الانتخابات التشريعية بعيون فلسطينية وإسرائيلية بين الاستحقاق الديمقراطي والتمسك بالقدس والحسابات الحزبية والشخصية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-»القدس العربي»: فيما قال الناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن الانتخابات الفلسطينية ستجري في موعدها، قال مستشار الرئيس نبيل شعث في اليوم التالي إن هناك علامات سؤال حولها بسبب العراقيل الإسرائيلية خاصة في القدس التي تشهد تصعيدا وتوترا كبيرين لا يمكن فصلهما عن الانتخابات في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. ومن جهتها تواصل حركة حماس التحذير من إلغاء أو إرجاء الانتخابات. وكرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمس قوله إنه يجري اتصالات مكثفة مع العديد من الدول والأطراف من أجل الضغط على إسرائيل بشأن عقد الانتخابات في الأراضي الفلسطينية كافة، بما فيها مدينة القدس المحتلة. كما أطلع عباس بقية قيادات السلطة الفلسطينية وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح على اتصالات إدارته بالأطراف الدولية، خاصة اللجنة الرباعية الدولية، بما يضمن إطلاق عملية سياسية قائمة على قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية على أساس حل الدولتين.
رسميا يشدد الرئيس الفلسطيني على الالتزام بإجراء الانتخابات في المواعيد المعلن عنها في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية ترشحا ودعاية وانتخابات. وقال عباس إن القيادة تحافظ على اتصالات مكثفة مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من أجل الضغط على الحكومة الإسرائيلية للالتزام بالاتفاقيات الموقعة فيما يخص العملية الانتخابية. موضحا أنه حتى الآن لم يصل أي رد من الجانب الإسرائيلي حول عقد الانتخابات في القدس المحتلة، مؤكدا التزامه بالمضي قدما في إجراء الانتخابات حسب المواعيد التي أعلن عنها وفق المراسيم الرئاسية. يشار إلى أن اللجنة المركزية لحركة فتح سبق وأكدت في بيان صدر عقب الاجتماع إن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأن يكون هناك أي فيتو للاحتلال بأي شكل من الأشكال على العملية الانتخابية، وتحديدا في مدينة القدس. وأضافت أن القدس وأهلها خط أحمر لن يقبل المساس به أو التلاعب فيه. فالقبول بالانتخابات بدون مشاركة المقدسيين يعني الرضوخ لخطط إسرائيل اعتبار المدينة عاصمتها الموحدّة.

من جانبه، قال الناطق باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» حسين حمايل إن حركته – كما القيادة الفلسطينية- تصر على المضي قدما في عقد الانتخابات في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها مدينة القدس الشرقية. ويوضح أن «القضية ليست تأجيل الانتخابات، بل أننا نرفض أي انتقاص من سيادتنا على القدس» واتهم حمايل إسرائيل بالعبث بالانتخابات الفلسطينية عبر أساليب عديدة، ومنها اعتقال مرشحين. وتابع «لا ننتظر ردا من إسرائيل، بل ننتظر ضمانات من المجتمع الدولي بعدم إعاقتها العملية الانتخابية». في وقت سابق، قال عباس إنه أجرى أمس سلسلة اتصالات دولية للضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقيات الموقعة بشأن مشاركة الفلسطينيين في القدس في الانتخابات.

تسريبات وتقديرات

في المقابل تكثر تسريبات وتقديرات فلسطينية أن الرئيس عباس وحركة فتح ترى بالعراقيل الإسرائيلية في القدس فرصة لتأجيل الاستحقاق الديمقراطي والانتخابات خاصة بعد المشاكل التي واجهتها الحركة وتمرد اثنين من أعضاء لجنتها المركزية. يشار أن الرئيس عباس كان قبل بضعة شهور هو من بادر للإعلان عن القرار بإجراء انتخابات للمجلس التشريعي وللرئاسة وللمجلس الوطني الفلسطيني بهدف تجديد النظام السياسي الفلسطيني المتآكل وضخ الحياة فيه وتعزيز شرعيته في ظل انتخابات معطلة منذ فترة طويلة جدا. ووفقا لهذه التقديرات والتشكيكات فقد اختارت حركة «فتح» إجراء الانتخابات في ثلاث جولات تكون انتخابات المجلس التشريعي أولاها وعلى ضوء نتائجها يدرس الرئيس خياراته بالنسبة لانتخابات الرئاسة حيث يستعد النائب الأسير مروان البرغوثي لطرح نفسه كمرشح مقابل عباس. وحسب استطلاعات رأي فلسطينية فإن البرغوثي يحظى بشعبية أوسع من الرئيس عباس، بينما قررت حماس عدم طرح مرشح من قبلها للرئاسة بسبب اعتبارات وحسابات خاصة بها وبمسؤولياتها محليا وعالميا وهي تركز في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وعينها على زيادة نفوذها في منظمة التحرير الفلسطينية وربما السيطرة عليها في ظل ضعف وانقسامات حركة «فتح» الداخلية. وبهذا المضمار يوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيرزيت دكتور بدر الأعرج إن الضغوط الإسرائيلية قد تؤدي إلى عرقلة الانتخابات الفلسطينية، على الرغم من تصريحات تل أبيب التي ترحب بالعملية الديمقراطية. معتبرا أن القرار حول القدس متأثر بمدى تصميم القيادة الفلسطينية على إجراء الانتخابات بما في ذلك داخل مدينة القدس، فيما يدعو مراقبون محليون لحلول خلاقة للعراقيل الإسرائيلية في القدس كي لا يتم التفريط بالانتخابات الفلسطينية التي يحتاجها كل الشعب الفلسطيني.

تحذير حماس

ولذا تحذر حركة حماس على لسان رئيس كتلتها الانتخابية خليل الحية من «المجهول» في حال تأجيل الانتخابات. وقال في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية «لا نقبل ولو ليوم واحد التأجيل، التأجيل يدفع بالشعب الفلسطيني إلى المجهول». وأشار إلى أن أي تأجيل «سيولّد إحباطا كبيرا لدى الجماهير والشباب، ونتوقع ردّات فعل ستكون الأسوأ» محذرا من أن التأجيل سيعقّد الوضع وسيكرّس الانقسام والفرقة.
وفي نهاية الأسبوع واصل وزير الخارجية رياض المالكي في يومه الأخير من زيارته لبريطانيا تحركاته، فالتقى نظيره دومنيك راب، ووزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط جيمس كليفري وبحث معهما إمكانيات الضغط على حكومة الاحتلال لوقف كل اجراءاتها في القدس والسماح بمشاركة أهلها في الانتخابات، والتقى المالكي مع نحو 50 نائبا بريطانيا وحثهم على الضغط على الحكومة.

الانتخابات الفلسطينية تاريخيا

وسبق للمقدسيين أن شاركوا في الانتخابات الفلسطينية في الأعوام 1996 و2005 و2006 ضمن ترتيبات خاصة متفق عليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين ضمن اتفاق أوسلو جرى بموجبها الاقتراع في مقرات البريد الإسرائيلي وإن كان ذلك قد تم في المرة الأخيرة بضغط أمريكي على حكومة الاحتلال. ومن المقرر أن تجرى الانتخابات الفلسطينية على ثلاث مراحل: تشريعية في 22 أيار/مايو، رئاسية في 31 تموز/يوليو، والمجلس الوطني في 31 آب/اغسطس المقبل. وفيما يؤكد الرئيس عباس انه يجري سلسلة اتصالات دولية للضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقيات الموقعة بشأن مشاركة الفلسطينيين في القدس في الانتخابات التشريعية، تلتزم إسرائيل الصمت حيال الانتخابات في القدس فيما تقوم على الأرض بملاحقة كل من يشارك في أي تحضيرات خاصة بالانتخابات داخلها ومن أجل تغطية ذاتها أمام العالم ترحب إسرائيل بالعملية الديمقراطية بشكل عام في الجانب الفلسطيني. على خلفية ذلك يوضح نبيل شعث الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس إن تأجيل الانتخابات وارد جدا، في ظل استمرار عدم رد إسرائيل على طلب فلسطين بإجرائها في مدينة القدس المحتلة. وأضاف شعث لصحيفة «النهار» اللبنانية، أن الانتخابات لن تتم من دون القدس؛ لأن هذا يكرس ما تريده إسرائيل بفصل المدينة عنّا. وتعتبر إسرائيل القدس بشطريها الشرقي والغربي عاصمة موحدة وأبدية لها، في حين يتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم المأمولة، استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية، التي لا تعترف باحتلال إسرائيل للمدينة عام 1967 ولا بضمها في 1981.

إسرائيل تتجاهل طلبا أوروبيا لمراقبة الانتخابات

يشار أيضا أنه سبق وأعلن الاتحاد الأوروبي أن إسرائيل لم ترد على طلب دخول بعثة تابعة له إلى فلسطين لمراقبة الانتخابات التشريعية المقبلة وجاء ذلك بعد يوم من اعتقال شرطة الاحتلال عددا من المرشحين المقدسيين لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. وقال مسؤول الإعلام في مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي بفلسطين شادي عثمان إن «المطلوب من إسرائيل -حسب الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين ومنها اتفاق أوسلو عام 1995- تسهيل إجراء الانتخابات، بما يشمل وصول المراقبين وحركتهم كما هو منصوص عليه». وأضاف أن إسرائيل لم ترد على طلب لدخول بعثة تحضيرية أوروبية، استعدادا لمراقبة الانتخابات الفلسطينية المقررة في أيار/مايو المقبل. وأوضح أن مهمة البعثة التحضيرية هي الإعداد اللوجستي والترتيبات المطلوبة لحضور بعثة أخرى موسعة لم يتم حتى الآن تقديم طلب لحضورها.

علامات استفهام تزيد التوتر

رسميا ترحب إسرائيل بالعملية الديمقراطية الفلسطينية وفعليا تعيق سيرورتها في مدينة القدس وتضع العصي في دواليبها وهي تسعى وفق تقديرات فلسطينية وحتى إسرائيلية لمنعها من أجل تحقيق عدة مآرب بنفس الوقت. إسرائيل تخشى أولا أن تنهي هذه الانتخابات حالة الانقسام الداخلية فيما هي معنية بتكريس الانشقاق السياسي والجيوسياسي بين الضفة والقطاع في سبيل إضعاف الفلسطينيين واستبعاد خيار تسوية الصراع بحل الدولتين الذي تعمل على قتله بالتهويد والاستيطان وغيرهما. وينوه المراقبون المحليون أن إسرائيل تدرك القيمة الدعائية الهائلة في استمرار الانقسام الفلسطيني كونه يصب الماء على طاحونتها الإعلامية ومزاعمها بأن الفلسطينيين غير ناضجين لدولة مستقلة. كذلك تخشى إسرائيل من فوز حركة «حماس» ومن تبعات ذلك أمنيا على الضفة الغربية المحتلة التي يستفيد الاحتلال فيها من تنسيق أمني حيوي لها منذ سنوات. كما تخشى أن يؤدي فوز «حماس» إلى تعاطي العالم معها وفتح حوار مع قادتها وبالتالي قبولها. وفي هذا المضمار يربط المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل بين الانتخابات الفلسطينية في القدس وبين المواجهات فيها منذ مطلع رمضان. ويقول هارئيل إنه بينما يرتكز اهتمام إسرائيل الاستراتيجي على إيران، ويكرس السياسيون ساعات يومهم لمناورات يائسة من أجل البقاء، يتشكل في الأيام الأخيرة خليط متفجر جديد في القدس حول الساحة الفلسطينية. ويرى إنه مزيج إشكالي من الحوادث المحلية، والتوتر في أيام شهر رمضان، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وصحوة نشطاء يهود من اليمين وفي الخلفية تختمر أزمة سياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية تتعلق بمسألة الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في القدس الشرقية.

حسابات القيادة الفلسطينية

وفي رأيه ساهمت في دائرة الهجمات والانتقامات توترات معينة لها علاقة بشهر رمضان، وخصوصاً التوتر الذي ساد شرقي المدينة جرّاء قرار الشرطة الإسرائيلية منع التجمعات على مدرجات ساحة بوابة نابلس لاعتبارات أمنية. بعد استعراض أسباب أخرى للتوتر في القدس يتابع هارئيل «في الخلفية يستمر المأزق السياسي الذي يواجه السلطة الفلسطينية، وهو من صنع يدي رئيس السلطة محمود عباس. لقد فاجأ عباس إسرائيل، وربما فاجأ نفسه عندما قرر في العام الماضي إجراء انتخابات عامة في الضفة الغربية وقطاع غزة للمرة الأولى منذ 15 عاماً». ويقول المعلق الإسرائيلي إن «حماس» تتعاون معه في هذا الشأن، وأيضاً داخل «فتح» كان هناك في البداية تأييد واسع نسبياً للقرار، سواء على خلفية الحاجة إلى شرعية لاستمرار سلطتها، أو بسبب اعتقاد جزء من المسؤولين الرفيعي المستوى المحيطين بعباس أن الانتخابات ستساعدهم في ترسيخ مكانتهم في مواجهة الصراع على خلافة الزعيم البالغ من العمر 85 عاماً. ويضيف «لكن في هذه الأثناء ازداد تخوف قيادة السلطة من نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى الصعوبة في لجم لاعبين مستقلين، مثل مروان البرغوثي، رجل فتح المسجون في إسرائيل منذ 20 عاماً، الذي يبدو مصراً على فحص ما إذا كانت شعبيته في الضفة ستُترجَم في فوزه كمرشح للرئاسة. لقد جرى تحذير عباس أكثر من مرة من طرف محاوريه الإسرائيليين من أن الرهان على الانتخابات يمكن أن ينتهي بهزيمة تحمل حماس إلى السلطة في الضفة، ولن يكون في استطاعة فتح التعافي منها». ووفقا لادعاءات هارئيل يجس مسؤولون رفيعو المستوى في السلطة الفلسطينية في المدة الأخيرة النبض بشأن إمكان أن تنقذهم إسرائيل من الورطة. وبرأيه الفكرة المطروحة كانت تضخيم الأزمة بشأن تصويت سكان القدس الشرقية، وسيكون من الصعب على حكومة إسرائيلية يمينية وضع صناديق اقتراع للسلطة الفلسطينية في القدس الشرقية، على الرغم من أن هذا الأمر حدث في الماضي خلال ولاية حكومات بيرس وشارون وأولمرت، في الانتخابات التي جرت في السلطة في 1996 و2005 و2006.

حسابات نتنياهو الشخصية

زاعما أن رفضا إسرائيليا لمشاركة سكان القدس الشرقية في الانتخابات، يمكن أن يزود عباس بذريعة لتأجيل الانتخابات بحجة أن الإسرائيليين لا يسمحون له بإجراء عملية ديمقراطية نظيفة، وأنه لا يستطيع التخلي عن أبناء شعبه في القدس. ويضيف «لكن في هذه الأثناء تبعث إسرائيل إلى عباس برسائل واضحة في هذا الشأن. إذ بيّنت له من خلال قنوات غير رسمية أنه في ضوء الوضع السياسي الفوضوي السائد في الجانب الإسرائيلي، من غير الممكن تقديم رد متفق عليه في موضوع القدس الشرقية في وقت قريب. الكرة لا تزال في الملعب الفلسطيني، وذلك قبل شهر من الموعد المحدد للانتخابات البرلمانية». وينقل المحلل الإسرائيلي عن إسرائيليين على علاقة بالمقاطعة في رام الله لديهم شعور بأن الأمر قد قُضي. فبحسب كلامهم، استوعب عباس متأخراً حجم الورطة، وهو يبحث اليوم عن سلّم للنزول بسرعة عن الشجرة. ويتابع «في قيادة السلطة يشعرون بالقلق، وخصوصاً إزاء قائمة المرشحين الجذابة التي بلورتها حماس (قائمة واحدة)، بينما فتح متخاصمة ومنقسمة (ثلاث قوائم). في مثل هذه الظروف تزداد، في رأيهم، الفرص لإعلان عباس قريباً تأجيل الانتخابات، أيضاً من دون ذريعة إسرائيلية. وكلما جرى تأجيل هذا الإعلان حتى موعد الانتخابات، فإنه يمكن أن يستقبَل بصورة عاصفة جداً في المناطق».
وبشأن التوتر في القدس يتوافق هارئيل مع محللين إسرائيليين آخرين بالقول إن هناك شكا كبيرا في أن هذه المناورات المعقدة تشغل بال الشبان الفلسطينيين الذين يتعاركون مع الشرطة في الليالي، لكن عدم الوضوح المحيط بالانتخابات في السلطة يزيد من احتدام الوضع في القدس، ويمكن أن يقدم ذرائع إضافية للعنف في الأيام المقبلة. ويرى أيضا أنه في ضوء الحساسية السياسية في الجانب الإسرائيلي، ليس من المستغرب الاكتشاف أن أحداث العنف في المدينة يجري تجنيدها في خدمة مناورات بقاء نتيناهو في الحكم وهو الذي يحتاج إلى تأييد أحزاب يمينية إضافية في محاولاته الاحتفاظ بالسلطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية