قبل كل شيء من المهم التوضيح أن «سيريزا» ليست يسارا متطرفا ولا حزبا معاديا لاوروبا. «سيريزا» هي ائتلاف لاحزاب وحركات اليسار التي انتخبت اليكسيس تسيبارس، الشخصية الكاريزماتية المثابرة، كزعيم لها. إن من استمع إلى خطاب فوزه يخرج بالانطباع أن اليونان بدأت صفحة جديدة في تاريخها، بعد خمس سنوات من التقشف المدمر والمُهين، وهي الآن تتوجه إلى مرحلة جديدة من العلاقات مع اوروبا تستند إلى الثقة والاحترام والتضأمن والمسؤولية. اليسار اليوناني ينادي (ويوافقه جميع اليونانيين في ذلك) إلى أن تُبدي اليونان قدرا من المسؤولية تجاه الدول الاوروبية الغنية والبنوك ووزراء المالية في دول الاتحاد. إن اليونان الجريحة معنية بأن تُدير مفاوضات مع جميع الدول الاوروبية حول وضعها الجديد.
لقد وقع تسيبارس على اتفاق ائتلافي مع الاحزاب اليونانية المستقلة المعارضة للاتحاد الاوروبي، ولكن ناخبيه يعرفون أن الانسحاب من الاتحاد الاوروبي غير وارد في الحسبان، وأن قيادة «سيريزا» لن تحاسب قادة الاتحاد الاوروبي على سلوكهم في السنوات العشرة الماضية، لكنهم يفهمون جيدا المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم بما في ذلك كتلة اليورو.
إن اغلبية رؤساء الاحزاب هم من خريجي الجامعات ومعاهد الابحاث الراقية في اوروبا (تسيبارس نفسه معتمد من قسم الهندسة المدنية وتخطيط المدن من معهد البولوتكنيك رفيع المستوى في أثينا). ولكن، ما العمل، إن معظمهم ذوي آراء اشتراكية واضحة واغلبية نشطاء الحزب هم من جميع فئات المجتمع.
إن ما حدث أمس في اليونان ليس أقل من ثورة، وهو شيء يشبه ما حدث في 26 كانون الاول 1936 عندما تحالفت جميع احزاب اليسار اليونانية ونجحت في تشكيل حكومة ضد القوى الفاشية المتصاعدة في اوروبا. وبعد ثمانية أشهر من ذلك حل الملك الحكومة وأقام دكتاتورية متكساس. ومنذ ذلك الحين تتابعت في حكم اليونان انظمة حكم عسكرية مطلقة ودكتاتورية فاسدة نقلت السلطة من اليسار إلى اليمين وأبقتها دائما في دائرة مغلقة في نفس العائلات المحاطة بأصحاب رؤوس الاموال.
هذا الفساد أنتج في الـ 79 سنة الماضية مأساتان تراجيديتان فظيعتان: الحرب الاهلية بعد الاحتلال النازي ونظام الجوع المرافق له، وحكم الجنرالات بالتعاون مع بريطانيا والولايات المتحدة، الذين دعموا الطغمة العسكرية بذريعة ضرورة منع اليونان من الانضمام إلى الكتلة السوفييتية. ولد السياسيون اليونانيون وفي يد كل منهم ملعقة من الذهب، وقد تم ارسالهم للدراسة في الخارج، وهربوا إلى الحي 16 في باريس في الوقت الذي أرسلت فيه الطغمة العسكرية الأبرياء إلى غياهب السجون، وعادوا إلى السلطة مرة بعد اخرى وحافظوا على هذا النظام ورفعوا مؤيديهم الذين لم يدفعوا أبدا أي ضرائب للدولة.
وحسب أقوال البروفيسور يانيس واروباكس، المرشح لمنصب وزير المالية عن «سيريزا» في مقابلة اجراها أمس مع «ريال نيوز»: «إن هذه الطريقة أضعفت إلى حد كبير القوة الاقتصادية للدولة وسلبتها طاقة الحياة». وأحد المهام الأولية للحكومة الجديدة هي أنها ستضطر إلى مواجهة مسؤولية جباية الضرائب من الطبقة الغنية، ومن مجموعات اخرى مثل الكنيسة التي تملك مالا وعقارات كبيرة.
لقد استيقظت اوروبا أمس على واقع جديد أصابها بالدهشة، فقد انهارت بشكل مفاجيء الاحزاب القديمة مثل حزب باسوك الاشتراكي الديمقراطي اليوناني، واحزاب يسار قديمة اخرى – مع زيادة قوة احزاب اليسار الراديكالي (مقابل يمين معادي وعنصري)، هذه النتائج تُدهش المؤسسة الاوروبية. لكن ما حدث في اليونان هو أمر مهم ويشكل نوعا من التحدي، واذا نجحت «سيريزا» في انقاذ اليونان من الوحل فستكون هذه بشرى جيدة.
إن انتخاب «سيريزا» يُخيف ايضا أنظمة المال الاوروبية التي نجحت في معاقبة اليونانيين الذين لم يروا سنتا واحدا من المليارات المدينة بلادهم بها لبنك «دويتشا». لكن اوروبا يجب عليها أن تفهم أن الفساد السلطوي واليد القاسية للترويكا الاوروبية من الخارج دفعت اليونانيين إلى اليأس. وبالنسبة للمجتمع اليوناني فان انتخاب «سيريزا» لا يعني توجيه ضربة لاوروبا بل قطع لتسلسل السلطات العفنة ورفع للرأس الذي أُهين لفترة طويلة. وهو عبارة عن التطلع إلى اصلاح هذا الواقع المدمر والمطالبة بترميم دولة الرفاه، وبالنسبة لليونانيين فان انتخاب «سيريزا» هو انتخاب للأمل.
هآرتس 28/1/2015
ابيرمان غولان