بسطَت الظّلمة أجنحتها وبدت سيطرتها واضحة على ضوء القمر الّذي حاول التّملّص مرارًا وتكرارًا في معركة فضائيّة أشبه بمعارك الكفوف المرتعشة وكفوف الإسمنت أو العين الّتي تناطح المخرز، نهاري لم يكن مثقلًا على غير عادته فتساءلت أيكون القَدر سخيًا معي إلى هذه الدّرجة وقد كان نهار حيفا ينبضُ بالحياة الّتي أحلم؟! آخر محطات نهاري الجامعيّ كانت في المكتبة الّتي قصدتها لاستعير كتابًا بعينه حملته بشغف وترّقب، ولا ادري كيف امتدّت يدي لأقبض على رواية كانت تستقر على الرّفّ القريب أفزعني عنوانها بقدر ما جذبني، على عجالة من أمري أنهيت الإجراءات البيروقراطيّة لاستعارة ما أريد مغادرة باتجاه سكني والمعركة ما زالت في بداياتها، لا أدري لماذا تأفّفت كثيرًا وأنا أنتظر المصعد الكهربائيّ وأنا على دراية تامّة بتأخره ولم تكن فترة انتظاري له طويلة نسبيًا فضغطت بعصبيّة على أزراره وأخطأت ولا ادري لماذا. ولم أرد التّحيّة على صديقتي الّتي لم أعلم أصلًا أنّها خاطبتني في الطّابق السّابع إلّا لمّا أرسلتْ إليّ رسالة نصيّة على هاتفي معاتبة إياي فقرأت رسالتها في الطّابق الأوّل فتيقنت عندها بأنّ القدر لن يبقى سخيًا معي للأبد.
فتابعت طريقي الّتي قطعها دخولي إلى الدّكان الذي مررت من جانبه فتذكّرت بعض الحاجيات الّتي يجب علي أن اشتريها وكان طابور الانتظار هناك طويلًا والكتب الّتي أحملها ثقيلة لأنّ حقيبتي ببساطة لا تتسع لها، كان الجميع يتبادل التّهانيّ بمناسبة رأس السّنة الجديدة، ضحكت في سرّي فهي نفس الأماني الّتي نتمتم بها كلّ عام وما من جديد، والمعركة الّتي تدور رحاها في الأفق ما زالت قائمة أرقبها أنا بشغف وترقب ودقات قلبي تتسارع كلما تذكّرت عنوان الرّواية الّتي أحملها، جاء دوري وبصمت مطبق وإيماءات أنهيت، وخرجت متابعة الطّريق إلى أن دخلت السّكن الطّلابيّ حيث أسكن فالتزمت غرفتي وصمتي، وجُلّ الفسبكات على موقع التّواصل الاجتماعيّ ‘الفيسبوك’ اقتصرت على الأمنيات والأحلام وانتهاء العام، وما زلت أشعر بسفك الدّماء في معركة الفضاء والقَمر يستصرخ بقايا ضياء مُغتصب والأشجار تحفّها الرّياح بغضب، فأفتح الرّواية وأقفلها بسرعة فعنوانها كان: ‘في انتظار مجيء الرّجولة’. هل سنبقى ننتظر الرّجولة بشتى معانيها ودلالاتها لتبقى أمنية تولد مع طفولة مَصلوبة في أزقة وطن قد يختنق ربيعه في أيّ لحظة وقد استعرت براثن الظّلم لتعتدي على ترانيم قمر يتساءل أينذر الشّرق من أمشاجه مُضغة تصير رجلًا؟!
رُقيّة سَعيد عَدَوي – فلسطين