الانتخابات المصرية: كتلة مدنية… كتلة دينية… ومسائل أخرى

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

أثارت نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية جدلاً كبيراً، داخل مصر وخارجها. ولأن هذه مصر، وليست أي بلد عربي آخر، لم ينته الأمر عند الجدل، بل تطور إلى حراك سياسي واسع. المفاجأة، أن صدور الأحكام في القضية، المتهم فيها الرئيس السابق ووزير داخليته والجنرالات الستة من أعوان وزير الداخلية، أطلقت غضباً شعبياً عارماً، بدت فيه مصر وكأنها تفجر ثورتها من جديد. وبالرغم من أن الجدل حول نتائج جولة الانتخابات الأولى لم يخمد كلية، إلا أنه تضاءل إلى حد كبير خلف الحراك الشعبي الكبير، الذي اندلع في كافة المدن المصرية.

يدور جدل الانتخابات حول مقولة قديمة/ جديدة تقول بانقسام المصريين بين كتلة الدولة المدنية وكتلة الدولة الدينية، وحول مقولة أخرى بانقسام القوى السياسية إلى ثورية وغير ثورية. القوى المدنية والثورية، ترتفع أصوات صاخبة في الساحة السياسية المصرية، تمثل أغلبية المصريين، بالرغم من أن من احتل المركزين الأول والثاني هما محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، وأحمد شفيق، المرشح القادم من صفوف النظام السابق. ما يعنيه هذا القول أن الإخوان المسلمين لا يحسبون على الكتلة المدنية وليسوا من القوى الثورية. أما أحمد شفيق، فليس هناك، على أية حال، من يجادل في الموقع الذي يقف فيه. وحساب الأصوات والكتل بسيط. فإن اعتبر من صوتوا لأحمد شفيق من أنصار النظام السابق (وحتى أصوات عمرو موسى، الذي لا يريد أحد الحسم في موقعه)، فإن الأصوات التي ذهبت لحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، وإلى جانبهم الأصوات القليلة التي أدليت لصالح خالد علي (وهؤلاء هم من يوصف بمرشحي الكتلة المدنية والثورة)، تفوق الأصوات التي أعطيت لأحمد مرسي. ما بني على هذا المنطق، الذي يتحدث أصحابه بدرجة عالية من اليقين، كان أن بدأت هجمة عالية الوتيرة من الضغوط على المرشح الإخواني، تجلت في سلسلة من الاقتراحات والوثائق والشروط.

عدد من الجماعات الشبابية نشرت وثيقة موجهة إلى محمد مرسي على صفحة ‘كلنا خالد سعيد’ الشهيرة. وتضم الوثيقة جملة من المطالب الواقعية والعقلانية، يبدو أن مرسي وافق عليها جميعاً. كما أعلن أبو الفتوح، بعد لقاء من مرسي، وثيقة أخرى من أربع نقاط، تحمل تصوره لشروط التعاون مع المرشح الإخواني في الجولة الانتخابية الثانية. ولكن ما تصدر الصورة كان لقاء عدد من الشخصيات العامة، ضم أستاذ تاريخ القانون السابق محمد نور فرحات، ونقيب المحامين سامح عاشور، إلى جانب عدد من الأحزاب الصغيرة والشخصيات العامة الأخرى. وبعد أيام قليلة من المداولات، أعلنت مجموعة الأحزاب والشخصيات وثيقة مفصلة، موجهة إلى المرشحين مرسي وشفيق، تتعلق يتصور أصحابها للدولة وسياساتها الرئيسية في المرحلة المقبلة ومؤسسة الرئاسة. بعض ممن يشارك في هذا الجدل والحراك السياسي يطالب مرسي بتشكيل مجلس رئاسي، يتمتع فيه نواب الرئيس بصلاحيات دستورية موازية لصلاحيات الرئيس. بعض آخر طالب بتنازل مرسي عن موقعه لصالح صباحي. وبعض ثالث يقول بضرورة أن يخرج مرسي من السباق، بهدف إلغاء الجولة الثانية، بل والانتخابات الرئاسية بمجملها، والمطالبة بعقد الانتخابات من جديد. جوهر هذا الجدل والحراك السياسي، في النهاية، أن هناك ثمانية ملايين صوت أعطيت لصباحي وأبو الفتوح، لن تصب لصالح مرسي إلا في حال موافقته على شروط من أعطوا لأنفسهم حق الحديث باسم هذه الكتلة المفترضة من أنصار مدنية الدولة والثورة.

بغض النظر عن دستورية وقانونية المطالب والشروط التي تطرح أمام مرسي، فالواضح أن تقسيم المصريين إلى كتلتين مدنية/ ثورية ودينية/ غير ثورية هو المسألة الأهم، وهو الأهم ليس لمصر فحسب، بل ولقراءة السياسة في المجتمعات العربية في مرحلة الثورة والتغيير الماضية في طريقها بلا هوادة. ولعل ما يثير الانتباه في الحالة المصرية، أولاً، أن هذا التقسيم لم يبرز في أعقاب الانتخابات البرلمانية في كانون ثاني/يناير الماضي، عندما انتهت الانتخابات إلى فوز القوى الحزبية إسلامية التوجه بما يقارب ثلاثة أرباع الأصوات وما يماثلها من مقاعد مجلس الشعب المصري. برز الجدل في أعقاب جولة الانتخابات الرئاسية لأن الأصوات التي أدليت لصالح المرشح الإخواني كانت أقل، وبصورة ملموسة، من تلك التي حاز عليها مرشحو حزب الحرية والعدالة الإخواني في الانتخابات البرلمانية. تم بالتالي تجاهل دلالات نتائج الانتخابات البرلمانية، وأخذت نتائج الرئاسية باعتبارها المقياس، والمقياس الوحيد الذي يعتد به. كان الأصح بالتأكيد أن ينظر إلى التباين بين ما جاءت به الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية كمؤشر للحراك السياسي الذي تشهده البلاد وللطبيعة السائلة والمتحركة للساحة السياسية وخيارات المصريين. ولكن ما حدث كان غض النظر عن وعي المصريين السياسي وحساسيتهم الفائقة للمؤشرات والمؤثرات التقليدية والمعروفة في أداء القوى السياسية، باعتبارهم كائنات سياسية من الطراز الأول، وتصنيفهم، من ثم، تصنيفات إيديولوجية مصمتة. وليست هذه نظرة للمصريين قاصرة وحسب، بل ونظرة دونية أيضاً.

الذين أعطوا أصواتهم لصباحي، بالطبع، يمثلون كتلتين تصويتين وليس كتلة واحدة. بين هؤلاء كتلة تخاف الإسلاميين بالفعل أو تقف منهم موقف العداء والشك؛ وهذه كتلة مؤدلجة إلى حد كبير، رأت في صباحي أملاً في صد الإسلاميين عن تسلم مقاليد مؤسسات البلاد السياسية الرئيسية جميعاً. أما الكتلة الثانية، وهي الأكبر، فتضم عموم المصريين، سيما من جموع الفلاحين والعمال وأبناء الطبقات الوسطى الدنيا، التي صوت أغلبها في البرلمانيات لحزب الحرية والعدالة الإخواني أو حزب النور السلفي. وهؤلاء لا يهمهم توجه صباحي المدني وغير المدني؛ بل إن صباحي حرص على ترويج صور له وهو يقوم بالوضوء، استعداداً للصلاة، لتوكيد التزامه الإسلامي وانتمائه للأغلبية المصرية. صوتت هذه الكتلة لصباحي إعجاباً بخطاب العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر وتكافؤ الفرص الذي عبر عنه بكفاءة وجاذبية بالغة، أو لأن آمالهم خابت في أداء الإسلاميين البرلماني. المسألة الأخيرة، على وجه الخصوص، روج لها في وسائل الإعلام بكثافة كبيرة طوال الأسابيع السابقة للانتخابات، بدون أن يكشف لعموم المصريين حجم التشريعات غير المسبوق في التاريخ البرلماني المصري، التي صدرت عن مجلس الشعب خلال الاشهر الثلاثة الأولى من عمره، أو يشرح لها ضعف موقف مجلس الشعب الدستوري في مواجهة السلطة التنفيذية، طالما استمر نظام الحكم على ما هو عليه.

الأصوات التي ذهبت لعبد المنعم أبو الفتوح، من جهة أخرى، تعود في أغلبيتها العظمى لذات الكتلة التصويتية التي وقفت في الانتخابات البرلمانية خلف الحرية والعدالة وحزب الوسط، وحزب النور السلفي (الذي أعلن رسمياً تأييده لأبو الفتوح). كانت الحملة الانتخابية لأبو الفتوح طوال أكثر من عام قد بذلت جهوداً هائلة لتقديمه ممثلاً ومعبراً عن التيار الوطني الجامع، لمن يريدون الحفاظ على هوية ميراث مصر الإسلاميين، ولأصحاب التوجهات غير الإسلامية، وحتى للإقباط. ولكن مناخ التوتر والاستقطاب، والعدد الكبير للمرشحين، حدا من نجاحات هذا المسعى. المؤدلجون من غير الإسلاميين ذهبوا لصباحي أو خالد علي أو حتى عمرو موسى، والصوت القبطي ذهب في أغلبيته لأحمد شفيق. بكلمة أخرى، الخطأ ليس فقط في اعتبار أصوات صباحي كتلة واحدة، ولكن ايضاً في وضع الأصوات التي ذهبت لصباحي وأبو الفتوح وخالد علي في دائرة أيديولوجية حصرية. والخطأ الآخر كان في النظر إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية من زاوية واحدة، وإغفال الفروق السياسية والنفسية وتلك المتعلقة بتقاليد البلاد بين الاثنتين. ويتصل الخطأ الثالث بعدم تقدير التراجع الملموس في نسبة الذين أدلوا بأصواتهم، والذي تجاوز الخمسة ملايين صوت، تعود أغلبها إلى الكتلة المتعاطفة مع القوى السلفية، التي أحجمت عن التصويت بسبب انقسام القيادات السلفية بين دعم مرسي وأبو الفتوح. أما الخطأ الرابع، والذي يشي بتصور مسبق، فيتعلق بتصنيف حزب الحرية والعدالة وكأنه يقف إلى جانب الدولة الدينية، أو أنه يهدد الدولة المصرية المدنية. التقسيم الثاني لأصوات المصريين، المناصرين للثورة وغير المناصرين لها، وما يتبعه من إخراج الكتلة التصويتية لمحمد مرسي من معسكر الثورة، هو تقسيم مشين بالتأكيد؛ ولا يعكس محاولة دعائية من طراز فج وحسب، ولكن محاولة لا تقل فجاجة لإعادة كتابة تاريخ الثورة المصرية. هذا التقسيم، على أية حال، تجلى مبكراً في عملية صناعة صباحي، السابقة على يومي الانتخابات، كمرشح أبرز للثورة، في الوقت الذي كانت حملته الانتخابية توجه سهامها لأبو الفتوح وتصفه بالإخواني المقنع (أو المرشح الإخواني بشرطة، حسب العامية المصرية). ولكن، وعندما أصبح من الضروي توفير مسوغات للتقسيم الأيديولوجي، لم يجد دعاة التقسيم من حرج في ضم صباحي وأبو الفتوح وخالد علي معاً في معسكر الثورة والدولة المدنية. الحقيقة، بالطبع، أن معسكر المساندين للثورة لا يضم الأصوات التي أدليت لمرسي وصباحي وأبو الفتوح وحسب، بل وحتى قطاعاً ملموساً من تلك التي ذهبت لشفيق وعمرو موسى، سواء بسبب الحاجة المادية الملحة أو بدافع البحث عن وهم رجل الدولة القادر على إعادة الاستقرار للبلاد بعد أكثر من عام من الاضطراب والتدهور الاقتصادي.

خلاصة الأمر، أن هناك بالفعل بين المصريين من أعطى صوته على أسس أيديولوجية. ولكن هؤلاء يمثلون أقلية صغيرة، سواء بين من صوتوا لمرسي أو أبو الفتوح أو صباحي، أو حتى لشفيق وموسى. الأغلبية المصرية لم تأخذ الحسابات الأيديولوجية في حسبانها، وصوتت لأسباب سياسية على الأرجح، أو لأسباب عشائرية ونفسية، وربما لحسابات مصالح طبقية. لم يعط المصريون أياً من القوى السياسية بطاقة ضمانات بيضاء؛ بل أن الثورة اندلعت أصلاً لوضع نهاية لمثل هكذا حصانة. والذي صوت للوفد أو الحرية والعدالة اليوم، قد يصوت لحزب آخر غداً. أما تصنيفات المدنية والدينية والثورية وغير الثورة فلابد أنها تعكس صورة مبتكريها أكثر من صورة الشعب المصري. السؤال الآن هو ما إن كان للسياسة، والسياسة فقط، أن تقرر مصير الرئاسة المصرية، أم ستكون هناك قوى وعوامل أخرى خلف القرار. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية