الانتخابات البلدية في تركيا: زعامة اردوغان تبدأ في التراجع من نقطة الانطلاق

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: يطلق عليه أنصاره «الطيب» و»الرجل القوي» و»الرجل الطويل»، فيما يلقبه معارضيه بـ»السلطان» و»الديكتاتور»، لكن ما يُجمع عليه الطرفان، أن بائع الكعك التركي «السميط»، ما زال بلا منازع الزعيم الأقوى في تركيا من بعد المؤسس التاريخي للجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك. لكن مسيرة اردوغان التي يمكن حسابها بشكل مباشر منذ وصوله لرئاسة بلدية إسطنبول قبيل 25 عاماً وصولاً لتأسيس حزب «العدالة والتنمية» وعضوية البرلمان ورئاسة الحكومة ومن ثم الرئاسة وصولاً للزعامة المطلقة عبر النظام الرئاسي، عادت لتتراجع من نقطة الانطلاق، وهي البلديات.
وعلى الرغم من عدم ظهور النتائج النهائية الرسمية ووجود اعتراضات من الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، إلا أن النتائج الأولية تؤكد وجود تراجع لافت في أصوات «العدالة والتنمية» وخسارته بعض المحافظات المهمة في البلاد.
وإن صح أن الرئيس التركي حافظ على مدينة إسطنبول أكبر المدن التركية، حسب النتائج الأولوية غير النهائية، لكنه خسر العاصمة أنقرة التي يسيطر عليها منذ عقود، ومدينة أنطاليا، وسط تراجع لافت في مناطق أخرى.
ويرى مراقبون أن هذا التراجع عبر الانتخابات المحلية سيكون انذاراً لاردوغان لكي يعيد ترتيب أوراق حزبه وترميم شعبيته بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، فيما يرى آخرون أنها مقدمة لتراجع الحزب وتفتح الباب واسعاً أمام خسارته للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة عام2023.

بائع الكعك

اردوغان ولد في 26 شباط/فبراير 1954 في حي قاسم باشا الفقير في إسطنبول لعائلة فقيرة ومتدينة تنحدر أصولها من مدينة طرابزون، وأمضى طفولته في مدينة ريزة على البحر الأسود، ثم عاد للحياة في اسطنبول عندما كان عمرة 13 سنة.
وبسبب فقر أسرته ولتوفير مصروفه، عمل في بيع البطيخ ومن ثم الكعك التركي الشهير «السميط» خلال دراسته في المراحل الابتدائية والإعدادية، وكان مولعاً بكرة القدم واقترب من الاحتراف في السبعينيات.
تعلم في مدارس «إمام خطيب» الدينية التي حوربت في سنوات حكم العسكر، وأعاد هو دعمها وتوسيعها خلال السنوات الأخيرة. تخرج من كلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة عام 1981.
وكان في العام 1976 قد انضم إلى حركة نجم الدين أربكان الذي يُعتبر مرشده السياسي والذي تولى بعد سنوات، منصب رئيس الحكومة في تركيا التي وصفت حينها بـ»الإسلامية»، لكن الانقلاب العسكري في 12 أيلول/سبتمبر 1980 أبعد اردوغان عن المعترك السياسي حتى العام 1983، لكن الرجل عاد في العام 1985 ليصبح مسؤول مدينة اسطنبول عن حزب «الرفاه» الذي أسسه أربكان.

«مساجدنا ثكناتنا»

التطور الأهم كان في السابع والعشرين من آذار/مارس عام 1994 عندما انتخب رئيساً لبلدية اسطنبول أكبر مدن تركيا من حيث عدد السكان وحقق خلال ولايته طفرة كبيرة في العمل البلدي والإنجازات مما أكسبه شعبية كبيرة، لكنه اضطر إلى الاستقالة تحت ضغط العسكر في العام 1997. أدين عام 1998 بتهمة «التحريض على الكراهية الدينية» وأُقصي من الحياة السياسية وسجن لمدة أربعة أشهر في العام 1999. وأخذ عليه القضاء قراءته أثناء خطاب جماهيري في كانون الأول/ديسمبر 1997 شعراً يقول فيه: «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذنا، مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، وهو الشعر الذي بات يكرره في كثير من خطاباته السياسية مؤخراً.

تراجع لافت في أصوات «العدالة والتنمية» وخسارة محافظات مهمة

في تموز/يوليو 2001، أجازت له المحكمة الدستورية العودة إلى السياسة فأسس في 14 آب/أغسطس 2001 حزب «العدالة والتنمية» برفقة الرئيس السابق عبد الله غُل، والذي استقال منه لدى توليه منصب الرئيس في آب/أغسطس من عام 2014.
فاز الحزب في الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، لكن اردوغان لم يتمكن من تولي رئاسة الوزراء لإعلان المجلس الانتخابي الأعلى عدم أهلية انتخابه قبل شهرين من ذلك، وتولى عبد الله غُل (نائبه في رئاسة الحزب آنذاك) المنصب حتى يتسنى له تنظيم انتخابه شخصياً أثناء انتخابات تشريعية جزئية تمكن خلالها من الترشح بفضل تعديلات أقرها البرلمان الذي يهيمن عليه حزبه، وأصبح من بعدها رئيساً للحكومة في 11 آذار/مارس 2003.
واصل الحزب صعوده برئاسة اردوغان وتمكن من الفوز في الانتخابات العامة (البرلمانية) عام 2007 و2011 على التوالي، وواصل اردوغان ترأسه للحكومة طوال هذه الفترة وحتى انتقاله لكرسي الرئاسة، بالتوازي مع فوز الحزب في جميع الانتخابات المحلية السابقة.
في العاشر من آب/أغسطس 2014، فاز في أول انتخابات رئاسية تجري بالاقتراع المباشر من الشعب بنسبة 52٪ من الأصوات، لفترة رئاسية تمتد إلى خمس سنوات جعلته ثاني أطول شخص يحكم تركيا بعد الزعيم التاريخي مصطفى كمال أتاتورك.
تمكن من وضع حد لتدخل الجيش التركي في الحياة السياسية، وشهدت البلاد في فترة حكمه نهوضا اقتصاديا كبيرا وتمكن من سد ديونها للبنك الدولي، كما عمل على تطوير الجيش، وقرب تركيا من الدول العربية والإسلامية.
اعتمد اردوغان نهجاً جديداً فيما يتعلق بالمسألة الكردية وأنجز إصلاحات كبيرة، حركتها مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي التي أطلقت في تشرين الأول/اكتوبر2005 وما تزال تواجه صعوبات كبيرة، لكن الأحداث السياسية والأمنية الأخيرة دفعت باتجاه وقف مسيرة السلام مع الأكراد، ولاحقاً تراجعت العلاقات بشكل غير مسبوق بين اردوغان والاتحاد الأوروبي الذي بات هدفاً دائماً لخطابات اردوغان الحادة.

الصرع مع غولن

اتهم في الخامس عشر من يونيو/تموز 2016حليفه السابق فتح الله غولن بقيادة محاولة انقلاب ضده من خلال النفوذ الواسع لعناصر ما اسماه «الدولة الموازية» في مفاصل الدولة وخاصة سلكي القضاء والشرطة، وشن ضد أتباعه حربا شرسة ما زالت متواصلة حتى اليوم وشملت اعتقال ومحاكمة وفصل من الوظائق لأكثر من 150 ألفاً من المتهمين بالولاء لغولن.
وعلى الرغم من تعرض الحزب الذي أسسه إلى انتكاسة في انتخابات السابع من يونيو/حزيران 2015، إلا أن اردوغان عمل على دعمه بكل الطرق الممكنة وساهم في عودته لحصد الأغلبية البرلمانية بالانتخابات التي أعيدت بالأول من نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
ولاحقاً، تمكن اردوغان بصعوبة كبيرة من تمرير تعديلات دستورية جوهرية في أبريل/نيسان من عام 2016 تضمنت تحويل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي وتوسيع صلاحيات الرئيس وإتاحة الفرصة أمامه من اجل الحصول على فترتين رئاسيتين جديدتين تمكناه من البقاء في الحكم لـ10 سنوات مقبلة.
وحزيران/ يونيو الماضي، تمكن اردوغان مجدداً من حسم الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي بدأ عقبها بتطبيق التعديلات الدستورية وتحويل نظام الحكم في البلاد قانونياً وعملياً إلى النظام الرئاسي رغم الشكوك الكبيرة بقدرته على تجاوز تلك الانتخابات ليثبت مجدداً أنه ما زال الأكثر شعبية في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية