معركة التوكيلات حلقة مهمة لفتح المجال العام وكسر حاجز الخوف والسعي لإحداث زخم يعظم قدرة الناس على تنظيم أنفسهم في تنظيمات تدافع عن مصالحهم، وحصاد هذه المواجهة ورمزها أحمد طنطاوي، لا تحسب فقط بعدد التوكيلات، بل أساسا بإعادة الاعتبار للشارع والتقاليد الديمقراطية، والتفاعلات التي ستنشأ عنها.
وفي كل الأحوال فإن لهذه المعركة ما بعدها وتطرح واجبات كثيرة، على الأخص في الحفاظ على الكتلة التي جذبتها وخاضت فيها بدأب – ورغم الترويع، – محاولات البحث عن توكيل وحقها في المشاركة وهي تثبت للمرة المئة بعد الآلاف أن كل تكتيك يدفع الناس للكنبة يعظم السلبية والعزلة ويقوي القبضة السلطوية والعكس صحيح، كل تكتيك يدفع للاشتباك يعمق حضورهم الإيجابي ويفعل مشاركتهم ومقاومتهم.
وبعد أيام سوف يتم حسم هذه الحلقة، أما بحصول طنطاوي على النسبة المقررة، وأما بإعلان إخفاقه وخروجه من السباق أو انقلاب دراماتيكي في المشهد كله يطيح بسيناريو الانتخابات الآن ويفتح الباب لسيناريوهات جديدة. وفي كل الأحوال، فإن حضور الناس في الشارع وتواصل الزخم لابد من وجهة نظر السلطة، ألا يطول كثيرا. ويلزم قطع الطريق عليه وكذلك فإن عناد السيسي في رفض محاولات الإصلاح ينطوي على مخاطر على نظام الحكم وقد يستدعي الأمر انقلابا أو عملية ضبط لتحجيم السيسي وطنطاوي وفي الأساس الشارع من خلال فترة انتقالية بمشاركة عسكرية-مدنية.
ومن هنا يلزم التفكير في كل الأحوال في بناء وتنظيم هذه الكتلة الجماهيرية التي تصنع مشهدا جديدا الآن وجذبها إلى المحيط الديمقراطي الاجتماعي العام، بأشكال متنوعة من التنظيم وعدم تركها لفراغ تنخدع فيه لمناورات محتملة أو تتحول إلى كتلة فضفاضة تحيط بالزعيم أو شظايا متناثرة تعصف بها الريح. أي أنه مع كل التركيز الآن على موقعة التوكيلات ينبغي التهيؤ من الآن لمرحلة الجهاد الأكبر، لتنظيم هذه الكتلة وحفز حضورها المستمر في الشأن الخاص والعام.
البقاء في قلب المواجهة
أي أن الخيار الأفضل للقوى الديمقراطية في كل الأحوال ان نبقى في قلب المواجهة، حتى لو استبعدوا طنطاوي، ونواصل تطوير الزخم وفتح أفق جديد وخوض جولات أخرى بمشاركته وكل الشرفاء الذين اشتبكوا في حملته لبناء اللجان الشعبية ومساعدة الناس في بناء تنظيماتهم المستقلة. أي أنها ليست في مهمة مؤقتة مرهونة بوجود مرشح ندعمه، وقد نرى في مرحلة من هذا الاشتباك وقرب موعد التصويت أن ندعو المواطنين إلى المقاطعة أو الكتابة في ورقة الترشيح مدتين كفاية، على نحو ما فعل الكثير منا في انتخابات 2012 بكتابة عبارات من نوع الثورة مستمرة أو الثورة لا تختار بين أعدائها مرسي وشفيق.
وطوال هذه المرحلة يلزم أن نقوم بجهد دعائي وأن نبلور رؤيتنا لبرنامجه في القضايا الخلافية، ولا نكتفي بنقد المنافس أو حتى المرشح الذي نميل إليه فيما يسكت عنه وفيما نختلف عليه معه، أو انتظار أن يقوم بدوره، أو يصبح نسخة أخرى منها وله قيمه التي يعتز بها، فالمهم أن نقوم بهذا الدور وليس بالضرورة في مواجهته، أو الصدام معه. مثلا يلزم الدعاية وإبراز موقف من التعددية النقابية ضد التنظيم النقابي المركزي الموحد، وواجب الدولة في دعم الصناعة وتطوير الصناعات المتعثرة، وفي توفير الرعاية الصحية وأيضا ينبغي أن تركز نقاطنا البرنامجية على ضرورة القيام بإجراءات حاسمة في ملف الأقليات وضد التشريعات المقيدة للحريات وفي قضايا المرأة وضد الاتفاقات التي تنتهك سيادة مصر على أرضها وكل مواردها، ونحن ندعمه، لدينا واجبنا الخاص في شرح رسالتنا والحفاظ على كتلتنا. ولبناء هذه الكتلة يلزم التمييز بين مرشح قريب منا ومرشح يتمثل معنا وحتى في حالة مرشح ندعمه، ينبغى أن نبرز موقفنا ونضغط عليه إذا انحرف، وقد شاهدت في البرازيل مظاهرة مليونية ضد لولا وهو الحاكم، ولعجبي عرفت ان المظاهرة كان ينظمها حزب العمال (حزبه) وشعارها (يا لولا لا تذهب لدافوس.. ولا لا توقع اتفاق التجارة مع أمريكا) ولما سألت جونيور سكرتير الحزب وقتها أجاب أن لولا يتعرض للضغط من قوى كثيرة ويلزم أن نضغط عليه أيضا ولا ندعمه بشيك على بياض، موقفنا من لولا نوافقه أحيانا ونراقبه ونفاوضه طول الوقت ونعارضه عند الضرورة. وفي تراثنا تقديس الزعماء وإهمال واجباتنا واستقلالنا لانهم حققوا أمجادا وهكذا كان الحال مع عبد الناصر ونسخ أخرى مصغرة، وكان نتيجتها إضعاف الحركة المستقلة وتدهور الزعامات أنفسهم فدعمهم يتحقق بنقدهم وبحضور قوى مستقلة برؤاها وبدائلها. والرؤية المستقلة والموقف النقدي ليس عملية مؤجلة ومع دعمنا لمقاتل اخترق الحصار، يلزم أن تنظم المعارضة ورشة حول أهم مطالب الناس في محيطها، عمال، وفلاحين، وصيادين، حرفيين، مهنيين، وان تساعد مع القوى الديمقراطية والمجتمعية في بلورة مطالبها من السلطة الجديدة حتى لو كانت السيسي، وان تتلمس طرقا لتنظيمها بقدر ما تحتمل قواها، ومهما يكن حجم الأنوية التي تتشكل هنا وهناك، مع تركيز خاص على القوى التي تمثل عمقا اجتماعيا.
وكل هذا ضروري حتى لا نكرر أخطاءنا ويجب إنجاز مهماتنا ضمن عملية ممتدة ومع إدراك طبيعة كل حلقة مع الانتباه دائما لقضية الوعي والتنظيم المستقل. وحتى لا نكرر أخطائنا، فهناك طريق انفتح وعلينا شغل الفراغ وحماية الكتلة الشعبية والمساحة الديمقراطية والعمل على توسيعها باستمرار.