راتب عمروما من شك ان النقاشات الدائرة على الساحة السياسية الأردنية هذه الأيام والمتمثلة في تصريحات العديد من الشخصيات السياسية والبرلمانية والأعلامية والشعبية، والتي طفت على السطح في الأونة الأخيرة وبدت وكأن هؤلاء يدقون ناقوس الخطر بنبش ملفٍ من اخطر الملفات في تاريخ المملكة منذ تأسيسها، من باب خوفهم على الأردن من خلال تكرارهم لما يسمى بمقولة ‘الوطن البديل’ وأسطوانته المشروخة البالية والتي تأتي في غير توقيتها المناسب، خاصة وقد طغى على تلك النقاشات والمناكفات رائحة المناطقية وتغليب ذلك على التاريخ السياسي الطويل.المتأمل في تلك النقاشات والتجاذبات التي ارتفعت وتيرتها في السنوات والأشهر الماضية يلاحظ وللوهــــلة الأولى بأنها تتناقض مع التوجهات الرسمية لرأس النظام وممارسات الدولة الأردنية على الأرض وخاصة تلك التي طغت على المشهد السياسي الأردني خلال الأشهر الماضية، وجُل اسبابها يتعلق بالعلاقة الأردنية الفلسطينية التي كثُر الحديث عنها مؤخراً في اعقاب اعلان ‘الدولة’ الفلسطينية، والأنتخابات البرلمانية الأردنية المقررة اليوم.ما اريد قوله هنا فيما يتعلق بمقولة ‘الوطن البديل’ يصب في مصلحة ابناء الأردن دونما استثناء ودون تحّيز او تمييز، وهو ان بعض الأوساط الأسرائيلية المتطرفة درجت في السنوات الأخيرة وعلى فترات تكرار عبارة ‘ الوطن البديل’ كجزء من حربها النفسية الممنهجة ضد الفلسطينيين، سواء من بقي منهم على ما تبقى من ارض فلسطين التاريخية في الضفة والقطاع، او من يتواجد منهم في دول الجوار العربي وأغلبهم على اراضي المملكة الأردنية الهاشمية، في محاولة لطرد شبح ‘حق العودة’ من عقولهم وأيصالهم الى مرحلة متقدمة من اليأس، ثم ان المطلوب اسرائيلياً هو ان يعيش الأردن بكافة مكوناته السياسية والأجتماعية حالة خوف على الدوام من المكوّن الفلسطيني، ناهيك ان افساد العلاقة الأردنية الفلسطينية هو هدف من اهداف التطرف الأسرائيلي ويأخذ مساحة واسعة من مخططاته وأهتماماته الممنهجة، جازما بأن لا هذا ولا ذاك لم ولن يكون ممكنا لأن مخططات اسرائيل في السنوات القادمه تتمثل ان تتمدد اسرائيل في المنطقة العربية وتصبح جزءا من منظومة ‘الشرق الأوسط الجديد’ التي يتم الأعداد لها اميركيا وأوربياً من خلال التجييش ضد الملف النووي الأيراني بعد ان التقى الخوف العربي مع المصالح الأسرائيلية.ولا اظن ان حق العودة الى الوطن الأم فارق الذاكرة الفلسطينية، حتى على الرغم من ان مساحة كبيرة من تلك الذاكرة لم تعد تؤمن او انها لم تعد تصدق مقولة ‘التحرير’ التي عاش على ايقاعها نفر ليس بالقليل خلال السنوات الماضية، ثم ان اعلان الدولة الفلسطينية جاء ليضع العلاقة الأردنية الفلسطينية امام امتحان صعب وأن هذا الأمتحان إما ان يجمعنا لنبني مستقبلنا السياسي والأقتصادي والأجتماعي معاً، وإما ان يفرقنا الى ان نصحو لنجد اننا اخطأنا بحقنا وحق اجيالنا القادمه التي سترفض الفُرّقة وتتمرد عليها وعلينا.غير ان الحقيقة المرة التي لا يرغب الكثير سماعها ممن يعتقدون بتفردهم بالولاء لهذا الوطن الذي يضم بين جنباته اخوة واشقاء من كافة الأصول والمنابت، هي ان تلك الأوساط الأسرائيلية المتطرفة تؤمن ان الأردن بحدوده الجغرافية هو جزء من ارض شعب اسرائيل التي منحها اليهم الرب ‘ارض الميعاد’، وهي جزء مما ورد في بروتوكولات حكماء صهيـــــون ‘من النيل الى الفرات’، وهذا ُحُلمٌّ عفى عليه الزمن منذ ان وقعّت اسرائيل والأردن على اتفاقية وادي عربة التي يعترض عليها البعض حتى ممن يعزفون على وتر ‘الوطن البديل’، وأن اعلان الدولة الفلسطينية والعـــلاقة الأردنية الفلسطينية اذا قُدّر لها ان تكون ستنهــي هذه المقولة وتضع حدا لها والى الأبد، خاصة اذا كان لهذه الدولة الفلسطينية ان تكتمل، ولهذه العلاقة التاريخــية ان تتجذر وتطفو على السطح.وقد اتفهم هذا الحرص والقلق على الأردن من باب ان الأطماع الأسرائيلية ليس لها حدود ولا تحكمها معاهدات او اتفاقيات دولية اذا ما سادها التطرف وطغى عليها التنكّر والجحود، ولكنني لا افهم هذا اذا ما كان مرده الخوف من ‘البعبع’ الفلسطيني، تحت هذه الأسطوانة التي مللنا من سماعها وسئمنا من تكرارها، والتي اعتاد الكثيرون على ترديدها ليس من باب الخوف على الأردن بل من باب الخوف من الآخر ومن باب المصالح الشخصية طمعا في منصب او تقرّبا من مسؤول اعتقادا منهم ان الولاء للوطن والنظام لا يتأتى الا من خلال التحيّز ضد الأخر والتجني على انجازاته والتنكر لحقوقه، رغم ان هذا الآخر ومن ثبت منهم على التراب الأردني لم يكن في يوم من الأيام الا نموذجا من نماذج الولاء والأنتماء لهذا الأردن الذي احب، وأن الولاء للأردن لم يكن في يوم من الأيام على حساب فلسطين، كما ان الأنتماء لفلسطين لم يكن ولن يكون على حساب الأردن، ثم أن من بقي على ارض فلسطين فقد تشبث بها حباً وأنتماءً لهذا الفُتات من الوطن الذي تبقى له.افهم كذلك ان الأنتخابات البرلمانية الأردنية تَقرر اجراؤها اليوم، وأن الحكومة الأردنية عملت كل ما تستطيع لأنجاحها وأنجاح التجربة البرلمانية في الأردن. ولكنني لا افهم هذا التناقض بين الجهد الذي قامت به الدولة لانجاح التجربة الديموقراطية، وتشجيع المواطن الأردني على الأقبال على تلك الأنتخابات، من خلال الحملة الأعلامية المكثفة في جميع وسائل الأعلام المرئية والمسموعة، حتى انها خصصت من برامجها تلك مساحة واسعة من جهدها الرسمي والشعبي لتشجيع ذوي الأصول الفلسطينية على الأقبال لأستلام بطاقاتهم الأنتخابية والمبادرة للأدلاء بأصواتهم في صناديق الأقتراع، مستعينة بجهات فلسطينية رسمية وشعبية داخلية وخارجية لأتمام هذا العرس الديموقراطي الذي نتمنى ان يتم على احسن وجه.الأمر الذي يبدو للمتابع منذ الوهلة الأولى انه يشكل تناقضاً واضحاً بين ما يُقال في وسائل الأعلام وعلى السنة نخبة من كبار القوم في مجالسهم الخاصة تارة وعلى رؤوس الأشهاد تارات اخرى وبين ما قامت به الدولة خلال الأشهر الماضية. ثم ان ما قامت به الدولة من جهد مُضن لأنجاح التجربة الديموقراطية- واذا ما فهمناه على طريقة من يعتقدون بتفردهم بالولاء لهذا الوطن كأنه تعزيز لمقولة ‘الوطن البديل’ وترسيخ لها على اعتبار ان من بين الذين استهدفتهم جهود الدولة ادوات لهذا ‘البعبع’ الذي يخافون ويحذّرون منه. الأمر الذي يمكن فهمه على ان خوف هؤلاء وتحذيراتهم ومناكفاتهم انما هي اهدار للوقت ونبش للماضي وتقليب للمواجع، وأن رأس النظام وطموحاته وتطلعاته المستقبلية في واد وأن هؤلاء العازفون على هذه الأسطوانة المشروخة في واد اخر. تمنيت لو ان الحكومة الأردنية لم تلجأ الى جهات فلسطينية رسمية، وتمنيت اكثر لو ان الجهات الرسمية الفلسطينية لم تحشر نفسها في الشأن الداخلي الأردني، لأن ذلك قد يُستغل من قبل بعض النُخب الأردنية بأنه تكريس لما يُسمى ‘بالوطن البديل’ سواء ضد الدولة او ضد ذوي الأصول الفلسطينية بأعتبار ان مرجعيتهم ليست اردنية وأنهم يحددون علاقتهم وأنتماءهم لهذا الوطن بموجب اجندات خارجية. وفي غفلة من هؤلاء وغفلة من الزمن اقتربوا كثيرا من احد اهم اركان التميّز الأردني، وأسباب منعته وأستقراره الا وهو ركن ‘الوحدة الوطنية’، وصحيح ان شبح ‘الوطن البديل’ يطارد الذاكرة الأردنية من كافة المنابت والأصول، ولكن غير صحيح ان نُصبح ادوات ومن حيث لا ندري في ايدي التطرف الأسرائيلي لنعبث في المحرمات وندخل دهاليز الصراعات الضيقة من بوابة هذا المسمى، بدلا من ان نوحدَّ جهودنا وأمكانياتنا وهي كثيرة للوقوف في وجه اي مخطط للعبث بهذه الوحدة الوطنية الأنموذج والأنجح في تاريخ المنطقة العربية. وأخيراً فإن ما جمع اطراف المعادلة الأردنية سواء من هم من شرقي النهر او من غربه سويّا على هذا التراب الذي تعايش الجميع معه فأصبحوا جزءا من ذاكرته التاريخية والسياسية هو وحدة مقدسة، وقدما معا وجنبا الى جنب التضحيات والشهيد تلو الآخر في الكرامة والمغطس وغور الصافي وديرعلا والشونة الجنوبية والشمالية، فداءً للأردن ودفاعا عن ترابه الطهور، كما قدما معا وسويا التضحيات والشهيد تلو الآخر في القدس وباب الواد واللطرون والسموع وقلقيلية وجنين فداءً لفلسطين ودفاعا عن ترابها الطهور.كما ان المكوّن الفلسطيني عاش على تراب هذا الأردن الذي احب، عليه كل ما عليه من واجبات وله بعض ما له من حقوق، وقبل بما لا ولم ولن يقبله اقرانه من اي مكوّن اخر، ورغم كل هذا وذاك فهو قابل وصامت ولكن ماذا بعد؟كل ذلك يدفع الجميع بل يتوجب عليهم ان يتعمقوا اكثر وأكثر بأن تلك الوحدة المقدسة كانت ولا تزال وستبقى على مدى الزمن نموذجا ونبراسا للوحدة العربية، بدأت معالمها في الظهور حتى قبل سقوط فلسطين وقبل قرار التقسيم، وترسّخت وتجذّرت بعد ذلك، ثم اننا نعيش هذه الأيام احداث الربيع العربي بما فيها من تناقضات اوصلت البعض من دول الجوار الى ما لا يسر الصديق ولا حتى العدو، فلماذا لا نتعظ؟.’ كاتب فلسطينيqmdqpt