سباق محموم تعيش على وقعه ليبيا هذه الأيام؛ مع بقاء أيام معدودة على موعد العرس الانتخابي الليبي الرئاسي والبرلماني المرتقبين، ومع توالي الأيام تكشف اللثام عن شخصيات اكتنف حولها الغموض وعلى رأسها نجل معمر القذافي سيف الإسلام، الذي غاب عن المشهد منذ الحكم عليه بالإعدام في العام 2015 حيث تقدم بأوراق ترشحه لمفوضية الانتخابات لخوض سباق الرئاسة ومعه عاد إلى المشهد مترشح الانتخابات الرئاسة كل من مساعد القذافي السابق بشير صالح؛ ورئيس جمعية الدعوة الإسلامية الأسبق أحمد الشريف وهما عادا قبل أيام معدودة إلى ليبيا بعد سنوات من بقائهما خارج البلاد.
في طرابلس؛ سجلت المفوضية طلبات ترشح لم تكن نوايا أصحابها بالمخفية عن الراصدين للمشهد السياسي، فجلها لشخصيات تداولت على شغل مناصب مختلفة طوال السنوات العشر الماضية ومن بين هذه الأسماء نائب رئيس المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق، وفتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، ورئيسي الوزراء السابقين علي زيدان و خليفة الغويل، وعدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك لم يغب عن مشوار الترشح الشخصيات الرياضية والفنية.
في المقابل شهدت بنغازي في الضفة الشرقية من البلاد ترشح قائد قوات الكرامة خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح كأكثرالشخصيات تأثيرا والأكثر حظا في المنافسة على منصب رئاسة ليبيا، على الرغم من تأثير ظهور وترشح سيف الإسلام على حظوظ كليهما بعد خسارة الكثير من أصوات حلفائهم الموالين للنظام السابق بعد انتهاء زواج المصلحة الذي جمعهم، ومع ذلك يحاول الكثير من الموالين لهما التقليل من هذا التأثير بداعي أن الرجلين يملكان شعبية كاسحة في المناطق الشرقية والجنوبية والغربية وهو ما لا يبدو صحيحا.
اندلاع احتجاجات
على صعيد آخر اندلاع احتجاجات في المنطقة الغربية عقب ترشح حفتر والقذافي الإبن من قبل كثير من الموالين للثورة الليبية في مناطق مصراتة، وطرابلس، والزاوية، والزنتان، وغريان، والجميل، وغيرها، مطالبة باستبعاد الشخصيتين المتهمتين بالتحريض على العنف والحروب وقتل الليبيين حسب زعمهم مما لا ينذر بالخير، خصوصا مع إغلاق عدد من الدوائر الانتخابية في تلك المناطق والتهديد والوعيد الذي صاحب الخطابات والرسائل، ولكن هذه الشعارات سرعان ما انخفضت؛ وفتحت جميع الدوائر الانتخابية بعد أيام ثلاثة من إغلاقها لضغوط يعتقد أن وراءها مبعوث الولايات المتحدة إلى ليبيا ريتشارد نورلاند ومع ذلك فقد صرحت خارجية بلاده على لسان ناطقتها جيرالدين غريفيث أن المترشح للانتخابات الرئاسية سيف الإسلام القذافي لديه سجل طويل من الانتهاكات، وأنها تتفهم مخاوف العديد من الليبيين من ترشحه والشخصيات المتهمة بجرائم ضد الإنسانية في حق الليبيين؛ لتضيف وزارة الخارجية الأمريكية تصريحات أخرى تقول فيها أن نجاح عملية الانتقال السياسي تتطلب «محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان وضمان حرية التعبير والتجمع السلمي» ولكنها لم تخف أملها في مشاهدة انتخابات حاسمة للتقدم الديمقراطي والوحدة الوطنية. ولكن تجربة أفغانستان والعراق وكل مكان زارته العدالة الأمريكية لا تجعل في قلوب الليبيين أي ثقة بعد سنوات الحرب وتعداد القتلى والجرحى وحجم الدمار والخراب في كثير من المدن الليبية بسبب عدد من الشخصيات المترشحة اليوم شرقا وغربا وجنوبا ومن كافة الفصائل السياسية والاجتماعية .
التواقون إلى الترشح
وعلى المقابل من ضفة المقبولين والمرفوضين والمحتجين تقع ضفة «التواقين إلى الترشح» المكبلين بموجب الالتزامات التي وقعوها مع بعثة الأمم المتحدة من جهة والقوانين الانتخابية الليبية من جهة أخرى وعلى رأسهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، والذي يعرف الصغير قبل الكبير نيتهم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة وذلك من خلال رفضهم للقوانين الانتخابية وتحديدا للمادة 12 من قانون الترشح للرئاسة الذي يفرض على المترشح الذي يتولى أي سلطة في البلاد تنفيذية كانت أم تشريعية أو إدارية التخلي عن منصبه قبل موعد الانتخابات المزمع عقدها في 24 من كانون الأول/ديسمبر المقبل بثلاثة أشهر، وقد تجلى هذا الرفض من خطابات المشري والدبيبة خلال الأيام الماضية الداعية لتصحيح القوانين بما يضمن مشاركة الجميع دون إقصاء، وهو ما تؤكده آخر تصريحات المشري التي أكد أن العملية الانتخابية لا بد أن تقوم على قاعدة دستورية أو سجل انتخابي نظيف، وأن العملية الانتخابية والقوانين مفصلة على أشخاص في إشارة لخصومهم السياسيين، وقد حاول التخلص من تهمة زعزعة الانتخابات لأنها لا تشمله بسبب شرط الثلاثة أشهر بالقول: إنه لا يريد الترشح للانتخابات المقبلة.
بالمقابل فقد تحرك الدبيبة نحو هيئة مكافحة الفساد لتقديم ذمته المالية وهي الخطوة قبل الأخيرة للتقدم بأوراق الترشح وهذا يعني أن الرجل قد عزم على القفز على كل الشروط وعدم انتظار تصحيح أو تغيير القوانين الانتخابية من قبل البرلمان كخطوة انتحارية أو قفزة في الهواء كما يقال! ولكن محامين يقولون أن الدبيبة يصح له الترشح حتى بدون عطف مجلس النواب أو تغيير القوانين باعتبار أنه وحكومته مرفوعة عنهم الصفة كون مجلس النواب جعلهم شخصيات وحكومة لتصريف الأعمال منذ ثلاثة أشهر؛ أي أن شرط القوانين الانتخابية ينطبق على الدبيبة وكذلك يستطيع أي فرد في حكومة الوحدة الوطنية أن يترشح في الوقت الحالي، ومع ذلك فإن الوقت والظروف السياسية هي من ستبين صحة هذا الإدعاء من عدمه. لكن الأكيد أن عدم ترشح الدبيبة قد يخلف حالة من الزخم والاستقطاب لدى جزء كبير من الشارع الليبي، ومع كل هذا لا يبدو أن مجلس النواب الليبي متجه لتعديل هذه القوانين الانتخابية بحسب تصريحات عضو مجلس النواب عصام الجهاني الذي نفى أي خطوة بهذا الإتجاه مؤكداً أنه لا توجد احتمالية لتعديل مجلس النواب للمادة 12 من قانون انتخاب الرئيس، ومضيفاً أن أي تعديل على المادة يجب الرجوع فيه لمجلس النواب مجتمعا، ومن خلال ما تبقى من مشوار الترشح وتسلم بطاقات الناخبين لا يبدو أن هناك أي نية في تصحيح أو تعديل أي نقطة في قوانين الانتخابات .
وعلى ضفة أخرى من هذه المشاهد جميعاً تقود المفوضية الوطنية العليا للانتخابات سباقا فنياً، محموماً من أجل استكمال جميع الإجراءات الخاصة بالعملية بما فيها عمليات تسجيل المقترعين في الانتخابات التي تجاوزت مليونها الأول في مشوار المليوني و800 ألف مسجل رسميا لديها، ضف على ذلك إجراءات استقبال أوراق المترشحين للانتخابات الرئاسية الذين وصلوا إلى 15 مترشحا والانتخابات البرلمانية التي وصلت إلى أكثر من 1000 مترشح في عموم البلاد، وهي أرقام وإحصائيات تدل أن الشعب الليبي مقبل بزخم غير معهود منذ سنوات على الانتخابات والدليل على ذلك زيادة ساعات عمل مكاتب التوزيع التابعة إلى المفوضية العليا للانتخابات ساعتين إضافيتين من الساعة 12 ظهرا حتى الساعة 6 طيلة أيام الأسبوع، باستثناء يوم السبت الذي تفتح فيه أبواب المراكز من الساعة الـ 10 صباحا حتى الـ 6 مساء وهو ما يعني ضغطا وإقبالا شعبيا متواصلا على الانتخابات.
كل هذا يجري وسط تربص غير مسبوق بالمفوضية من قبل معرقلي الانتخابات الذين لا يريدون أي تغيير على الخريطة السياسية الليبية وربما يكونون مدعومين من قبل متنفذين في السلطات الحالية في وقت يحاول فيه المجلس الرئاسي برئيسه محمد المنفي ونائبيه موسى الكوني وعبدالله اللافي، لعب دور الوسيط بين كافة الأطراف المختلفة في الحكومة والشارعين السياسي والاجتماعي للوصول بالانتخابات إلى بر الأمان محاولين تصدير شعار أن «نجاح العملية الانتخابية يتطلب المشاركة الكبيرة والتوافق» أمام المجتمع المحلي والدولي وهو المطلوب منهم وقد ينجحون فيه إن استمروا على هذا النسق.
اتهامات لبعض الدول بمحاولة التدخل
وعلى صعيد متصل تظهر على السطح اتهامات لبعض الدول الأجنبية بمحاولة التدخل في الانتخابات الليبية المرتقبة وقوانينها المنظمة لها أو عن طريق دعم مرشحين رئاسيين أو نيابيين عبر المال الفاسد الذي لطالما لعب في عداد أعمار كثير من الليبيين ودمر ونهب وسجن وحرق وقتل، وآخر هذه المزاعم تسلط الضوء على دولة الإمارات العربية المتحدة التي قال موقع «أفريكا إنتليجنس الفرنسي» أن الإمارات قامت بإرسال مساعد معمر القذافي السابق بشير صالح ليكون رجلها في الانتخابات أو على الأقل أحد رجالاتها وأدواتها خلال الفترة القريبة المقبلة في ظل ضعف وتراجع شعبية المدعوم الأول للإمارات في ليبيا خليفة حفتر، وهنا يُطرح تساؤل كيف ومتى انتظم هذا التعاون خصوصا، وأن الإمارات كانت الدولة المساهمة الأبرز في إسقاط النظام السابق بزعامة معمر القذافي.
هذا العرس الذين ينتظره الكثيرون قد يكون القارب الذي ينقذ الليبيين من وضع كارثي محقق ومشاهد الموت والخراب والدمار إذا توفرت شروط لهذه الانتخابات المقبلة أهمها الدعم والزخم الدولي اللازم للعملية الانتقالية الحالية والرادع القوي لمن يريد العودة بالبلاد إلى المستنقع الدموي السابق عبر تشديد العقوبات على المعرقلين بمختلف أطيافهم وحتى ذلك الحين التمني للانتخابات الليبية بالنجاح والتوفيق.