الانتخابات الرئاسية المبكرة حل ديمقراطي قد يُصلح من اعوجاج الحكم؟!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم ديابيصر أغلب المنتمين إلى جماعات وفصائل الإسلام السياسي على تحدي الرأي العام، والتصدي للناقدين لأداء د. مرسي والمطالبين برحيله، والحجة أن من أتى بـ’الصندوق’ الانتخابي لا يرحل إلا به، وفي سبيل ذلك يستخدمون العنف المفرط ضد مخالفيه ورافضيه، وكأن ‘الصندوق’ يمنح صاحبه تفويضا بالتعذيب والقتل وإراقة الدماء وهتك الأعراض واغتصاب الرجال والتحرش بالنساء. والغريب أن الدفاع عن د. مرسي من جانبهم تضاعف منذ أن تلطخت يده بدماء الثوار، الذين سقطوا تباعا داخل قصره الرئاسي وفي محيطه؛ في أول مواجهة غير متكافئة مع المحتجين على الإعلان الدستوري الصادم والصادر في نوفمبر الماضي، وهو البيان الذي حصن قرارات مرسي ضد الطعن، وأضفى عليها قدسية عالية. بدأ مسلسل القتل المنظم والاغتيالات الممنهجة للثوار، بعد أقل من ستة شهور من تسلم د. مرسي الرئاسة رسميا، كأول رئيس إخواني في تاريخ البلاد؛ وهو مسلسل أفقد د. مرسي شرعيته مع سقوط أول شهيد على أعتاب قصره وحوله.وركزت الدعاية الرسمية السوداء على أن مخالفي مرسي ومنتقديه يخشون الاحتكام لـ’الصندوق’ الانتخابي، ومع افتراض صحة ذلك، وهو غير صحيح، فلماذا لا تستجيب هذه الجماعات والفصائل إلى ‘الصندوق’ كحل للمأزق الذي تعيشه البلاد، وهو مأزق أضاع على الإخوان المسلمين جهدا وتاريخا، مهما كان الرأي فيه، دام 85 عاما في أشهر معدودات، و’الصندوق’ آلية مطلوبة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وفيها تتكشف حدود الإيمان بالديمقراطية ودرجته، وتترسخ قاعدة ‘أن يكون الحل من جنس العمل’. والاحتكام إلى ‘الصندوق’ اختيار ديمقراطي؛ وجب العمل به والتعامل معه ما دام يحوز رضا الشعب، ويعززه ‘فقه’ الديمقراطية الذي يقول بأن مشاكل الديمقراطية تُحل بمزيد من الديمقراطية.!وأول من طرح مبادرة الانتخابات الرئاسية المبكرة كان ‘المجلس الوطني المصري’، ووقتها لم تلق الاهتمام المطلوب من أجهزة الصحافة والإعلام، وكان ذلك في الخامس من يناير الماضي، ومع ذلك شقت طريقها إلى الرأي العام، وتبنتها قوى وطنية أثناء بحثها عن حل يحد من سفك الدماء ويعيد الرشد إلى الحكم الإخواني، الذي يعيش تناقضا غريبا يقوم على عبادة ‘الصندوق’ لذاته ما دام يخدم التمكين والأخونة، ورفضه إذا ما كان حلا، وحجتهم ترك د. مرسي ليستكمل مدته القانونية المقررة إلى عام 2016، حتى لو كان ذلك على جثث المواطنين وأشلائهم.واستهدفت المبادرة مواجهة خطر قائم ومستمر يهدد وجود الدولة، ويضعف تماسك المجتمع، بجانب أنها كانت وما زالت محاولة للخروج من مأزق شديد الوطأة، وللهروب من جحيمه ‘حرصا على وحدة مصر أرضا وشعبا، وعلى استعادة الثورة لاستكمال أهدافها بشكل سلمي’ كما ورد في المبادرة نصا، ويوازن ‘المجلس’ من خلالها بين التمسك ‘بجمر الثورة واستكمال مسيرتها’ وتحقيق أهدافها بعيدا عن العنف. وأخذت بها ‘جبهة الإنقاذ’ المعارضة حاليا، وتبعتها قوى وائتلافات وتيارات وطنية وثورية وأحزاب عدة.الانتخابات الرئاسية المبكرة ليست بدعة، وكثيرا ما تلجأ إليها دول تأخذ بالنهج الديمقراطي؛ إذا ما واجهت ظروفا صعبة وأزمات مستفحلة، واحتقان وعدم رضا عن الحكم. والظروف الصعبة قائمة وتزداد تعقيدا لسوء إدارة مؤسسة الرئاسة لدفة الحكم، ودورها في تقسيم البلاد واعتمادها على بث الفتن، وكسر هيبة ‘النظام الجمهوري’ وتصفية مؤسساته، وتهيئة مصر إلى الدخول في عصر الإمارات والدويلات الطائفية والمذهبية. وكما أن النظم البرلمانية تأخذ بمبدأ طرح الثقة على الحكومة داخل البرلمان، فإذا حازت على الثقة استمرت، وإذا فقدتها استقالت وأفسحت المجال لغيرها، وماذا يمنع أن يأخذ النظام الرئاسي بنفس الآلية، ويدعو لانتخابات رئاسية مبكرة لإعادة طرح الثقة، فإذا فاز ‘الرئيس’ استمر، أما لو حدث العكس فعليه الاستقالة أو الانضواء تحت لواء المعارضة، أو مواجهة الحساب والمساءلة.قبل ظهور المبادرة كنت قد اقترحت على هذه الصفحة بتاريخ 15/12/ 2012 استقالة مرسي؛ كحل يُوقف الفوضى، ويُبعد البلاد عن مخاطر الانقلاب العسكري! وكان ذلك من تداعيات فضيحة الإعلان الدستوري النوفمبري الكارثي، وجاء حل الانتخابات الرئاسية المبكرة ليجنب البلاد مزالق غير مأمونة العواقب، وليحقن دماء من يخرجون للميادين والشوارع يوميا منذ ذلك البيان الدستوري البائس حتى الآن، وبما حملت مقاومته من دلالات استئناف المد الثوري، وارتفاع سقف المطالب إلى مستوى ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ بلسان شباب صغير السن وجيل جديد رافض لحكم د. مرسي. وأضحى من الواضح أن الإخوان وحلفاءهم يرحبون بـ’الصندوق’، إذا ما كان في صالحهم ويرتعبون منه خوفا من تحوله لصالح خصومهم ومنافسيهم.وهناك مبرر حقيقي للقلق والخوف لدى جماعة الإخوان المسلمين، من التحول الذي قد يقع بسبب اللجوء إلى ‘الصندوق’، وهم يستعرضون تجربتهم في معركة الإعادة مع أحمد شفيق، وفاز فيها مرسى بأكثر من ثلاثة عشر مليون صوت، بزيادة تقترب من ثمانية ملايين ناخب خارج دائرة التأثير الإخواني، لم توفرها ماكينة الانتخابات الإخوانية الجبارة رغم قوتها وجبروتها وغناها وإمكانياتها الضخمة، ووفرتها طبيعة المنافس أحمد شفيق؛ كأحد أركان حكم مبارك. وكثيرون انتخبوا مرسي رفضا لشفيق وليس قبولا به أي بمرسي، وبدلا من تقدير هذه الكتلة الضخمة من الأصوات واستقطابها أسقطها مكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة من حسابهم وتنكروا لها، ومن المتوقع ألا تصوت الملايين الثمانية لصالح الإخوان مرة أخرى، مع ما يضاف إليها من أصوات ترفض حكم الإخوان وكانت مؤيدة له، ومنها أصوات تنتمي إلى الإسلام السياسي نفسه.وهذا اختبار مطلوب؛ من الأفضل أن يدخله الإخوان بالرضا بدلا من ضياع الفرصة، خاصة أن المبادرة لا تقوم على الإقصاء أو القطيعة مع جماعات وفصائل الإسلام السياسي، إذا لم توجد موانع وعقبات قانونية، وإذا ما تعقل مكتب الإرشاد فإن ذلك قد يكون تطورا مطلوبا لإحياء التجربة الديمقراطية الوليدة والموءودة، وتأهيل الإخوان للأخذ بآليات الحكم الرشيد يحتاج لقطع الشك باليقين لتبقى الحلول المطروحة ديمقراطية وليست إنقلابية أو دموية؛ ولتجاوز الروح الفاشية البادية في ممارسات جماعات وفصائل من الإسلام السياسي، ومن المتوقع ألا يمنع أحد جماعة الإخوان من تقديم مرشح أو إعادة طرح محمد مرسي مجددا، إذا ما تمت محاسبة المتهمين والمحرضين على العنف وقتل الثوار، وحتى لو أدينوا فهذا يصب في صالح الجماعة، ويظهرها كجماعة تلتزم بالقانون وتخضع له ولا تخرج عليه، فتتخلص من أدران العنف والنفاق والتزلف وازدواج المعايير الذي تعاني منه.وفي حالة ما إذا تم الأخذ بمبادرة الانتخابات الرئاسية المبكرة تتاح الفرصة التي تتعرف من خلالها ‘الجماعة’ على حجم ما تبقى لها من رصيد شعبي وتأثير في الشارع. وإذا ما عادت الثقة يستعيد مرسي قدرا من شرعيته، التي تتعزز إذا ما تم التحرر من تحكم وهيمنة ‘القطبيين’ على مكتب الإرشاد وعلى المليشيات المسلحة والأجهزة الموجهة لشؤون الحكم والدولة، وقد يكون في ذلك إحياء جديد للثورة وتصحيح مسار ‘الجماعة’ المعوج؛ وبهذا تتأهل للاندماج في الحياة الديمقراطية السلمية، وتنبذ العنف، وتكون أكثر تواضعا وأقل استعلاء على البشر. والاستجابة لانتخابات رئاسية مبكرة يضعف من مبررات النزول إلى الميادين والشوارع، ويعيد أهداف الثورة والالتزام بها من جديد، وذلك كفيل بإعادة المحتجين والمتظاهرين إلى ذويهم وأعمالهم، ويحول دون سقوط مزيد من الشهداء والضحايا.من جهة أخرى فإن الانتخابات المبكرة تعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي، على قاعدة ‘العقد شريعة المتعاقدين’ واستمد ذلك العقد شروطه من أهداف الثورة الأربعة: ‘عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية’، وكانت أساس صياغة ‘عقد اجتماعي’ غير مكتوب للثورة واتفاقها ‘الجنتلمان’ مع الشعب؛ بداية من توفير لقمة العيش والحد الإنساني للكفاية، مرورا بالحفاظ على الحرية والتوقف عن استعباد الناس ‘الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا’، وتطبيق العدالة الاجتماعية بإتاحة الفرص للكسب المشروع، والعمل والأجر المناسب، وربطه بالعمل والانتاج، وتوفير كل سبل الرعاية للمواطن بما يفي حاجاته ومطالبه الضرورية، وصولا إلى الحفاظ على كرامته وعدم تعرضه للإذلال والمهانة أو أي درجة من درجات التمييز، والعمل على حماية استقلاله الوطني.وكانت جماعة الإخوان وعدد من الفصائل والأحزاب الدينية أول من نقض ذلك ‘العقد’ وذاك الاتفاق وأخلت بشروطهما، وهذا هز وأضعف الشرعية السياسية والدستورية والشعبية للحكم، وبدلا من تصحيح ذلك فرض مكتب الإرشاد على ممثله في قصر الرئاسة تنفيذ مخطط التمكين، المعروف بـ’الأخونة’. وشتان بين تمكين جماعة وفصيل طائفي ومذهبي وسياسي بعينه والصدام مع مكونات المجتمع الأخرى.ولا يجب أن نغفل أن الإخوان المسلمين تعاملوا مع الوضع المأزوم في مصر على طريقة ‘مقاول الأنفار’ الذي يُمارس مع المعدمين وفقراء الفلاحين، ويتولى شحنهم في حافلات غير آدمية، ويسوقهم إلى الحقول والمزارع في فرق أقرب للسخرة؛ معروفة بـ’عمال التراحيل’، وهم وصمة عار كبرى في جبين أي حكم يحافظ على بقاء ظاهرة تستوجب المحاربة والتصفية، والإخوان يحشدون مؤيديهم وأتباعهم بنفس طريقة ‘عمال تراحيل’ تحت ضغط وسطوة ‘مقاول الأنفار’ أيديولوجي. وفي المقابل فإن من يحتج عليهم أو يخرج إلى الشارع متظاهرا فهو من ‘القلة المندسة’ والممولة من الخارج، والمنفذة لمؤامرات الأعداء، التي لم يُنشر عنها سطر واحد، ولم تعرف طبيعتها ولا من يقفون وراءها، ويتخذ ذلك سبيلا للبطش وتبرير الاستعلاء، وإحكام القبضة وإعادة إنتاج الدولة البوليسية التي ولت. ومن المفترض أن يستجيب الحاكم لمطالب الشعب، وإذا ما واتته فرصة لعودة الثقة عليه أن يقتنصها.وإذا ما سألوا خيرت الشاطر ليحكي للأجيال الأصغر من شباب الإخوان عن سبل التعامل مع احتجاجات ومظاهرات 1968 التي خرجت ضد أحكام الطيران، التي اعتُبرت أدنى من حجم هزيمة 1967، استمع الزعيم للمحتجين والتقى بقيادات الحركة الطلابية الذين ملأوا المشهد السياسي، في ذلك الوقت، واستجاب لمطالبهم، وأعيدت محاكمة قادة الطيران المقصرين مجددا، ومعنى ذلك هو الانحياز لمطلب التغيير، وصاغ من شعارات الاحتجاج والتظاهر برنامجا كاملا (بيان 30 مارس) للتغيير؛ تم استفتاء الشعب عليه، وبذلك تمكنت مصر من عبور أزمتها، ودخلت حرب الاستنزاف (الحرب المنسية)، وهي أكثر تماسكا ومَنَعَة، وقد خسرت الدولة الصهيونية في تلك الحرب ما لم تخسره في أي حرب ضد العرب.ومع الفروق المكانية والزمانية بين ذلك العصر واليوم فإن الاستجابة للمطالب المشروعة للثوار والقوى الوطنية تزيد من رصيد الرئيس، وليس عيبا ولا نقصا فيه إذا رضخ لشعبه ورفع من شأنه، وعمل على إخراج بلده من أزمتها؛ ودون ذلك فالأولى به أن يعتزل أو يعرض على طبيب نفسي، أو يقدم لجهات التحقيق، لتفصل في التصرفات الشاذة والجرائم المرتكبة في حق الوطن.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية