كما هو متوقع فاز الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في الجولة الثانية بالانتخابات الرئاسية في 28 أيار/مايو وتجاوز منافسه مرشح المعارضة كمال قليجدار أوغلو بخمس نقاط. وتعني إعادة انتخاب اردوغان تأكيد هيمنته على المشهد السياسي التركي لعقد آخر من الزمان. ربما كانت هذه هي الولاية الأخيرة له، حيث قال إنه لن يترشح في الانتخابات المقبلة، لكن من يدري.
كانت الانتخابات الأخيرة هي الأصعب بالنسبة لاردوغان الذي لم يخسر في حياته السياسية مرة وواجه العديد من التحديات الخطيرة، أهمها المحاولة الانقلابية في تموز/يوليو 2016 والتي كانت تهدف اغتياله وعودة الجيش الذي حيده. وتنبع صعوبة الجولتين من تحالف المعارضة التي حشدت كل جهودها في تحالف عرف بالطاولة السداسية وضم أحزابا إسلامية وقومية وعلمانية وكردية كان يأمل بأن يطيح بحكم اردوغان الطويل. وكانت أمام التحالف فرصة، لكنه ضيعها لعدة أسباب كامنة في مرشحه الذي لم يكن قادرا على تقديم سياسة واضحة ومتماسكة ولعبه دور الرجل الطيب في مواجهة رجل «شرير» أي اردوغان.
وأقنع مرشح المعارضة ومنظمي الاستطلاعات الرأي العام في الخارج ان اردوغان يمضي نحو النهاية وأن الهزيمة قادمة. وعندما فشل في تحقيق ما أمله الغرب بالجولة الأولى، تأكد للجميع والغرب الذي دعم المعارضة أن عامل اردوغان في السياسة التركية باق وانه سيظل لاعبا على المسرح الإقليمي والدولي، ولن يتخلص من «مشاكسته».
والغريب أن المتابع للصحافة الغربية وتعليقات الغربيين على الانتخابات التركية تركز على محاولة الخروج من الصدمة، وكأن الغرب لم يصدق نفسه، وبعد يوم من القبول بواقع هزيمة قليجدار انهالت التعليقات وبدأ المعلقون بسرد جديد ورددوا تعليقات تبدو أنها جاءت من مصدر واحد، فقد فاز اردوغان لأنه تبنى الحروب الثقافية وقسم المجتمع واستخدم كل مصادر الدولة على حساب المعارضة التي لم تكن قادرة على إيصال رسالتها إلا عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الموالية لها. وهناك من قال إن اردوغان فبرك واعترف أنه زيف أشرطة فيديو لربط مرشح المعارضة بالجماعات الكردية الانفصالية. بل وذهبت معلقة تركية للقول إن 25 مليون تركي صوت لمرشح المعارضة هو رسالة قوية لاردوغان الذي لم يترك أي وسيلة، طائفية ومالية إلا واستخدمها لتحقيق الفوز. وذهبت أبعد في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» (29/5/2023) للقول إن نسبة 52 في المئة من الأتراك صدقوا اردوغان الذي تعهد بجعل «تركيا عظيمة مرة أخرى» في استعادة لشعار دونالد ترامب. ورغم سوء الإدارة الاقتصادية الواضحة فقد اعتقدوا أنه سيدفع تركيا نحو المجد الامبريالي. وأضافت أن اردوغان استخدم كل المصادر باعتباره الرئيس الحالي من السيطرة على الإعلام والقوانين الانتخابية التي تتحيز له من أجل هزيمة المعارضة. وأنه استهدف قليجدار أوغلو، 73 عاما لهويته العلوية واتهمه بالتعاون مع المثليين ويحظى بدعم الإرهابيين. وكان انتصارا ليس للزعيم التركي ولكن لنادي المستبدين العالمي. وكانت الانتخابات في نظرها «متقاربة رغم أنها لم تكن نزيهة أو حرة». وزعمت أن 25 مليون ناخب صوتوا للمعارضة هم من المدن المزدهرة والمناطق الساحلية ويمثلون الحرفيين والطبقات المتعلمة ما يعني أن من صوتوا لاردوغان ليسوا من المتعلمين والحرفيين الناجحين ولم تسأل لماذا لم يثق سكان المدن المدمرة بسبب زلزال شباط/فبراير بالمعارضة ومرشحها وصوتت في غالبيتها لاردوغان.
المعارضة فشلت
مع أن معلقا مؤيدا للمعارضة كتب في موقع «ميدل إيست آي» (31/5/2023) أن سبب هزيمة مرشح المعارضة نابع من عدم ثقة الناس به وخلافات المعارضة نفسها وعدم قدرتها على تقديم برامج مقنعة مقارنة مع اردوغان الذي شرع بعملية البناء للمناطق المدمرة، وتجاوزت حكومته الانتقادات التي تعرضت لها فيما يتعلق بالرد على كارثة الزلزال، وحتى عندما غير قليجدار رسالته الداعية للتعاون ولم الشمل وحاول لعب دور الرجل القوي لم يصدق الناخب التركي «الجد» وضع نفسه في تناقض، فمن حصوله على دعم الأكراد وأحزابهم، تحول إلى قومي متطرف يريد إخراج اللاجئين السوريين، وأخطأ المحاسب السابق عندما زعم أن تركيا جلبت 10 ملايين لاجئ لدعمه في الانتخابات.
ولكن كيف سيتعامل الغرب
مع اردوغان؟
في العواصم الغربية التي راقبت الانتخابات بصمت يحمل الأمل بأن اليوم التالي للانتخابات سيكون بدون اردوغان، استفاقت على الحقيقة التي لا تريدها. ومن هنا تساءلت مجلة «إيكونوميست» عن الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل «خبر» فوز اردوغان «السيء» إلى خبر «أقل سوءا» وهي التي دعت في ملف خاص الشهر الماضي إلى رحيله. ولمنح نفسها المصداقية قالت الانتخابات «بالتأكيد لم تكن عادلة ولم تكن حرة تماما. ولكن، شئنا أم أبينا، فإن انتصار رجب طيب اردوغان في 28 أيار/مايو في الانتخابات الرئاسية هو حقيقة واقعة».
وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة «سيتعين على تركيا وأوروبا والعالم الأوسع التعامل مع شعبوي شائك وسلطوي» مضيفة أن هذه أنباء سيئة على عدة جبهات: اقتصاديا وديمقراطيا وإقليميا. وعلى البراغماتيين الانتظار فيما إن كان اردوغان سيجبر بواقع النتيجة على تغيير موقفه والبحث عن تسويات. واستبعدت إطلاق سراح السجناء السياسيين أو استئناف الحوار مع حزب العمال الكردستاني، ومع ذلك، من المحتمل أن يبدأ اردوغان في الاستماع ليس فقط لخصومه، ولكن أيضا إلى الخبراء والتكنوقراط المحايدين الذين كانوا قريبين منه ذات يوم، خاصة فيما يتعلق بسياساته الاقتصادية المدمرة ويجب أن يفعل ذلك بالتأكيد.
وقد يشعر اردوغان الآن بالقدرة على الرضوخ للواقع وتعيين محافظ بنك مركزي مستقل بتفويض جديد لكسر التضخم. إذا رفض تغيير المسار، فستظهر كارثة. بعد انهيارها خلال العقد الماضي، تم دعم الليرة التركية مؤخرا من قبل البنك المركزي. لقد أنفقت مليارات الدولارات أسبوعيا لمساعدة اردوغان على تجنب أزمة العملة قبل الانتخابات. لكن المال ينفد. صافي الاحتياطيات الوطنية لتركيا أصبح في السالب. وهناك أمل بأن تبدأ تركيا جولة جديدة من العلاقات الجيدة، وتفتح الطريق أمام السويد التي تتهمها تركيا بدعم الإرهابيين الأكراد ويحرق مواطنوها القرآن الكريم بدخول الناتو. ومع أن ملف انضمام عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي الذي علاه الغبار بات في الماضي، لكن هناك امكانية لإحراز تقدم بشأن اتفاقيات أخرى، بما في ذلك السفر بدون تأشيرة إلى الاتحاد الأوروبي للمواطنين الأتراك وتوسيع اتفاقية الجمارك الخاصة بهم لتغطية بعض الخدمات والسلع الزراعية. ومن المثير للاهتمام أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصل بسرعة باردوغان لتهنئته على فوزه. ودعاه المستشار الألماني أولاف شولتز لزيارة برلين. الرغبة في إعادة ضبط متواضعة موجودة، على الأقل في الجانب الأوروبي. لاردوغان تاريخ في تغيير الاتجاه عندما يناسبه ذلك. هذه فرصة يجب ألا يفوتها. وفي الجانب الأمريكي رأت صحيفة «واشنطن بوست» (30/5/2023) ان الولايات المتحدة وحلفاءها لن يكونوا قادرين على منع ارتماء اردوغان في أحضان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وعد بجعل تركيا مركزا للغاز الروسي ويسهم في تمويل أول مفاعل نووي في تركيا. ولكن على أمريكا استخدام أوراق نفوذها، على الأقل بملف عضوية السويد، ولديها ورقة فيما يتعلق بصفقة أف-16 بعشرين مليار دولار والتي يعارضها الكونغرس. ومع أن الموقف التركي من السويد هو بمثابة انتصار لبوتين إلا أن العضوية باتت رمزية نظرا لدمج الناتو القوات العسكرية في قواته. وبالمحصلة لن يطرأ الكثير على العلاقة مع واشنطن أو دول أوروبا، حيث ستواصل تركيا المشي على الحبل بين حلفائها الغربيين والنظر إلى الشرق وتسوية الملفات الإقليمية وتصفير المشاكل مع الجوار.
سر القوة
تجنب الكثير من المعلقين البحث عن سر نجاح اردوغان السياسي إلا في النادر، وحاولوا فهمه ضمن الرؤية الشعبوية، ففي مقال بصحيفة «نيويورك تايمز» (30/5/2023) قال كاتبه إن إعادة انتخاب اردوغان يجب أن يكون بمثابة تحذير بشأن أماكن أخرى – بما في ذلك الحزب الجمهوري – حيث يعود القادة الاستبداديون، الذين يبدو أنهم غير أكفاء في كثير من النواحي إلى السلطة من خلال الوسائل الديمقراطية. ويساعد هذا على إبراز الظاهرة العالمية لما يسميه فريد زكريا «انتخابات حرة وغير عادلة». لكنها لا تذهب بعيدا بما فيه الكفاية. ويقول إنه في ظل التوقعات السياسية العادية، كان على اردوغان أن يدفع الثمن السياسي بهزيمة انتخابية ساحقة. ولم ينج فقط، بل زاد من حصته في التصويت في بعض البلدات الأكثر تضررا والأكثر إهمالا بعد الزلازل. وذكرت مجلة «ايكونوميست» أن مواطنة قالت: «نحن نحبه.. من أجل الأذان، من أجل بيوتنا، من أجل الحجاب». ويعلق الكاتب أن هذا السطر الأخير معبر، وليس فقط لأنه يدرك أهمية إسلامية اردوغان باعتبارها سر نجاحه. إنه توبيخ لشعار جيمس كارفيل الأمريكي الضيق، «إنه الاقتصاد، يا غبي». في الواقع، لا: إنه أيضا الله والتقاليد والقيم والهوية والثقافة والاستياء الذي يصاحب كل منها. فقط الخيال العلماني المجرد يخفق في ملاحظة أن هناك أشياء يهتم بها الناس أكثر من رواتبهم». وهناك أيضا مسألة القوة، يعتمد التقليد السياسي الليبرالي الكلاسيكي على الشك في النفوذ فيما يقوم التقليد غير الليبرالي على تمجيده. ويرى الكاتب أن هناك شيئا غير منطقي مقاوم للواقع يدفع الكثيرين لدعم اردوغان وغيره من الشعبويين، كبوتين في موسكو وترامب في أمريكا الذي قد يعود.
جيش النساء
لكن الكاتب لم يقرأ تقريرا نشرته الصحيفة حول القطاعات التي طالما همشها العلمانيون في المدن، وخاصة النساء اللاتي منعن من التعبير عن هويتهن الدينية في بلد غالبيته مسلمون. وقال بن هبارد مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (30/5/2023) إن اردوغان اعتمد على الدعم القوي من جانب جمهور لا يحظى بالتقدير في كثير من الأحيان: النساء المتدينات المحافظات. ولم تكتف النساء المتدينات سواء المهنيات أو ربات البيوت في جميع أنحاء تركيا، بالتصويت لاردوغان بأعداد كبيرة، بل وأقنعن أصدقائهن وأقاربهن بفعل الشيء نفسه. وما يجمع هؤلاء النساء واردوغان هي وجهة نظر إسلامية محافظة مشتركة حول دور المرأة في المجتمع التركي، أولا كأم وزوجة، وثانيا كعضو في قوة العمل. وفي بلد علماني قوي منعت فيه النساء المتحجبات لفترة طويلة من الالتحاق بالجامعات والوظائف الحكومية، تنظر العديد من النساء المتدينات إلى اردوغان على أنه الحامي لأنه ضغط من أجل تخفيف تلك القوانين. فعندما يتحدث اردوغان عن الإرهاب والمثليين فإنه يخاطب قاعدته ويذكر جمهوره بإنجازاته في مجالات مثل ارتداء الحجاب وتحويل آيا صوفيا، أحد كنوز تركيا المعمارية، من متحف إلى مسجد. فدعم المحافظين له نابع من قسوة العلمانيين، وتقول مشرعة إنها عملت كمحامية لمدة 20 عاما دون السماح لها حتى بدخول قاعة المحكمة لأنها ترتدي الحجاب. وقالت معلمة روضة أطفال: «أشعر وكأنني مدينة له، أنا مدينة له بالكثير لأنني الآن أستطيع أن أعيش بحرية».
طريق النصر
وفي خطاب النصر قال اردوغان لأنصاره: «ألم تكن المجلات الألمانية والفرنسية والإنكليزية توظف أغلفتها لهدم اردوغان؟ هنا خسروا أيضا يا إخوتي. لقد رأيتم التحالفات التي تم تشكيلها منذ شهور. لقد رأيتم من يقف ضدنا من المنظمات الإرهابية إلى الأيديولوجيات المنحرفة. ماذا حدث رغم ذلك؟ فشلوا». لقد أدرك اردوغان أن الطريق للفوز هو التحاور مع قواعده الانتخابية واستخدم التظلمات التاريخية التي عانت منها تركيا بعد الحرب العالمية الأولى وكيف فرض المنتصرون شروطهم على الطرف المهزوم. وفي ظل احتفال تركيا بمئويتها الأولى، ينظر الأتراك اليوم بفخر لما حققه بلدهم من إنجازات. وليس غريبا أن يعلن اردوغان عن جولة لأول حاملة طائرات تركية الصنع إلى جانب المسيرات التي تركت بصمتها في عدد من النزاعات حول العالم. يحاول النقاد لاردوغان التحذير من مفهوم الحروب الثقافية وسياسة الهوية والانقسام بين المحافظين والعلمانيين ومخاطرها على المجتمع التركي، لكن أي بلد في العالم لا انقسامات فيه، بل وتجري الانتخابات في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وسط انقسامات حادة وارتفاع لأصوات اليمين. ومهما يكن فقد كذبت استطلاعات الرأي مرة أخرى، ولم تستطع المعارضة التركية التي اعتقدت أنها أصبحت في الطريق إلى الحكم الإطاحة باردوغان، وها هي تلعق جراحها ويعلن بعض أعضائها نهاية الطاولة السداسية في وقت يواجه فيه المرشح الخاسر خسارة مسيرته السياسية. أما اردوغان فهو الناجي الأكبر والمتحدي للصعاب ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» (28/5/2023) عن جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق في أنقرة وصفه اردوغان بأنه: «يتسم بالهدوء تحت الضغط» و«يعرف ما يقوم بها ويظهر صورة أنه يتحكم بالوضع، وهذا جاذب لمعظم الناخبين، وبخاصة المقترعين الأتراك». ففي الوقت الذي اختلفت المعارضة على مرشحها لمنافسة اردوغان، تركها الأخير لتأكل نفسها، كما يقول استاذ الإستراتيجية في كلية البحرية العسكرية الأمريكية براق قادرشان و«قدم صورة عن قائد ثابت، فلربما لم تحب الزعيم لكنك تعرفه». لا أحد يقلل من حجم التحديات التي تواجه اردوغان في ولايته الجديدة، فيجب عليه إصلاح الاقتصاد الذي يعاني من نقص العملة الصعبة، وحسب الكثير من التحليلات، فالبلد مدين في الأصول الأجنبية أكثر مما يملك. وفي الوقت الذي ستظل فيه الرؤية الاقتصادية غير واضحة إلا أن العالم سيتعود على وجود اردوغان كرمز في المسرح العالمي. وفي بلد يواجه تحديات داخلية وضغوط الجوار ومطالب القوى العظمى منه للالتزام بخطه وعدم رسم خطه المستقل في ظل نظام متعدد الأقطاب، يشعر الأتراك، أنصار اردوغان والقواعد الشعبية أن بلدهم بخير وأن «الريس» يمسك بالدفة. يقول خباز تحدثت إليه صحيفة «نيويورك تايمز» (28/5/2023) «بلدنا أقوى بفضل اردوغان. يمكنه الوقوف في وجه القادة الأجانب. يجعلنا نشعر بالأمان والقوة. لا يمكنهم اللعب معنا كما اعتادوا».