الانتخابات المغربية بعيون تونسية

حجم الخط
0

سفيان الشّورابي

انفضت الانتخابات التشريعية المغربية التي أعلنت نتائجها منذ أيام قليلة، في مستوي أول وبارز، عن توزيع جديد لتموقع الأحزاب والتنظيمات في صلب المشهد السياسي المغربي. وأفرزت، علي نفس هذا الصعيد، تغيراً في أوراق الفاعلين داخل تلك المنظومة (موقعهم داخل الهرمية الحاكمة)، بشكل واضح، ومثير لجملة من الدلالات. ولا يمكن بطبيعة الحال، تجاوز المحطة الانتخابية التي عاش أطوارها المجتمع المغربي، من دون تحليل جزء من مضمونها، وقِسْم من فعلها الذاتي المُحيل لعدد غير قليل من التفسيرات الأكثر عمقاً، محلياً وخارجياً. ولا مفرّ من تناول تبعات أكيدة ومفروغ منها، لصدي البارومتر السياسي الذي يعكس بالضرورة، أهم الخطوط العامة لمذاهب الرأي العام المغربي السياسية والايديولوجية بشكل اجمالي.

والأساسي في كل ذلك، والذي يمكن أن نعتقد في وجود اجماع حوله، ما للتجربة الديمقراطية المغربية من مساهمة، بشكل أو بآخر، في تصدّع الانطباع الشامل والمعهود، عن تصور متداول ومعقول، لطغيان حالة من الاستبداد والتسلط والدكتاتورية علي مختلف أنحاء العالم العربي (مع بعض الاستثناءات المحدودة). وليشق، ولو جزئيا، نوعاً من تقلص الأمل حول عجز شعوب المنطقة عن التعامل الحر والمنفتح في ظل أنظمة سياسية تمثلها حقيقةً.

ان التراكمات المتسقة مع خيار دمقرطة المغرب الأقصي، لتعتبر مثالا فريداً في محيطها، تفرض علي النخب السياسية العربية، غصبا هذه المرة، الاشتغال فيها لسببين ظاهرين: أولهما، هو تكلس وتعطل واندحار معظم الفرضيات المتداولة الأخري (نهضة شعبية ثورية، مهما كانت الدوافع والمحركات الايديولوجية، لتحقيق البديل الديمقراطي/ ضغط أجنبي ايجابي لفرض حزمة من الاصلاحات لا تمس الجوهر) والتي تثبت بمرور الزمن، عدم قدرتها علي تحقيق أهداف التنمية السياسية؛ الغاية التي تعوز الدول العربية وتقلص من شأن نجاحات اقتصادية أو ثقافية ممكنة. وثانيها، لاشتمال النسخة المغربية المغريَة من الديمقراطية السياسية لغالبية أجزاء البيت السياسي التي تتسم بها بقية الفضاءات الجغرافية المشابهة؛ نظام سياسي كلاسيكي قروسطي، يسار ذو نسخة ليبرالية، مجموعات اسلامية صاعدة رغم موجات القمع التي تعرضت اليها، اطار جغراسياسي مجاور مهتم بالشأن الداخلي الي حدود رسم أهم معالمه، الخ.

ولم تكن النخب السياسية التونسية، بغافلة عن ما ينسج تفاصيله لدي الشقيقة المغربية. فالشعور بمركب نقص، تجاه ما تمر به عدد من الدول التي كانت الي حدود سنوات قريبة تصنّف الي جانب أكثر الأنظمة دموية (موريتانيا، الجزائر)، دفعت عددا من النشطاء والحركتيّين التونسيين الي البحث في سرّ تفوق الجارة، والبحث عن مؤشرات جليّة وواضحة لديها يمكن أن تكون ذلك المفتاح السحري الذي لديه من القدرة أن يلج بنا باب التغيير السياسي الشامل في تونس.

مشاركة اسلاميةكالمتداول علي الدوام في الحالات الشبيهة بالوضعية المغربية، كانت مشاركة أطراف الاسلام السياسي في العملية الديمقراطية والانخراط في مسار الصراع الفكري مع خصوم سياسيين حول موضوعات اجتماعية واقتصادية وغيرها، محط تركيز كبير من لدن المراقبين للشأن في ذلك البلد. فاذا كان السجال حول هذه القضية، في المغرب، قد انتقل الي أطوار متقدمة، تتركز حول موقع الاسلاميين من السلطة التنفيذية، وموقف شق منهم خيّر عدم الانسياق في المسار الديمقراطي، والعلاقة المفترضة بين اسلاميي المغرب واخوانهم في تركيا، الخ. فان الأقلام التونسية حافظت علي نفس زاوية التحليل التي تطرح اشكالية وجود التيارات الاسلامية في حد ذاته في معركة سياسية تشترط التشبع بالروح المدنية. فقد كتب السيد برهان بسيس (الذي يعتبره البعض من الملاحظين كونه يمثل الناطق شبه الرسمي باسم الحكومة التونسية)، في عموده بيومية (الصباح) بأن الاستحقاق الانتخابي المغربي يتخذ أهميته هذه المرة من مناخ التحولات الاقليمية عربياً واسلامياً، تلك التي تؤشر لتصور جديد لمآلات الاصلاح السياسي تبدو الولايات المتحدة الأمريكية من المتحمسين له قائم علي تشريك التيارات الاسلامية القابلة للاندماج السياسي في المنتظم المدني كطريق لتهميش تيارات العنف الجهادي وتعويض هشاشة النخب العلمانية العربية والاسلامية في أن يكون لها قاعدة استناد جماهيري. فمن هذا المنطلق، لا يتجاوز الدور المهندَس لها، والحقيقي للأطراف الاسلامية الناشطة بكثافة في المغرب، ســوي اســـتيعاب amortiement لراديكالية، طبيعية ومنتظرة في بعض من الأحيان عندما يحدث خلل عويص وهيكلي داخل الحياة الاجتماعية لبلد ما، لا غير. ولا يكون، أيضا، حزب العدالة والتنمية الا جهازاً فرعياً تابعاً للادارة الأمريكية، يحمل بطاقة (في مهمة خاصة وسرية)! طبعا، يبقي هذا التصور قاصراً ومحدوداً اذا توقف عند هذا الحدّ، واذا لم يأخذ بعين الاعتبار الضرورة والحاجة المحلية المغربية لحزب ما (أيا كان عنوانه) يمثل الأفكار الاسلامية. والا كيف نفسر سماح النظام الملكي المغربي لطرف يخضع للأجندة الغربية؟ وماذا نفهم من رفض جزء معتبر من الاسلاميين الانضواء في صلبه، وتصريح حسن بناجح، أمين عام شبيبة العدل والاحسان بأن جمعيتهم الدينية لا تدعم أي حزب سياسي مشارك في هذه الانتخابات لأنها ترفض العملية السياسية القائمة في المغرب برمتها؟!

من جهته، يري السيد راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الاسلامية المحظورة، بأن هذه الفترة تتميز، عموما، بهبوب رياح لصالح الاسلاميين (لو أضفنا اليهم فوز حماس في انتخابات فلسطين شهر كانون الثاني (يناير) 2006، والاخوان المسلمين في انتخابات مصر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، والقائمات الاسلامية في انتخابات العراق شهر كانون الاول (ديسمبر) 2006، نكون قد علمنا مبررات هذه النبرة الانتصارية). فقد كتب السيد الغنوشي، قبل أيام من الانتخابات المغربية، أن الطرح الاسلامي وبعض حلفائه من اليسار الذي لم يتأمرك هو البديل الحامل لتلك التطلعات في العدل والحرية والتصدي لقوي الهيمنة الرأسمالية وللتطبيع، وللفساد والاستبداد في الداخل، في تقييمه الاحتفالي لمسار بوادر اكتساح الاسلاميين لقبة البرلمان هناك. وهو ردّ، من طرفه، علي من يحْصر تواجد التيارات الاسلامية في لعب دور البيادق المفتعَلة ومنزوعة حرية القرار، ومعزولة عن واقع اجتماعي وثقافي منخرم الذي يتسم بغياب ادارة أكثر جدية وأقل بيروقراطية وأقل فسادا، مثلما ذكره السيد سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في برنامجه الانتخابي.

واذ لا يخفي السيد الغنوشي، اعجابه بالشكل المغربي للعمل السياسي الاسلامي، عند اعتباره حزب العدالة والتنمية قد استطاع تحديد تصور للاسلام يستلهم من قيم ومقاصد ومبادئ الاسلام وليس من فهم متشدد بل من فهم متجدد منفتح علي العصر ومتطلباته والحرص علي مكاسب الحداثة. فهو سرعان ما ينقلب علي ذلك الموقف، ليكتب في مقالة أخري بان الثابت أن الاسلام وأمته في مسار صاعد تشهد علي ذلك المساجد وساحات الفداء وامتداد الدعوة في العالم وتغلغلها في كل مستويات مجتمعاتنا، بينما مذاهب العلمنة الاستئصالية وأنظمة الطغيان، مع رجحان ميزان القوة لجانبها، مما لا يزال يبطّئ من انحدارها- في وضع انكماش فكري وافلاس روحي وانساني. اتجاه يذكرنا دوماً بالجذور الأصلية للحركة الاسلامية التونسية، وارتباطها بالشحنات الفكرية المعادية لجميع المخالفين سياسياً وفكرياُ.

تجربة ناجحة في العملية الانتخابيةولا يقتصر تطرق التونسيين لانتخابات المغرب علي هذه النقطة. فمبادرة المغربيين للاحتكام الي صندوق الانتخاب، كآلية وحيدة للفصل بين الفرقاء السياسيين، ولاكساب المنتصِر منهم شرعيةً طبيعيةً لادارة شأنهم العام، مسألة تستحق التنويه. فبغض النظر عن النتيجة النهائية أو عدد المشاركين علي أهميتها، الا انه نعتقد أن المغرب الشقيق خاض تجربة ناجحة في العملية الانتخابية بمجملها منذ انطلاق الحملة الانتخابية مرورا بيوم الاقتراع وصولا الي الاعلان عن النتائج النهائية حسبما صرح به الصحافي جمال العرفاوي. اذ أن ما قيل عن بعض عمليات شراء الأصوات، أو عدم مبالاة شرائح كبيرة من الشعب المغربي، تبقي ايحاءات عبثية وعديمة الأثر، لو قارناها بالاختلالات الكارثية التي تشوب العمليات الانتخابية التي تعرفها بعض الأقطار العربية ممن تضطر لتنفيذ مسرحيات مفبرَكة لادامة حكمها. فالسيد العرفاوي أكد علي انه ما يحسب للنظام الحاكم المغربي انه لم يتراجع عن وعوده التي قطعها علي نفسه بالسير قدما في عملية الاصلاح والتي لن تنجح الا عبر انتخابات حرة ونزيهة وسط بيئة اعلامية سليمة ومحترفة. فهل تطول حياة العهد الديمقراطي في المغرب، وتلقي الينا بتجربة تولّد لنا مسرباً من أجل اللحاق بها، أم تنتكس هي الأخري علي غرار ما حصل في دول مجاورة، ونعود جميعاً الي نفس خط البداية؟8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية