الانتخابات والإسلاميون
محمد كريشانالانتخابات والإسلاميونانتخابات البحرين الأخيرة لم تفعل سوي تكريس قاعدة أثبتتها تجارب عربية سابقة وستحافظ عليها التجارب اللاحقة علي ما يبدو: ما من انتخابات حرة وشفافة جرت في البلاد العربية وأعلنت نتائجها كما هي دون تزوير إلا وفاز فيها الإسلاميون بغض النظر عن تلويناتهم السياسية والمذهبية وأي حديث آخر عن درجة تشددهم أو اعتدالهم أو طبيعة ارتباطاتهم إن كانت الإقليمية مع دول الجوار أو التنظيمية الإسلامية العالمية، حدث هذا في العراق وفلسطين، أما في تلك الانتخابات التي شابتها علات هنا أو هناك فلم تخل النتائج الملفتة للإسلاميين وهو ما حدث في الأردن والمغرب واليمن ومصر والكويت.لو عدنا إلي أول ما سجل في هذا الاتجاه لذكرنا بالتأكيد انتخابات الجزائر البرلمانية مطلع عام 1991 والتي فاز في دورتها الأولي آنذاك مرشحو الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المنحلة حاليا) قبل أن يتدخل الجيش ويلغي الدورة الثانية وينقلب علي كل ما جري مرة واحدة مما أدخل البلاد في عشرية من الدماء لم تخرج منها إلا مؤخرا بعد خسائر باهظة. لقد كانت تلك محطة حاسمة إلي أبعد حد في كل ما جري لاحقا إذ ان إجهاض التجربة، بغض النظر عن أي تقييمات إيجابية أو سلبية تتعلق بطبيعة الحركة الإسلامية في الجزائر، قد حرم الجميع من تجربة الوقوف علي محاسبة الإسلاميين علي أدائهم في مؤسسات الحكم أي أننا لم نحظ بفرصة متابعة كيف كان يمكن للقواعد الشعبية التي أتت بهم أن تقوم فيما بعد جودة عملهم ونجاعته وبالتالي معرفة ما إذا كانت ستعطيهم تفويضا جديدا في أية انتخابات مقبلة أم لا، إذا استبعدنا طبعا أن هؤلاء الإسلاميين أنفسهم قد لا يسمحون بانتخابات حرة في ظل حكمهم وهو أمر له خلاصاته هو الآخر إذا ما حدث. صورة الضحية التي اقترنت بالإسلامي الذي قبل باللعبة الديمقراطية فإذا بها لا تقبل به بدأت من هنا، ثم تكررت بعد سنة في تونس في سياق مختلف، في حين أن هذه الصورة كان يمكن أن تكون العكس تماما لو أن الناس جربت الإسلاميين في الحكم فوقفت إما علي نجاحات محدودة أو علي إخفاقات وخيبات لم يكن يتوقعونها، وبالتالي كان يمكن أن يتحول جمهور الغاضبين الذين صوتوا لهم إلي جمهور غاضب عليهم أيضا، وكل ذلك عن طريق صناديق الاقتراع واحترام رأي الشعب دون وصاية أو تزييف. وهنا تجدر الإشارة إلي ضرورة استبعاد تجربة كل من السعودية والسودان عند تقويم أداء الإسلاميين في الحكم لأن لكل من التجربتين خصوصية مختلفة وإن اشتركتا في نقطة واحدة هي أن كلتيهما لم تأت به إرادة الناخبين في انتخابات حرة وبالتالي لا معني لمعاقبتهم أو مكافأتهم في انتخابات جديدة سواء جرت فعــلا أم لا. وإذا ما أضفنا لما سبق أن أداء الحكومات العربية طوال السنوات الماضية وما اتسم به من استبداد وقمع وفساد ومحسوبية ورهن للقرار الوطني وتعثر مذل في الخيار السلمي مع الإسرائيليين قد راكم غضب الناس لمصلحة القوي الأبرز في المعارضة، وهي بلا شك من الإسلاميين، معطوف عليها ما بدا من تكالب أمريكي علي كل ما له صلة بالعرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وما أعقبه من موجات تدين واسعة في أكثر من بلد، كل ذلك صب لمصلحة أناس لمس الناس فيهم نظافة يد شخصية واستقامة فصوتوا لهم بكثافة نقمة علي الواقع وتوسما للخير فيهم، دون أن نلتفت بتمعن إلي أن ذلك لا يعني بالضرورة وبشكل آلي موافقة كاملة ولا غبار عليها لأطروحات الإسلاميين دفعة واحدة في السياسة والدين وتصوراتهم لطبيعة الحريات العامة والخاصة، وإن كانت الأمانة تقتضي الاعتراف أن نسبة كبيرة قد يعني تصويتها لهؤلاء أن الأمر فعلا كذلك وخاصة في دول المشرق العربي أو في تلك الدول التي عرفت عموما بأنها محافظة. نحن الآن أمام مرحلة تفترض محاسبة يقظة للإسلاميين الذين أتت بهم صناديق الاقتراع في العراق وفلسطين والبحرين ـ لكن دون أي خلط بينهم فلكل تجربة ظروفها وسياقهاـ ففي ضوء أدائهم سيتحدد كثيرا ما إذا كانوا سيعودون ثانية لنفس النتائج في انتخابات مقبلة. إنها مرحلة تبدو أن لا مفر من معايشتها، وربما مكابدتها في بعض الحالات، حتي تتبين الحقائق علي الأرض دون دعاية أو تشويه فيعطي كل فرصته كاملة علي أن يبقي الفيصل دائما الانتخابات النزيهة الحرة في مواعيدها. وبالمناسبة، هذا هو السبيل الوحيد للحد مما استمرأت اللجوء إليه بعض القيادات العربية التي عمدت، مستفيدة من مناخ دولي يناسبها، إلي تخويف الناس من بدائل مجهولة لتبرير استمرارها في دفة الحكم وبالتالي استمرارها في القمع وتوأمه الفساد.9