الانتخابات العراقية المبكرة ودور المنظمة الدولية في تصويبها

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك-»القدس العربي»: هذه انتخابات مختلفة. أو لنقل نأمل أن تكون مختلفة. في المرات السابقة جميعها كانت الانتخابات تعمل على تجديد الشرعية للأحزاب والطائفية السياسية، هذه المرة قد تكون استجابة لضغط الشارع الشعبي الذي أطلق حراكه السلمي في تشرين الأول/أكتوبر 2019 مطالبا بالحرية والكرامة والعيش الشريف بعيدا عن هيمنة الميليشيات أو الانصياع لأجندات الآخرين.
لقد سقط في الحركة الاحتجاجية تلك ما يزيد عن 600 ضحية وأصيب الآلاف، كما تم خطف أو قتل العشرات من النشطاء والصحافيين، بينما فر العديد من الوجوه البارزة في الاحتجاجات إلى إقليم كردستان العراق أو إلى خارج البلاد. وقد أضاف المحتجون إلى مطالبهم ضرورة محاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين وهو طلب لم يتحقق حتى الآن.
والسؤال الذي ينتظر الجميع الإجابة عليه يوم العاشر من هذا الشهر هل ستسفر هذه الانتخابات عن تشكيل حكومة توافقية، مكونة من نفس الطبقة السياسية التي تظاهر ملايين العراقيين ضدها أم ستعكس مطالب الحراك الشعب الشبابي في الحرية والكرامة والعمل الكريم وتحجيم الميليشيات الطائفية وانتقال العراق إلى الديمقراطية والسلم الأهلي والاستقرار؟
لقد وصلت الأزمة الداخلية حد الانفجار خاصة مع تحويل أرض العراق للمواجهات الإيراينة الأمريكية، فاختار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الدعوة لانتخابات مبكرة تعقد في العاشر من هذا الشهر، على أمل أن تكون انتخابات حرة وشفافة وسلمية ومراقبة دوليا ومدعومة من الأمم المتحدة تنتهي إلى اختيار ممثلين حقيقيين للشعب العراقي بكل أطيافة وخاصة الشباب والمرأة.
الدول الغربية الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وألمانيا، أعلنت عن دعمها للانتخابات ماديا وسياسيا ومعنويا وأنشأت بعثة مراقبة كبيرة مقرها بغداد تهدف إلى مساعدة الشعب العراقي في العملية الانتخابية وتقديم الدعم المادي للجنة العراقية المستقلة للانتخابات.
وللعلم فإن الانتخابات الحالية ستفرز 320 نائبا ربعهم من النساء إضافة إلى تسعة مقاعد مخصصة للأقليات. وعلى المترشح أن يكون حاصلا، على الأقل، على شهادة الثانوية العامة ولا يقل عمره عن 28 سنة ومن سكان المنطقة التي يترشح لتمثيلها بعد حصوله على لائحة تأييد من 500 شخص على الأقل. ووفقًا للمفوضية العليا للانتخابات فقد بلغ عدد الناخبين المسجلين اعتبارًا من 7 تموز/يوليو 25182594 ناخبًا، وتصل نسبة الرجال المشاركين إلى 51.4 في المئة بينما تصل نسبة النساء إلى 48.6 في المئة.

مجلس الأمن والانتخابات العراقية
في أيار/مايو 2020 عزز مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» بتوسيع ولاية البعثة لتشمل المساعدة الانتخابية. فقد أضيف عدد من الموظفين المختصين بالانتخابات لدعم دور البعثة الأممية لتتمكن من تقديم المساعدة للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات. لقد ضاعفت الأمم المتحدة عدد مسؤوليها المختصين في الانتخابات إلى خمسة أضعاف عما كانوا عليه خلال انتخابات 2018.
وفي أواخر عام 2020 اجتمع العراقيون حول فكرة أن المراقبة الدولية كانت شرطًا أساسيًا للشرعية الانتخابية. وبناءً عليه، قدمت حكومة العراق طلبًا إلى الأمم المتحدة بمساعدتها في تنظيم ومراقبة الانتخابات وتعزيز دور اللجنة المستقلة للانتخابات. وقد بحث مجلس الأمن في جلسته يوم 27 أيار/مايو 2021 المسألة وتبنى بالإجماع القرار رقم 2576 (2021) الذي فوض إرسال فريق كبير لمراقبة الانتخابات تابع لبعثة «يونامي». ثم تبع ذلك قرار الاتحاد الأوروبي في 21 حزيران/يونيو 2021 بإرسال بعثة منفصلة لمراقبة الانتخابات، والتي تضم الآن عددًا كبيرًا من الخبراء من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد قامت البعثتان، الأممية والأوروبية، بنشر مراقبين في كافة محافظات العراق تعزيزا لنزاهة الانتخابات.

دور بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي»

لقد فوض مجلس الأمن في قراره 2576 المذكور أعلاه بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» بـ: «تقديم المشورة، ودعم ومساعدة حكومة العراق والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في التخطيط وتنفيذ انتخابات شفافة وذات مصداقية». بالإضافة إلى ذلك فقد فوض المجلس زيادة عدد الفريق المخصص لتقديم المساعدة والمشورة الانتخابية الفنية، والأمن وزيادة عدد الموظفين قبل الانتخابات لمراقبة يوم الانتخابات؛ وتقديم الدعم اللوجستي والأمني المناسب للمراقبين الدوليين والإقليميين الذين سيصلون إلى العراق للمراقبة بدعوة من الحكومة العراقية. علاوة على ذلك، فقد تم تكليف بعثة الأمم المتحدة «يونامي» بإطلاق حملة رسائل استراتيجية باسم الأمم المتحدة للتثقيف والإعلام وتحديث المعلومات المتعلقة بالانتخابات وأنشطة الأمم المتحدة الداعمة لها حتى يوم الانتخابات. وقد نشرت البعثة مراقبيها ومستشاريها الأساسيين في المدن الرئيسية مثل بغداد والبصرة وكركوك ونينوى وأربيل.
وقد أكدت جنين هينيس- بلاسخارت، ممثلة الأمين العام الخاصة ورئيسة بعثة «يونامي» في مؤتمر صحافي في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر على ضرورة إجراء هذه الانتخابات من أجل الانتقال من حالة الجمود السياسي الذي طال أمده، إلى التصدي أخيراً للتحديات الملحة التي تواجه العراق بما في ذلك؛ الحاجة الماسة للإصلاحات الاقتصادية «ولكن ثمة أمرا آخر أهم من ذلك؛ وهو الحاجة إلى تحقيق العدالة والمساءلة» كما قالت عاكسة مطالب الحراك الشعبي. وقالت بلاسخارت إنها سمعت كثيرا من عراقيين يبدون قلقهم حول هذه الانتخابات ومدى إمكانية تحقيق الأهداف التي خرجوا إلى الشوارع لتحقيقها. وأضافت أنها تتفهم مثل هذا القلق «فليس المهم الانتخابات بل انتخابات تتسم بالمصداقية والشفافية». وقالت: «أريدكم أن تعلموا أن الأمم المتحدة ليست غافلة عن دواعي القلق التي تم الإعراب عنها. نحن لسنا سذجاً إزاء المشاكل التي يواجهها العراق. على العكس تماماً؛ ففي إحاطاتي التي قدمتها إلى مجلس الأمن في نيويورك، كان موقفي ثابتا للغاية بشأن التحديات والمشاكل العديدة الماثلة، وحول ضرورة الشعور بالحاجة الملحة لإنجاز الأمور».
وأعلنت المبعوثة الخاصة ومساعدتها للشؤون السياسية في نفس المؤتمر الصحافي أن النواحي الفنية للعملية الانتخابية تسير على الطريق المرسوم لها تماماً وأن المراقبين الذين يمثلون الأمم المتحدة قد استكمل نشرهم على نحو كامل، وأن مهماتهم تشمل المساعدات الفنية والرصد فضلاً عن أنشطة الاتصال والتوعية. وقالت «إجمالاً، هناك ما يقرب من 900 شخص من الخبراء وموظفي الدعم الدوليين والعراقيين يساهمون في الجهود الانتخابية على مستوى البلاد».

التحدي الأكبر

يحاول العراق أن يخرج من الثنائية القطبية التي تهمين عليه: السيطرة الإيرانية والوجود الأمريكي. وما كانت قمة الجوار التي عقدت في بغداد يوم 28 آب/أغسطس الماضي بحضور كل من تركيا وإيران والسعودية ومصر والكويت والأردن وقطر والإمارات وفرنسا، إضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي، إلا محاولة جادة لتبريد بعض الملفات الساخنة التي تستخدم العراق كورقة تفاوض والانفتاح على دول المنطقة من باب التعاون لا التنافر. لكن هناك قوى لا تريد للعراق أن يتعافى من إرث الماضي وحاضر الفرقة والتمزق والهيمنة.
لعل هذه الانتخابات تنتهي إلى ما يريده الشعب العراقي بغالبيته: عراق ديمقراطي، بعيد عن الهيمنة واستخدامة ساحة لتصفيىة الصراعات وأوراقا سياسية وأمنية في أيادٍ غير عراقية. لقد تعب الشعب العراقي من الحروب والصراعات والتفجيرات والميليشيات العابرة للحدود والمصنعة محليا، وفوضى السلاح وتزوير الانتخابات وشراء الأصوات وتغول منظومة الفساد. ما أطلقه الحراك الشعبي منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019 يتمحور في مطالب الحرية والكرامة والعيش الكريم واستغلال ثروات العراق لصالح الشعب العراقي أولا في ظل دولة يحكمها القانون بعيدا عن الطائفية والميليشيات المنفلتة من كل مساءلة ومرتبطة بأجندات ليست بالضرورة لصالح العراق. فهل هذا قليل على شعب العراق؟

الصورة: جنين بلاسخارت رئيسة بعثة «يونامي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية