الانتخابات الفلسطينية: رهان محفوف بالمخاطر تسير إليه فتح وحماس بلا رؤية أو خطة واضحة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

 لا أحد يناقش أن أعوام إدارة دونالد ترامب كانت تمثل نكسة على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. ولو فاز ترامب بولاية ثانية لاستطاع مع فريقه وحلفائهم العرب الجدد القضاء على القضية الفلسطينية.

وكان يأس رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية واضحا عندما تحدث بنوع من العبثية بعد سؤاله عن امكانية فوز جديد لترامب «الله يساعدنا». ذلك أن الإستراتيجية الإسرائيلية التي لعب عليها وروج لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي قامت على تفكيك مركزية فلسطين في الوعي العربي وتوجيه أنظار الدول العربية، خاصة في الخليج إلى ما زعم أنه تهديد مشترك وهي إيران ومشروعها النووي وميليشياتها في المنطقة، خاصة حركة الحوثيين في اليمن والتي تخوض ضدها السعودية والإمارات حملة عسكرية دعما للحكومة الشرعية هناك. وكان التأزم في الحالة الفلسطينية واضحا في العام الماضي كما أشار تقرير أصدره مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند أكد فيه أن «نصف الفلسطينيين بحاجة الآن إلى مساعدات إنسانية، في الوقت الذي تشهد فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية أسوأ سنواتها منذ عام 1994». وحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة بشكل ستترك آثارا سلبية على مسارات التنمية الفلسطينية لسنوات عديدة قادمة. وأشار إلى خسارة ما يقرب 150.000 فلسطيني وظائفهم العام الماضي جراء انتشار فيروس كورونا.
وبدأ عام 2021 بداية جيدة على الأقل، لكنه لن يصلح الضرر الكبير الذي تسببت به إدارة ترامب ولا التحالفات الجديدة التي خلقتها مع دول عربية باتت تتعامل مع القضية الفلسطينية وكأنها حالة داخلية بين إسرائيل والفلسطينيين. وبوصول إدارة جوزيف بايدن إلى البيت الأبيض جرى إعادة دقات ساعة السياسة الخارجية إلى بندولها التقليدي، والظهور بمظهر العراب «الشريف» والتأكيد على حل الدولتين. ولكنها لم تتعجل على خلاف إدارة باراك أوباما التي حاولت منذ وصولها إلى الحكم في 2009 التعاون مع نتنياهو كشريك يمكن الوثوق به في تحقيق التسوية مع السلطة الوطنية بدون أي نجاح. وكان خطأ إدارة أوباما أنها واصلت محاولاتها الفاشلة لتحقيق حل الدولتين مع معرفتها أن نتنياهو واليمين المتطرف معه لن يقبلا بالتنازل ولا الذهاب لقضايا الحل النهائي. ولهذا السبب بدت رؤية أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الجديد متواضعة بكونها تؤكد على حل الدولتين الذي ينتظر تحقيقه لحين توفر قيادتين فلسطينية وإسرائيلية جادة. وفي ظل استعداد إدارة بايدن العودة للاتفاق النووي والتحاور مع إيران بشروط والجهود التي تعمل عليها لخفض التوتر في اليمن وإعادة ضبط علاقاتها مع دول الخليج، وسط دعوات لإعادة النظر بالعلاقة التقليدية والخطيرة مع دول الخليج والتي وضعت أمن النفط فوق كل اعتبار (كما ورد في مقال للسناتور الديمقراطي كريس ميرفي بفورين أفيرز- 19/2/2021) فالعملية السلمية لا تبدو على رأس أولويات فريق بايدن. واتخذت إدارة بايدن عددا من الإجراءات لإعادة الدعم الأمريكي وفتح حوار انقطع مع الفلسطينيين. ولن تكون فلسطين- إسرائيل على قائمة اهتمامات إدارة بايدن على الأقل في السنة الأولى من حكمه.

تحضيرات

وهناك انتخابات فلسطينية برلمانية ورئاسية يتم التحضير لها في كل من الضفة الواقعة تحت سيطرة حركة فتح وغزة التي تديرها حركة حماس. وليست هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها الرئيس محمود عباس عن إجراء انتخابات قبل أن يتراجع عنها، فهذه على الأقل المرة الخامسة، لكنه جاد على ما يبدو الآن وتدفعه ظروف عدة لإنجاز العملية الانتخابية وإرسال رسالة إيجابية للإدارة الجديدة. أو تعزيز شرعيته. فقد انتخب عباس عام 2005 في أعقاب الانتفاضة الثانية. وفاز عباس الذي لم يكن يعارضه في تلك الفترة سوى حماس وعدد من الأحزاب الصغيرة بسهولة. وحصل على تفويض قوي لدعم أجندته بمواصلة المحادثات السلمية مع إسرائيل ووقف المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي. ولا يزال عباس في السلطة منذ 16 عاما ولا يزال الفلسطينيون يئنون تحت وطأة الاحتلال. واستطاع عباس كما أشارت داليا حتوقة في مجلة «فورين بوليسي» (2/2/2021) وضع كل مؤسسة فلسطينية تحت سيطرته. فهو لا يترأس فقط حركة فتح، كبرى الأحزاب الفلسطينية في الضفة الغربية والحزب الحاكم فيها بل والسلطة الوطنية التي أنشئت بموجب اتفاقيات أوسلو ومنظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل الفلسطينيين في الداخل والشتات. وعليه فاحتكار مفاصل القرار الفلسطيني جعل الكثير من الفلسطينيين يعتقدون، حسب استطلاع أخير أن الانتخابات في الظرف الحالي لن تكون حرة ونزيهة. وكانت آخر مرة عقدت فيها انتخابات برلمانية هي عام 2006 وفازت فيها حماس بشكل حاسم، لكن إسرائيل والمانحين الغربيين لم يعترفوا بها لأنهم يعتبرون حماس حركة إرهابية. ولهذا قامت الدول المانحة بتقديم الدعم الكبير لحركة فتح التي قامت بمحاولة إنقلابية مدعومة من الولايات المتحدة في غزة ثم سيطرت حماس على القطاع مما أدى لحالة انقسام طويلة بين حماس وفتح وأدى هذا لفقدان الثقة بالطرفين. وتشير حتوقة إلى أن الانتخابات ستواجه إشكالية شرعية لو فاز الطرف غير المرغوب به بالانتخابات كما حدث مع حماس في 2006 عندما رفض المانحون الدوليون وفي مقدمتهم أمريكا التعامل بجدية مع فوزها. وهناك من يرى أن إجراء انتخابات يجب أن تسبقها إصلاحات جذرية لمؤسسات السلطة وتفعيل كامل لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تعتبر الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني وتحولت لمجرد تابع لعباس وأداة لإطالة حكمه. والمشكلة هي أنه لو ظل عباس في السلطة بعيد الانتخابات فلن يحدث تجدد ديمقراطي، مما يؤكد أن الانتخابات هي مجرد أداة للتقرب من إدارة بايدن والظهور بمظهر الملتزم بالمبادئ الديمقراطية أمام المانحين.

بلا خطة أو رؤية

وما يلحظ في التحضير للانتخابات أنها تجري بدون خطة أو رؤية واضحة كما يقول ديفيد هيرست في «ميدل إيست آي» (18/2/2021) وهذا لا يعني عدم وجود جدية في التحضير لها، والدليل هو قيام قوات الأمن الوقائي التابعة لعباس والقوات الإسرائيلية تقوم معا بإلقاء القبض على كل من يعارض مرشحي حركة فتح. ويقول نادي الأسير الفلسطيني إن 456 مدنيا ألقي القبض عليهم في شهر كانون الثاني/يناير في الضفة الغربية، وفي ليلة واحدة في شهر شباط/فبراير ألقي القبض على واحد وثلاثين فلسطينيا. ولا تميز الاعتقالات بين فئة وأخرى، فقد استهدفت جميع الفصائل – حتى تلك التي لم تنشأ بعد. وتستهدف القوات الإسرائيلية ومنذ أكثر من عام المئات من الشباب، نساء ورجالا، ممن ينتمون إلى شبكة يسارية تنشط في المجالين الاجتماعي والسياسي. وصدرت تهديدات لعناصر حماس في الضفة الغربية بأنهم سيلحقون بهم لو تجرأوا على ترشيح أنفسهم للانتخابات. والاعتقالات المسيسة ليست بالأمر الجديد في الضفة الغربية، إلا أن ما يبعث على دهشة البعض أن قيادة حماس في غزة ما تزال ماضية في خطة إجراء الانتخابات بغض النظر عما يحدث في الضفة الغربية. وهي مصرة وبعد ثلاث جولات من المفاوضات مع فتح في بيروت وأنقرة والقاهرة، على إجراء جميع الانتخابات الثلاثة للمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية في وقت واحد لعدم ثقتها بعباس. وتطالب بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل وإنهاء حملة الاعتقالات في الضفة الغربية. ولم تنجح حماس في الحصول على موافقة من عباس على المطلبين الأخيرين في جولة القاهرة الأخيرة وهو ما دفع حركة الجهاد الإسلامي القول إنها لن تشارك في الانتخابات، بينما ظلت حماس على موقفها. ويزعم مؤيدو الصفقة التي أبرمت مع فتح، بأن حماس أخذت ضمانات بحصول ثمانية وثلاثين ألف موظف في غزة على وظائف دائمة وليس فقط رواتبهم من السلطة الفلسطينية. ويزعمون أن محكمة انتخابات جديدة سوف يتم تشكيلها لتجنب المحكمة الدستورية شديدة الانحياز التي كان عباس قد أنشأها. ويقولون بأن حماس سوف تضمن تعاون المجتمع الدولي، بما في ذلك تجديد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وأن أحدا لن يكون قادرا على تجريم المقاومة. أما معارضو الصفقة، فيقولون إن كل هذه الوعود مجرد تمنيات، ويشيرون إلى أن قضية الموظفين تعود إلى ما لا يقل عن عقد من الزمن، وضعت على الرف إلى ما بعد إجراء الانتخابات ولم يعلن عباس عن تشكيل محكمة انتخابات جديدة، وحتى فيما لو تم تشكيلها فلن تتمكن من تجاوز المحكمة الدستورية القائمة، التي تبقى أعلى سلطة قانونية في الضفة الغربية. وأخيرا، يقولون إن فتح لا تملك صلاحيات تؤهلها لأن تضمن الاعتراف الدولي بحركة حماس، التي ما تزال مصنفة منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن الواضح أن قيادة حماس منقسمة على نفسها، فحماس في غزة محاصرة، ولا يبدو أنها قادرة على الفكاك من معسكر الاعتقال الذي تحولت إليه غزة ما بعد انتخابات عام 2006 والمحاولة الانقلابية التي قام بها القيادي في حركة فتح محمد دحلان، والخلاف مع فتح. ويبدو أنهم سئموا من تحميلهم المسؤولية عن الحصار المستمر ويتطلعون لايجاد مخرج من هذه المعضلة. كما أن المال يوشك على النفاد، إذ لم تعد إيران تمولهم كما كانت تفعل من قبل، وهناك مؤشرات على أن داعمين أجانب يدفعون بهم للارتماء في أحضان فتح. إلا أن قيادة حماس التي توجد حاليا بشكل كامل داخل القطاع، سوف تواجه ضغطا متزايدا لكي تنسحب من الانتخابات التي سوف تخسرها حماس لا محالة. ولا يتوقع أحد عودة نتائج انتخابات عام 2006.
وحتى لو حافظ عباس على عهوده وشكل حكومة فلسطينية وطنية ممثلة للشعب، وسمح لحماس بالعودة إلى المجلس التشريعي وبدخول منظمة التحرير، فما الذي سيمنع إسرائيل من اعتقال أعضاء البرلمان الممثلين للحركة كما تفعل الآن؟

مشاكل فتح

وحال فتح ليس بأفضل من حال حماس، فسعي عباس لتجديد ولايته واستعادة الشرعية التي فقدها بوصفه واحدا من مهندسي أوسلو، يواجه بتهديد من اثنين من القادة في حركة فتح. ويقول هيرست إن عباس وبلا شك على دراية منذ زمن طويل بالخطة التي أعدت لاستبداله بخصمه اللدود محمد دحلان. ‎وكانت خطة حقبة ما بعد عباس قد وضعت باتفاق بين الإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر.
وهناك الرجل الذي كان قد ترشح ضد عباس ثم سحب ترشيحه في الانتخابات الرئاسية عام 2005 إنه مروان البرغوثي، العنصر القيادي في الانتفاضتين الأولى والثانية، الذي يقضي في السجن حاليا حكما بخمسة مؤبدات. ما زال البرغوثي يتمتع بشعبية كبيرة كواحد من رجال المقاومة، فقد حاز ذات مرة في استطلاع للرأي على عدد من الأصوات فاق ما حصل عليه عباس وإسماعيل هنية، زعيم حماس، كمرشح للرئاسة. وبعد عقدين قضاهما خلف القضبان، يريد البرغوثي أن يخرج من السجن، فهل يكون دحلان، الزعيم الفلسطيني المفضل لدى إسرائيل، هو ورقة البرغوثي للخروج من السجن؟ وقد أثار إعلان البرغوثي الرغبة بالترشح اضطرابا داخل حركة فتح، لدرجة أن جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية في حركة فتح الذي قاد المفاوضات مع حماس، اتهم دولا أجنبية بالتدخل في الانتخابات الفلسطينية، والقيام بحملة لتنصيب دحلان في موقع الزعيم الفلسطيني القادم. فيما تحرص مصر والأردن والإمارات على استغلال عدم الثقة بين حماس وفتح للدفع بدحلان، ومن المؤشرات الأخيرة على ذلك وصول ما سوف يعد الأول من ضمن مجموعة كبيرة من رجال دحلان إلى غزة، بعد سنين عديدة قضوها في المنفى. ما كان لذلك أن يحصل دون موافقة قادة حماس في غزة.
ويرى هيرست أن فتح تواجه تنافسا على السلطة ومشكلة حقيقية تتعلق بهويتها. فهل تريد تحرير فلسطين من الاحتلال؟ أم أنها ترغب في أن تحكم بالوكالة عن إسرائيل، بغض النظر عن الظروف التي توضع فيها؟ وما زالت فتح تعيش أزمة شرعية على الرغم من أنها ترى في نفسها السلطة الطبيعية للحكم. وأما حماس، فتريد أن تتخلص من العبء الثقيل الذي يتمثل في تحمل المسؤولية عن مليوني فلسطيني في حالة من العوز الشديد في غزة، إلا أن الانتخابات في مثل هذه الظروف ستكون بمثابة قفزة إلى المجهول، وقد تنتهي الأمور إلى ما هو أسوأ. ومع ذلك، فإن الأطراف عازمة على التوجه نحو الانتخابات دون رؤية متفق عليها عن فلسطين أو خطة مفصلة للتوصل إلى مثل هذه الرؤية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية