ابراهيم الحَيْسن
1 ـ الشباب المغربي غاضب.. يتجه المغاربة يوم السابع من الشهر القادم نحو صناديق الاقتراع للادلاء بأصواتهم لاختيار اعضاء البرلمان المغربي وعددهم 335 عضوا في ثامن ولاية تشريعية منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1963. وتتواصل الاستعدادات لاجراء هذه الانتخابات ـ وهي الثانية في عهد الملك محمد السادس ـ وسط قلق وعزوف الكثيرين ورفضهم سحب بطائق التصويت جلهم من الشباب رغم حملات التحسيس الواسعة و برامج التوعية التي اعدت لهذه الغاية.. فضلا عن اصدار دليل انتخابي يشرح المقتضيات القانونية الواجب اتباعها خلال اطوار العملية الانتخابية.. ويعزي هذا العزوف وهذا الرفض، الفردي والجماعي، الي فقدان الثقة في الطبقة السياسية بعدما اثبتت التجارب الانتخابية السابقة خواء البرامج الحزبية واختفاء المنتخبين عن الانظار وعدم ظهورهم سوي خلال الحملات الانتخابية.. هكذا، وفي ظل العديد من الممارسات المنبوذة المحرجة التي تخدش جسد الديمقراطية بالمغرب بشكل كاريكاتوري (الزبونية، الرشوة، الشطط في استعمال السلطة، الفساد الاداري، هدر المال العام، قمع الرأي ومصادرته، الاعتقال التعسفي..)، يصعب من الآن توقع اجراء انتخابات نظيفة بسبب غياب ضوابط ديمقراطية وغياب رصد حقيقي للخروقات والتلاعبات وقطع الطريق امام تجار الانتخابات. وهذا ما اوصي به وفد دولي تابع للمعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية (مؤسس عام 1993 وترأسه وزيرة الخارجية الامريكية السابقة مادلين اولبرايت) حين دعا، اثناء زيارة تقييم قام بها مؤخرا الي المغرب بدعوة من المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، الي تطبيق كل القواعد الخاصة بالانتخابات بطريقة عادلة ومحايدة.. الوفد مكوّن من فرانسيس فيتزغرالد عضو الغرفة العليا للبرلمان الايرلندي ورئيسة الوفد، جوزيف غيلورد مستشار سياسي امريكي، تامرا كوفمان ويتس باحثة جامعية ومديرة مشروع التنمية والديمقراطية بالشرق الاوسط وعبد الرضا حسن الامين العام للجمعية البحرينية لحقوق الانسان.. ومن ابرز الهيئات الدولية التي ستتابع سير العمليات الانتخابية بالمغرب نادي مدريد الذي يضم شخصيات حقوقية وازنة يوجد ضمنها رؤساء سابقون، الي جانب الكثير من الاهليات غير الحكومية والتنظيمات المدنية والحقوقية التي وجهت لها الدعوة للمشاركة في عملية المراقبة. ومعلوم ان اللجنة المشتركة بين وزارتي الداخلية والعدل المكلفة بتتبع الادعاءات والشكاوي المتصلة بالخروقات الانتخابية، كانت سجلت تورط عمال وولاة واعوان سلطة ورجال امن في حملات مناصرة سابقة لاوانها، منهم من تم اعفاؤه من مهامه لهذا السبب.. يشارك في الانتخابات التشريعية بالمغرب 32 حزبا سياسيا من الاحزاب المعترف بها يوجد من ضمنها اربعة احزاب ذات مرجعية اسلامية هي: حزب العدالة والتنمية الذي خرج من رحم حركة التوحيد والاصلاح، حزب الامة، حزب البديل الحضاري وحزب النهضة والفضيلة.. فضلا عن اول حزب نسائي تم تاسيسه مؤخرا بالمغرب، هو حزب المجتمع الديمقراطي الذي تقوده النائب البرلمانية زهور الشقافي التي كانت تنتمي سابقا لحزب التقدم والاشتراكية. ويوجد من ضمن المترشحين، او المتنافسين علي الكراسي 11 وزيرا والانتخابات ستجري علي نمط الاقتراع باللائحة علي اساس اكبر البقايا، وهو ما سيمنح الاحزاب الضعيفة امكانية الحصول علي مقاعد، خلافا لنمط الاقتراع باللائحة المرتكز علي اقوي النسب والمعدلات، والذي ساهم في خلق اقطاب كبري. وكان حزبا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (غالبية حكومية) والعدالة والتنمية (اصولي) دافعا بقوة عن هذا النوع الاخير من الاقتراع، وذلك اثناء مناقشة القانون المنظم لمجلس النواب.. ووفقا لهذه الاستراتيجية، فان التقطيع الانتخابي الجديد لن يسمح لاي حزب بالحصول علي اغلبية ساحقة. كما ان الكتلة الناخبة ستجد امامها يوم الاقتراع ورقة فريدة للتصويت مكونة من خانتين، الاولي منهما تهم الدائرة الاقليمية تضم رموز المترشحين (صور وايقونات)، والثانية تخص اللائحة الوطنية المخصصة للنساء. وكان اعضاء الوفد المذكور اجمعوا في تقرير اعد بهذه المناسبة علي ان النظام الانتخابي المعتمد بالمغرب قد يضعف سلطة البرلمان ويقلص ثقة الناخبين فيه وفي الاحزاب السياسية.. وتقاطع الانتخابات التشريعية جماعة العدل والاحسان اكبر تنظيم اسلامي بالمغرب، وكذلك حزب النهج الديمقراطي (يسار راديكالي) الذي فضل البقاء خارج اللعبة الانتخابية، بعد ان تخلي حليفه التقليدي حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي عن رفضه السابق لاي انخراط في المؤسسات المنتخبة لفترة دامت ازيد من ثلاثة عقود واعلن المشاركة في الانتخابات المقبلة.. فضلا عن الحزب الديمقراطي الامازيغي ـ حديث العهد ـ الذي قرر بدوره مقاطعة الانتخابات. ويعود سبب قرار المقاطعة، حسب البيان الصادر عن المجلس الوطني للحزب، الي غياب الاعتراف الدستوري بالهوية واللغة الامازيغية واستمرار اسلوب الاقصاء الممنهج الذي تتعاطي له الدولة المغربية مع المطالب المشروعة للشعب الامازيغي، اضافة الي انعدام الشروط الاساسية لضمان منافسة شريفة وانتخابات نزيهة بين مختلف الاحزاب السياسية، كما يتاسس موقف الحزب علي استمرار حصار وتضييق الدولة علي الحزب الديمقراطي الامازيغي المغربي وتجاهلها لوجوده في الساحة السياسية المغربية. 2 ـ والبوليزاريو تطالب الصحراويين بالمقاطعة.. باقليم الصحراء الغربية، لا حديث في الوقت الراهن سوي عن الانتخابات التشريعية المغربية.. والتي اضحت نقاشا يوميا متداولا علي ايقاع اكواب الشاي الصحراوي المتكرر وموضوعا محوريا تتناقله كل الالسن وتتبادله كل وسائط الانباء والاتصال الشعبي بكثير من الاهتمام يصل في الكثير من الاحيان الي حد التنكيت والتفكه والازدراء.. فمع بداية العد العكسي واقتراب الموعد الانتخابي، تزداد حاجة المترشحين الي ابتكار ادوات وصيغ جديدة لحصد الاصوات، اصوات الكتلة الناخبة، فتكثر الوعود العرقوبية والاغراءات والولائم، ويمارس المال سلطته علي من لا مال له ولا سلطة له.. هكذا تطبخ النتائج.. بالصحراء الغربية كل اشكال الطبخ مباحة لربح مقعد في البرلمان. احد المترشحين الاذكياء اشتري كمية كبيرة من الاحذية النسائية وقرر الا يوزع سوي الفردة اليمني منها علي نساء الحي واحتفظ باليسري لحين ظهور النتائج ليكمل الباقي.. وكذلك فعل آخر اذكي منه حين فكر في توزيع آلة التحكم عن بعد علي الناخبين والاحتفاظ بلعب الكترونية مخصصة للاطفال ولا تشتغل سوي بالآلة المذكورة. بينما اعد آخر خطابا مرقونا لالقائه امام جمع من انصاره يلتزم فيه ببناء سجن قريب منهم لتمكينهم من زيارة ابنائهم المسجونين، او الذين سيسجنون لاحقا! ومن المشاريع المثيرة التي تصدّرت برنامج مرشح احد الاحزاب عزمه شراء قوارب عصرية مجهزة لتأمين الهجرة السرية للشباب الحالم ببلوغ الضفاف الاخري!! في حين اقتني مرشح آخر كمية كبيرة من الطلاء الاحمر لانه وعد اصحابه بان يُحَمِّر لهم وجوههم حالة فوزه.. هذا دون الحديث عن برامج حل مشكل السكن والقضاء علي البطالة وتشييد المدارس والسبيطارات (المشفيات) والمطارات والمرافئ ومحطات الماء والكهرباء والملاعب والملاجئ الخيرية والزيادة في الاجور والعطور والبخور والقضاء علي القطط والكلاب الضالة التي تملأ احياء المدن الصحراوية حتي لا تتحوّل لحومها الي مواد للمتاجرة، كما حصل مؤخرا بالدار البيضاء.. وغير ذلك كثير.
الآن، الحملة الانتخابية انطلقت، رسميا، وكل مترشح شرع ـ كما جرت العادة علي ذلك ـ في استعراض عضلات برنامج حزبه (الطويل) الخاوي.. لكنه مليء فقط بالاكاذيب والوعود العرقوبية والمنجزات والمشاريع التنموية الطوباوية التي يستحيل تحقيقها حتي في الحلم! وبدأت الشوارع والأزقة والممرات المتسخة تزداد اتساخا بالملصقات والتصويرات واليافطات، وتحوّلت الي ما يشبه سيرك آخر الزمان.. واتسم المشهد الانتخابي بالصحراء الغربية بمجموعة من الحقائق والمعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية التي لا يمكن تجاهلها، من ضمنها: ـ سيطرة فئة ارستقراطية حاكمة، قليلة العدد.. لكنها تنعم بالمزايا التي تجلبها القوة. واضافة الي ذلك، فهي تمارس عنفا رمزيا من مواقع قيادية استراتيجية تحتكرها ضمن مؤسسات اقتصادية وسياسية ودينية.. ـ جل اعضاء هذه الفئة من كبار اثرياء الحرب راكموا ثرواتهم من اقتصاد الريع الذي ترعاه الدولة المغربية بالاقليم، وتربطهم علاقات خاصة مع السلطة، الامر الذي جعلهم يمثلون بورجوازية مخزنية وقد جعلت منهم الاجهزة المغربية الرسمية ـ بالاغراءات والهدايا والامتيازات ـ زعامات محلية موالية لها انسجاما مع سياسة المخزن السلطاني المعروفة في تاريخ المغرب.. ـ فشل فروع الاحزاب السياسية المغربية في تأطير الساكنة، ليظل حضورها صوريا وباهتا وغير ذي جدوي. مع ملاحظة اساسية تكمن في كون الكثير من الصحراويين لا يؤمنون اصلا بالانخراط السياسي ضمن اية مؤسسة لا يقتنعون ببرامجها ولا يشعرون بوجودها.. فهم يفضلون البقاء داخل وحدة القبيلة ويستمدون نسقهم العشائري من عمق اللف القَبَلي، لكن بنوع من الانفتاح المعقلن علي مختلف الاطياف والحساسيات السياسية والاجتماعية الاخري مهما كانت تلاوينها وانتماءاتها الايديولوجية او الاثنية.
فالقبيلة تعد في بنية الثقافة الصحراوية مؤسسة تنهض علي روابط الدم والقرابة والعظامة داخل النسق الاجتماعي والسياسي للمجتمع الحسّاني، وتظل في سيرورتها التنظيمية تخضع لسلطة الزعيم، يعيش اعضاؤها في منطقة واحدة، وينتسبون الي اصل واحد (التحديد الانتروبولوجي).. ـ عزوف صحراويين من مناصري جبهة البوليزاريو (ولا ندري كم عددهم) واعلانهم المبكر رفض المشاركة في هذه الانتخابات استجابة للرسالة التحذيرية التي دعا فيها زعيم الجبهة محمد عبد العزيز كل الصحراويين الي مقاطعة الانتخابات التشريعية المغربية. كما اتهم فيها السلطات المغربية باجبار الصحراويين علي التصويت. وقال الزعيم الصحراوي في هذه الرسالة التي وجهها الي الامين العام للامم المتحدة بان كي مون: في الاراضي الصحراوية المحتلة تعمل السلطات المغربية علي ارغام المواطنين الصحراويين علي التصويت في انتخابات تخص بلدا ليس بلدهم، هو المملكة المغربية، وفي الوقت ذاته تستمر في حرمانهم من حق الانتخاب في ما يخص ممارسة حقهم الاساسي في تقرير المصير. واضاف عبد العزيز في نفس الرسالة التي بثتها وكالة الانباء الصحراوية (واص) بان تمادي الحكومة المغربية في هذه الممارسات هو خطوة تصعيدية وهروب الي الامام وانتهاك صارخ للقانون الدولي، ذلك ان المغرب لا يملك السيادة علي الصحراء الغربية، ولا يحق له ان يتعامل مع سكان ارض اغتصبها بقوة السلاح، ظلماً وعدواناً، كما يتعامل مع سكان اي منطقة في حدوده المعترف بها دولياً.. هي ذي الظروف العامة التي يجري فيها التحضير لاجراء الانتخابات التشريعية بالمغرب: غليان ينذر بتفجر سياسي محتمل، ترقب وانتظار وتأسف وخيبة امل يعيشها ناخبون مغلوبون علي امرهم.. وفراديس (ج. فردوس) وهمية وقصور من رمل وبرامج تنموية علي الورق خططها المترشحون، دهاءً واحتيالا، للحصول علي مقاعد في برلمان عاجز لم يعد يحظي بثقة واحترام ابناء الشعب..8