د. يحيى مصطفى كامل ليست هذه بالمرة الأولى التي يضعنا فيه النظام المصري (شأنه شأن أي نظامٍ عربيٍ آخر…) أمام خيارٍ صعب، فقد عودتنا هذه الأنظمة على الثنائيات الممضة، أحلاها أمر من العلقم من قبيل ‘الانقلاب’ أو ‘الفوضى’ و’الممــــانعة المشفوعة بالقــــمع’ مقابل ‘الحرية النسبية في حضن التبعية’، وقد كتبـــت عن ذلك مراراً مديناً ومتبرماً… إلا أنني أؤكــــد أن الخيار بين شفيق ومرسي الذي الذي بات من شبه المؤكد أنه سيطرح قريــــباً لهو أمرها وآلمها جميعاً وعلى الرغم من كوني راهنت كما راهن الكثيرون غيري على حتمية الإعادة بين مرشحٍ إسلامي وآخر فلولي، فإن ذلك لا ينفي أن ما آل إليه حراك الشعب المصري يثير الحزن والمرارة العميقين… أجل، لم تأتِ هذه النتيجة مفاجئةً أو غير متوقعة ً البتة، ولم يحتج التنبؤ بها إلى ذكاءٍ خارقٍ أو فراسةٍ غير عادية وإنما إلى قدرٍ بسيط من الحيادية والجرأة على مواجهة واقعٍ قبيح تتشكل ملامحه أمامك ببطء دون التشبث بما تسقطه الأماني العذبة الطيبة والأحلام الساذجة من صورةٍ وهميةٍ على ذلك الواقع… فقد كانت كل الدلالات تشير إليها كما مهد لها الطريق ما يزيد على العام من أحداثٍ ومكائد وتفاعلات شكلت مادة وذاكرة الثورة المصرية الوليدة وكنا جميعاً شهوداً عليها. وبعيداً عن القنوط والاستسلام لليأس والحزن (على وفرة المبررات) أو المفاخرة الفارغة بتساؤلاتٍ لا تخلو من معنى الاتهام كأن أقول ‘ألم أقل لكم أن الثورة سلبت وترهلت؟’ فإنه من المفيد، بل من الواجب علينا طرح العديد من التساؤلات عن الكثير من المفاهيم بالإضافة إلى تقييم أحداث تلك الفترة المنصرمة من عمر الثورة وتحديداً التجربة ‘الانتخابية’ كونها مليئة بالمغازي والدروس والعبر الإيجابية على الرغم من طغيان النتيجة المحبطة الماثلة أمام الجميع. بدايةً يتعين علينا طرح التساؤل حول مفهوم ‘ الثورة’ وإعادة تقييم الكيفية التي تم تداوله بها حيث إني لأزعم أن الخلط فيه تسبب في سلسلةٍ من الأخطاء أوصلتنا إلى ما نحن فيه من انتكاسةٍ (أجل انتكاسة دون أدنى مبالغة) خطيرة… لا أذكر مَن القائل من كبار الثوريين بأن الثورة ليست تطريزاً او عملاً فنياً (لعله لينين أو ماو تسي تونج) وبالطبع فليس المقصود من وراء ذلك أن تكون دمويةً بالضرورة وإنما هو تأكيدٌ على كونها صراعاً شاقاً وطويلاً… و على ذلك فهي إذ تتطور تستغرق وقتاً طويلاً يقاس بالسنين وقد يتشكل مسارها في فصولٍ وحلقاتٍ متتابعة، ولكي يسمو حراكٌ ما إلى مرتبة الثورة بجلالها وعظمتها ولا يتعثر فيضحي محض انتفاضة أو ‘هوجة’ يتوجب أن يحدث قطيعةً صارمةً مع الماضي ويقوم ببناء مجتمعٍ جديدٍ ذي بنيةٍ وتوازناتٍ طبقيةٍ جديدة مع ما يتناسب مع ذلك من ثقلٍ اقتصادي، ولن نجد مثالاً أدل على ذلك من قانون الإصلاح الزراعي الذي شرعته ثورة 23 يوليو وشكل صدوره هدماً لطبقة ملاك الأراضي الكبار في مصر وضرباً لجذرهم الاقتصادي… وغنيٌ عن الذكر أن شيئاً من ذلك لم يحدث في مصر منذ تفجر الحراك الثوري حتى الآن، فالمصالح والامتيازات الاقتصادية الكبرى، تلك التي تشكلت ونمت في ظل تفريط شبكة التسهيلات والحماية النهبية لنظام مبارك، مازالت قائمة على حالها لم تمس، والمنظومة الأمنية مازالت متماسكة فضلاً عن كون أفرادها لم يحاسبوا على قمعهم وإفسادهم، والفلول (وعلى رأسهم أحمد شفيق) لا يكتفون بالانتشار في كل مكان كائدين متآمرين عابثين بمصائر الناس ومصير الثورة وحسب وإنما ها هم يترشح اثنان منهم لمنصب الرئاسة ويكاد أن يفوز أحدهما به… لقد كان من السذاجة المفرطة تصور أن ثمانية عشر يوماً تكفي لأن تكون هي كل الثورة وأنها ستجتث الأربعة العقود الماضية هكذا بكل بساطة، والحقيقة أن المسؤولية عن سوء الفهم والخلط ذاك إنما تقع على عاتق المثقفين والكتاب إما عن حسن نية وجهل في أفضل الأحوال وإما لأغراضٍ خبيثة تهدف إلى تحجيم الثورة والحيلولة دون تطورها.. لا أبالغ مطلقاً إذ أؤكد أن ذلك الخطأ شكل الأساس لسلسلة الأخطاء والانكسارات التي لحقت بالثورة، إذ لما تم حصر مفهوم الثورة في اللحظة اليتيمة التي تمت فيها الإطاحة بمبارك ورموز عهده كأوراقٍ ميتةٍ تثقل هامة النظام مهد ذلك الطريق أمام الثقة المفرطة والغبية في قادة المؤسسة العسكرية دون أدنى إدراك لطبيعة تكوينهم ووضعهم الملتبــــس من الثورة ودورهم… أجل، أدى ذلك الفهم الخاطئ لمعنى الثورة إلى عدم إدراك الحقيقة الصارخة المتجسدة في كون المؤسسة العسكرية هي الرافعة التي ستقيل النظام ومنظومته الأمنية من عــــثرتهما وتطلق يديهما لإعادة إنتاج النظام بصورة تتلاءم والمرحلة أو بالأدق ترميم النظام… لم تعد الثورة عمليةً حيةً تنمو وتتطور وتطهيراً لجهاز الدولة وإعادة بناء وإنما حدث تاريخي تم وانتهى، وفي مؤامرةٍ باتت مكشوفةً تماماً الآن تم تحميل الثورة تبعات كل الفساد والفوضى والانفلات الأمني المتعمد الذي ساد الساحة طيلة الشهور الماضية… مما يقودنا إلى النقطة الأكثر محوريةً ألا وهي أن الانتخابات الحرة (والتي لن أطعن في نزاهتها من الناحية الإجرائية) لم تكن حرةً تماماً… لقد كانت أسيرة الخوف ونقصان ثورةٍ لم تكتمل ولم تجهز على النظام القديم… أسيرة جحيم انعدام الأمان والفوضى التي أطلقها النظام على الشعب لتكويه بنارها… أسيرة عملية تشويه ممنهجة على أيدي الأمن وإعلامٍ منحط… أسيرة تقاليد ومفاهيم بالية تراكمت عبر ما يزيد على الثلاثة عقود من الكذب والإفقار اللذين لم تزحهما الثورة بعد… لكنني لست متشائماً… يجوز أنني أشعر بالغيظ والقرف من هذه النتيجة إلا أنني أرى الجانب الإيجــــابي في الأمور، إذ أنني على قناعةٍ تامة بأن الشعوب تتعــــلم بالتجربة والخطأ، خاصةً في حالة شعبٍ حديث العهد بالحرية وتحمل مسؤولية حكم نفسه، كما أنني أرى أن هذه الانتخابات على علاتها تكشف لنا بشكلٍ أصدق من أي وقتٍ مضى طبيعة مجتـــمعنا وإشكالياته كما لم نعرفه من قبل؛ هي نوعٌ من استطلاع الرأي لم يكن من الممكن إجراءه في الأزمنة الخوالي يكشف لنا مزاج والأنـــماط الانتــــخابية لشرائح وقطاعات شعبنا وكيفية تعاملها مع مؤثراتٍ متباينة من قبيل الإعلام والشائعات، كما أنهل لم تخل من مفاجآتٍ سارة من قبيل حصول مرشح كحمدين صباحي على نسبة عالية من الأصوات.
بصراحةٍ شديدة أنا لست على استعدادٍ البتة لتأبين ثورتنا بعد على الرغم من إدراكي لما حل بها من تعثرٍ وترهل، وذلك لعلمي اليقيني أن كل ما مر لا يعدو أن يكون حلقةً من حلقات الثورة وأن ما تكسر وتشظى من هيبة النظام وصورته بإسقاط مبارك ورموز حكمه وظهورهم في قفص الاتهام من المستحيل ترميمه مهما بذل النظام من الجهد ومهما مارس من القمع.. ليس من ثورةٍ في التاريخ لم تُحارب ولم تعرف الانتكاسات، إلا أن الثورات تستمر وكذلك الثورة المصرية ستستمر.’ كاتب مصري