياكته أبرع ما ينسج من زرابي في تبريز أو نائين أو شيراز . وقال الامير تركي الفيصل إن الاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة وجلهم من الشباب يجب ألا تكون بتخديرهم وجعلهم ينتظرون (مائدةً من السماء) ولا بنشر أفكارٍ متطرفة بينهم تشل قدراتهم الإنتاجية، وتُورث التواكل، وتُشيع التعصب والاختلاف.وقال ان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تسعي لاستتباب الأمن لجميع دول المنطقة روحياً واقتصادياً، ولذلك فلقد أكدت المملكة العربية السعودية وشريكاتها في مجلس التعاون علي ضرورة حل القضية الفلسطينية، حلا عادلا، لأنها قضيتنا الاولي ومرتكز امننا وهمنا، وكذلك علي ضرورة خلو منطقة الشرق الأوسط من جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، وحق جميع دول المنطقة المشروع في الاستخدام السلمي لجميع أنواع الطاقة، بما فيها الطاقة النووية، ولقد حثّت دول المجلس إيران لمرافقتها في هذا المجال. ولا يحق للمجتمع الدولي أن يكيل بمكيالين فيحرمنا وإيران بل يندد بنا جميعاً عندما نسعي لاقتناء أسباب المعرفة النووية من جهة، ويغض الطرف بل ويدير ظهره لما قامت وتقوم به إسرائيل التي أصبحت تملك القنبلة النووية.وقال ان ما ذكرته سابقاً يدخل في إطار التمني والأمل، وان كنت أقر بأن الحكمة لا تزال غالبة في جانبي الخليج، ومن ضمن ما أتمناه هو أن نغير نظرتنا تجاه ما يمكن أن نطلق عليه (عقدة العيب) التي تظهر عند ربط الاهتمام بالمصالح المادية. ان العلاقة القائمة علي مصالح مادية بين الدول مفيدة وإيجابية، فلا نقيسها بالعلاقات الإنسانية الخالصة بين رجل وشقيقه أو صديق وصديقه، وأعطي مثالاً علي ذلك بعلاقة المملكة بدول الخليج وهي علاقات ممتازة وأخوية ولكن البحرين ودبي هما أقرب من غيرهما بحكم الاستثمارات السعودية الهائلة فيهما، وحجم التبادل التجاري المتزايد بينهما والمملكة، وفي هذا السياق تسعي المملكة وتضع في قائمة أولوياتها التنموية التكامل الاقتصادي بينها وبين جميع دول الخليج العربي.ولنا في لبنان أنموذج آخر، فهذه العلاقة والمصالح مع لبنان جعلت المملكة تنشغل بتطورات الوضع هناك منذ استقلاله، وحتي التنازع الأخير بين الحكومة والمعارضة، والذي خرج عن الإطار المقبول واقترب من حالة الفتنة السياسية والأدهي من ذلك، الطائفية، ولما كان طرف النـزاع الرئيسي مرتبطاً فكرياً وعضوياً بإيران، وأقصد هنا حزب الله، كانت المملكة ودول الخليج ولا تزال مرتبطة بكل لبنان، فلا يمكن القول بان حلفاءنا هناك السُنّة دون غيرهم، لأن موقع المملكة الريادي في العالم الإسلامي يحتم عليها أن تكون لكل العرب والمسلمين، دون تفريق بين طائفة وأخري، مسلمة أو غير مسلمة، ودفعاً للتنافس والشقاق فقد وجدتِ المملكة أنه من الضروري فتح حوار مع إيران بدلاً من الصراع معها في لبنان، لأن الصراع سيضر أولاً باللبنانيين كلهم، ثم بالعلاقة بين الجارين الكبيرين علي ضفتي الخليج، وأخيراً وهو الأمر الأهم سوف يضر أي صراع بالعلاقة المتوترة أصلاً بين السنة والشيعة، وهي علاقة لم نبذل بعد الجهد الكافي لعلاج اضطرابها بطرق تؤدي الي تأصيل أسس للتعايش الحضاري في إطار روح التسامح الهائلة التي يفيض بها ديننا الحنيف، فإن لم نستطع فعل ذلك فعلي الأقل نمنع الاحتراب بين أتباع المذهبين.وقال الامير تركي الفيصل مما لا شك فيه أن أي صراع ينشأ بين السعودية وإيران في لبنان سوف يمتد الي خارجها، ولن يجد له من مشجعين سوي المتطرفين في الجانبين الذين لا يعيشون ولا يزدهر منطقهم السقيم والأعوج المخالف للإسلام الصحيح إلا في زمن الفتن والنـزاعات، فإذا غابت الفتن أثاروها، وإذا اصطلح الناس فتنوا بينهم وأججوا الخلاف والشقاق، أما المشجع الآخر فأجنبي غريب، يعيش علي خلافاتنا ويبرر وجوده بيننا بنـزاعاتنا، ولذلك فنحن نتشاور مع كل اللبنانيين، ونسدي النصح لهم ونستمع إلي ما يخالجهم من اهتمامات وهموم ونقارب ونوازن بينهم ، ولكننا حريصون كل الحرص علي ألا نخدش سيادة لبنان أو أن نقدم مصلحتنا علي مصالح الشعب اللبناني.وقال إن الأزمة اللبنانية مستمرة، وهذا أمر لا يمكن إخفاؤه، ولكن يمكن القول ان حدتها خفّتْ بعض الشيء بفضل التواصل السعودي الإيراني الذي أدّي بالتعاون مع القوي اللبنانية المختلفة الي تجاوز لحظات حرجة كادت أن تُفجر كل شيء، ولا تزال المساعي مستمرة، وعسي أن تكلل بنجاح قريباً.واكد ان المبدأ الذي تنتهجه المملكة في التفاوض ليس التهديد، أو القوة العسكرية، أو الضغوط السياسية، وإنما هو مبدأ يستند إلي حقيقة قوامها أن شعوب المنطقة تريد العيش الكريم، والأمن، والاستقرار، مع الحرية والكرامة كي يسعي كل مواطن في طلب ما قسمه الله له من رزق يوفر له بيت يؤويه، وتعليم لأبنائه وصحة تغنيه. إنه منطق سليم، وعندما نتفق عليه مع الطرف الآخر نستطيع أن نحل به كل مشاكلنا، ولا يبقي حينها اختلاف حول تشكيل محكمة دولية تقضي بالحق في قضية اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري رحمه الله، فهذه المحكمة ان أدّتْ دورها فلن تكون بدافع سياسي بل بدافع أمني يحتاجه كل مواطن في لبنان، كما أنه لا معني للاختلاف علي حقوق الشيعة في لبنان، إذ إن من البديهي أن لهم التمتع بكل الحقوق التي يفترض ان يتمتع بها أفراد المجتمع اللبناني كافة للمشاركة في بنائه والاستفادة من خيراته. لا يبغون ولا يهمشون، طرف في الحكومة، فلا يُقصون عن قرار ولا يفرضون علي الشعب قراراً. واذا انتقلنا الي مشكلة العراق فسوف نجد ان هناك حاجة ملحة وضرورية الي تعاون سعودي خليجي عربي إيراني يسعي حثيثاً لرأب الصدع دون انتظار حل الأزمة في لبنان، وان كان حلها هناك سوف يساعد في توفير أرضية تشكل قاعدة يمكن البناء عليها، ولكن وضع العراق لا يمكن تأجيله الي حين حل أزمة لبنان، فهو ينـزف الآن وكل يوم وبغزارة، وثمة حاجة للتعاون فيه للم الشمل.وقال انه لمن المؤسف ان في العراق قوي سياسية لم تتعلم بعد فن التعايش وتقاسم السلطة، واللجوء الي العقل في إعطاء كل ذي حق حقه بدلاً من السعي الي استئصال الآخر ونفيه وتشريده. ان هذه القوي بحاجة الي ان يقدم لها العون كي تنهج النهج القويم الساعي الي تحقيق العدالة والمساواة والحرية لأفراد المجتمع العراقي، وعلينا ألا نسمح لها باستغلالنا من أجل تصفية حساباتها، والتمدد القسري علي بعضها البعض مستخدمة سلاح التشدد والمذهبية، لتغطية أطماعها السياسية، وتحقيق شهوة الزعامة والتسلط. ونطالبها بالكف عن المزايدات، ان كانت عرقية أو مذهبية، وبالإخلاص في النية والصفاء في القلوب. وعلينا نحن أن نترفع بأنفسنا عن استخدامهم، واستغلال حاجاتهم، واستثمار خلافاتهم، من أجل تصفية حساب مع عدو بعيد، أو كورقة ضغط علي طامع قريب.