لندن-“القدس العربي”:
لعل أهم الأحداث التي شغلت مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي العرب في عام 2019 كانت لجوء المواطنين في دول عربية عدة إلى الشارع للانتفاضة على الأنظمة الحاكمة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة.
السودان
أبرز حدث في العام كان إطاحة الشعب السوداني بحكم عمر البشير، بعد انتفاضة شعبية بدأت في الشهر الأخير من عام 2018 لتستمر أشهر حتى إعلان خلع البشير في نيسان/أبريل 2019. واندلعت “ثورة أكتوبر” في البداية، احتجاجاً على فض قوات الأمن السودانية ندوة بعنوان “المعالجة الدستورية لمشكلة جنوب السودان” انتقد خلالها طلاب جامعة الخرطوم سياسات الحكومة في الجنوب، وانتهت باعتقال العشرات وسقوط الكثيرين بين جريح وقتيل.
ورغم أن “ثورة أكتوبر” لم تحقق مطلبها الأساسي المتمثل في حل أزمة الجنوب الذي انفصل في 2011 إلا أن مبادئها وشعاراتها لا تزال راسخة في الوجدان الشعبي السوداني، وذلك ما أثبته الحراك الأخير.
وتميزت مظاهرات السودان بتنوع وتعدد شعاراتها غير أن شعار “تسقط يا كيزان” كان الأكثر تداولاً. كما نتج عن الانتفاضة السودانية إبداع فني تجلى في هتافات وأغان سياسية وثورية انتشرت بشدة في مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها:
“تسقط بس” شعار ترجم مطالب السودانيين وعبّر عن أحلامهم. وانتشر الهتاف ليصبح جزءا أساسيا من الأغاني الثورية، إذ ظهر في أغان قصيرة تلهب حماس المحتجين في الميادين. وكانت مروة جبريل، الناشطة السودانية، هي من ابتكر الهتاف، لم تتوقع أن يتحول إلى نشيد للاحتجاجات، وقامت بتحويل الشعار إلى هتاف يقول: “حكومة الجوع .. تسقط بس، حكومة العسكر .. وتسقط تسقط بس … وتسقط تسقط يا كيزان”.
وشهد الحراك في بدايته ولادة أعمال ثورية جديدة وأنماط موسيقية مختلفة، من بينها أغنية الراب “نحن مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا”. واكتسبت هذه الأغنية شهرة واسعة في أوساط الشباب. كما نشرت الفنانة السودانية نانسي عجاج أغنية “لو خفنا راح” نعت فيها الأطفال الذين لقوا حتفهم غرقاً في النيل، وهم في طريقهم إلى المدارس. ثم قدّمت الأغنية صورة عامة عن الوضع في السودان بعد سنوات من انفصال الجنوب وحالة الاحتقان في الشارع. وتردد المغنية: “النيل أصيل معنى وصفات فضح السكات … عمت القلوب الفي الشمال لما الجنوب خلانا فات !! لو خوفنا راح وطريقنا مرصوف بالثبات ومشينا للحرية صاح”.
كما نفض الحراك الغبار عن عدد من القصائد الثورية القديمة، كقصيدة “أصبح الصبح” للشاعر محمد الفيتوري وحولها الموسيقار محمد وردي إلى أغنية. وتقول القصيدة: “أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق، وإذا الفجر جناحان يرفان عليك وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي والذي شد وثاقا لوثاق”. وتعد أغنية “أصبح الصبح” باكورة أغاني “ثورة أكتوبر 1964” التي أطاحت بحكومة الجنرال إبراهيم عبود.
وكانت بمثابة ملحمة جسّدت تكاتف الشعب السوداني بمختلف أعراقه وأديانه لإسقاط حكم الجنرال في توجه يخالف ما كان سائدا في المنطقة التي شهدت وقتها ثورات قادها الجيش.
الجزائر: “يتنحو قاع“
أما في الجزائر، لم يكتف المحتجون باستقالة الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذين رفعوا شعار “يتنحو قاع” وحولوه إلى وسم يتم استخدامه ضد أي مسؤول محسوب على نظام الحكم الذي ثاروا ضده. ويجسد الشعار مطلب المحتجين بإسقاط نظام “بوتفليقة” بالكامل من القمة وحتى القاع.
ولكن بطبيعة الحال، اتصلت معظم الكلمات التي تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر، خلال عام 2019 بـ”بوتفليقة” الذي استقال من منصب الرئاسة في 2 نيسان/ابريل.
وتصدر وسم “لا للعهدة الخامسة” قوائم المواضيع الأكثر تداولًا في الجزائر لأسابيع متواصلة قبل أن يحل مكانه وسم يحمل اسم رئيس أركان الجيش الجزائري قايد صالح الذي توفي لاحقاً. وتمسك صالح بإجراء انتخابات رئاسية لاختيار خلف بوتفليقة في 12 كانون الأول/ديسمبر. لكن ذلك قوبل برفض من قطاع كبير بالشارع الجزائري الذي استمر في الخروج في مظاهرات. وأعلن جزائريون في وسائل التواصل الاجتماعي عن مقاطعتهم للانتخابات وللشخصيات التي برزت على الساحة بعد استقالة بوتفليقة من خلال وسم “يتنحو قاع”.
لبنان: “كلن يعني كلن” و”مش دافعين“
أما في لبنان، فلم ينتظر رئيس الحكومة، سعد الحريري سوى 13 يوماً من الاحتجاجات، حتى قدّم استقالته، وانطلقت الطبقة الحاكمة في دوامة من الأسماء المحتملة لرؤساء حكومة، حتى وقع الاختيار على وزير التعليم السابق، حسان دياب، الذي لا يحظى بشعبية لدى الطائفة السنية، كما لا يحظى بثقة المحتجين.
وبحكم التدهور الاقتصادي الشديد، وغياب الحلول العملية لإنقاذ البلاد، لم يكتف المحتجون باستقالة الحريري، بل أرادوا استهداف الطبقة الحاكمة بأكملها، وذلك إضافة إلى حاكم مصرف لبنان، وطبقة المصرفيين. وعبّر شعار “كلن يعني كلن” عن هذه المطالب.
ومن بين الأسماء التي برزت في الاحتجاجات، وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إذ ظهر اسمه في عدة وسوم تناولت تصريحات وتغريدات له عدها البعض “عنصرية”.
ولباسيل سوابق في التصريحات العدائية للعمالة الأجنبية في بلاده كان أبرزها حديثه عن “التفوق الجيني اللبناني”. وفي أكثر من مناسبة هاجم اللاجئين السوريين والفلسطينيين، مدعيا أنهم أرهقوا بلاده اقتصاديا.
وما زالت الاحتجاجات اللبنانية مستمرة، وأحدث أنواعها الذي يحاول تنفيذه اللبنانيون هو حملة عصيان مدني تحت شعار “مش دافعين” وتدعو لعدم دفع رسوم الخدمات والضرائب والصكوك للمصارف. وتهدف الحملة إلى حث الدولة على تنفيذ مطالب الاحتجاجات التي انطلقت في 17 تشرين الأول/اكتوبر الماضي. وبرّر مغردون امتناعهم عن دفع الفواتير بأنه إجراء “عادل” في ظل “عدم امتلاك اللبنانيين لأموالهم بالأصل” مشيرين إلى “فساد الدولة” وتعذر سحب الأموال من المصارف. كما طالب كثيرون بالحصول على مستحقاتهم من الأموال قبل مطالبتهم بدفع الضرائب، بالإضافة إلى تخفيف أرباح المصارف، التي يرى محتجون أنها مكون أساسي في منظومة الفساد.
وشارك العديد من المغردين في الحملة صوراً شخصية وهم يحملون لافتات تدعو للعصيان وتطالب بـ “محاسبة الفاسدين”.
وانتشرت في الآونة الأخيرة مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي من داخل فروع المصارف، يظهر فيها مواطنون يعترضون على قرارات البنوك.
العراق: “شلع قلع“
وفي العراق، انتشر هتاف “شلع قلع” الذي يطالب بخلع منظومة الحكم بأكملها خلال الاحتجاجات التي انطلقت مطلع تشرين الأول/أكتوبر، والتي أطاحت حتى الآن، بحكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي تولي منصبه في تشرين الأول/أكتوبر عام 2018.
وتشير الناشطة وداد حمادي أن شعار “شلع قلع” ليس بجديد، إذ أنه استخدم للمرة الأولى في تظاهرات أنصار مقتدى الصدر خلال تظاهرات ضد الفساد عام 2015
وأكدت وداد، لـ”بي بي سي” أن بعض التيارات “المدنية والليبرالية والعلمانية” تتجنب استخدام هذا الشعار خوفاً من أن يتم حسبانها على تيارات مقربة من الصدر، رغم الاتفاق على معناه وضرورة “تطهير البلاد بالكامل من الفساد، فضلا عن محاسبة كل من تورط فيه”. وأضافت أن هذا الشعار يشمل كل من شارك في العملية السياسية التي قادت البلاد إلى هذه الأوضاع “المزرية” بلا استثناء، فضلا عن ضرورة السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية والاهتمام بالبني التحتية وتحسين الخدمات وتحقيق الأمن والاستقرار.
انتحار سعوديات
لعل أحد أكثر الأحداث التي شغلت المغردين السعوديين هي قصة انتحار ثلاث أخوات سعوديات في محافظة وادي الدواسر. وتضاربت أوجه النظر حيال الأسباب التي أدت بتلك الفتيات إلى الانتحار، وانتشر حينها مقطع صوتي لشخص يروي قصة انتحار الأخوات الثلاث، قائلاً إنهن في العشرينات من عمرهن، وقد دخلت عليهن والدتهن في الفجر لإيقاظهن للصلاة، لتتفاجأ بوجودهن مشنوقات ومفارقات الحياة. وقد أرجع السبب وقتها إلى لعبة “الببجي”. ورفض البعض نظرية “الببجي” وطالبوا السلطات السعودية بفتح تحقيق للوصول إلى “السبب الحقيقي وراء الانتحار” ولكن السلطات السعودية لم تعلق على المسألة، كما لم يصدر أي بيان رسمي عن حادثة الانتحار للتأكد من صحة الأخبار التي تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة خلال تلك الفترة. وفي كل عام، ينهي نحو 800 ألف شخص حياتهم حسب منظمة الصحة العالمية، هذا فضلا عن الكثيرين ممن يحاولون الانتحار. وينجون وتمثل كل حالة انتحار مأساة تؤثر على الأسر والمجتمعات والبلدان بما تحدثه من آثار طويلة الأمد على من تركوهم وراءهم.
وحسب المنظمة فإن الانتحار يحدث في مختلف مراحل العمر، وقد سجل ثاني أهم سبب للوفيات بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً على الصعيد العالمي في عام 2016.
وشهدت الأشهر الأخيرة من 2019 حوادث انتحار في كل من مصر ولبنان والمغرب، وهو ما جدد النقاش حول أسباب تنامي تلك الحوادث وكيفية تعامل المجتمع معها.
ذباب مناصر للسعودية
أوقف موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” شبكة تضم عددا كبيرا من “الروبوتات الإلكترونية” أو كما تسمى بلغة وسائل التواصل الاجتماعي، الذباب الإلكتروني، قامت بالدفاع عن السعودية في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا. قدمت حينها شبكة “إن بي سي” الأمريكية لـ”تويتر” دلائل علمية جمعها الباحث جوش راسل، تفيد بأن السعودية استخدمت هذه الحسابات الوهمية بهدف “تبييض” صورتها ونشر المئات من التغريدات الدعائية لها. وكانت جميع التغريدات بالصيغة نفسها وتم نشرها في الوقت نفسه على موقع التواصل. وقال الباحث إن طريقة عمل هذه الحسابات أتاحت للذي أنشأها أن يتهرب من رقابة “تويتر” إذ “كانوا يبثون المحتوى نفسه بالتسلسل والوقت نفسه، لكن توقيت نشر تغريداتهم لم تكن عشوائية بل كانوا يعرفون بالضبط متى ينشرونها”. وأضاف أن الهدف الأساسي من هذه التغريدات هو خلق رأي عام موجّه من خلال نشر آلاف التغريدات حول موضوع قضية قتل خاشقجي، وتصوير التطوّرات التي حصلت في القضية بأنها حملة مشبوهة تستهدف السعودية وقيادتها. وأظهرت عملية الرصد التي أجراها راسل، أن هذه الروبوتات، أو الذباب الإلكتروني، غرّدت بشكل مكثّف على وسوم وصلت قائمة الأكثر تداولا حول العالم، مثل وسم #كلنا_ثقة_في_محمد_بن_سلمان الذي وصل إلى 250 ألف تغريدة، و#إلغاء_متابعة_أعداء_الوطن الذي وصل إلى 100 ألف تغريدة أغلبها على شكل إعادة تغريد (ريتويت) والذي يعتبر مؤشرا للنشاط الوهمي.
إغلاق تويتر حسابات عائدة لـ”لمنار” و”شبكة القدس” و”حماس“
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي، في تشرين الأول/أكتوبر، بين معارض ومناصر لقرار موقع تويتر، إغلاق جميع حسابات قناة “المنار” التابعة لحزب الله اللبناني و”شبكة قدس الإخبارية” الفلسطينية، إضافة إلى حسابات حركة حماس الرسمية. وقالت محطة “المنار” في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني إن “تويتر قامت بحظر معظم الصفحات الخاصة بقناة المنار عن منصتها وذلك من دون أي إنذار مسبق”. أما شبكة “قدس” الإخبارية فقالت إن “هذه الحملة تأتي تزامناً مع سلسلة من الملاحقات التي يتعرض لها المحتوى الفلسطيني”. وأوضح حينها المتحدث الرسمي باسم تويتر إن الشركة مستمرة في سياستها القائمة على مبدأ “لا مكان في تويتر للمنظمات الإرهابية غير القانونية وللتطرف العنيف”.
وأثار إغلاق صفحات “المنار” و”شبكة قدس” على موقع “تويتر” عاصفة من الانتقادات للشركة التي يراها كثيرون “آخر المنصات التي تتقبل كل الآراء”. وقالت حينها الإعلامية اللبنانية، ديانا مقلد، إن “تعليق حسابات “المنار” و”القدس” على تويتر أمر خطير ويشي بازدواجية المعايير وحتماً يؤثر على حرية المعلومات.” وغردت لانا مدور متسائلة: “هل انتهى عصر الحرية الذي أتت به وسائل التواصل الاجتماعي، للشعوب التي أُخرست قضاياها وشوّهتها وسائل الإعلام التقليدية؟” وأضافت أن “البحث عن بدائل أصبح ضرورة.”
وجدير بالذكر أن نواباً في مجلس الشيوخ الأمريكي كانوا قد أمهلوا جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة تويتر، حتى الأول من تشرين الثاني/نوفمبر لإزالة جميع المحتويات التابعة لـ “منظمات إرهابية” والأشخاص المرتبطين بها.
جرائم “الشرف“
وأخيراً لا يمكن المرور بأهم أحداث تفاعل معها العرب على مواقع التواصل من دون التحدث عن جرائم “الشرف” المتعددة التي ارتكبت هذا العام بحق نساء على أيدي أفراد عائلاتهن، ولا سيما الجريمة التي أشعلت غضباً في جميع أنحاء العالم العربي، قتل إسراء غريّب، الشابة الفلسطينية (21 عاما) التي ماتت في المستشفى آب/اغسطس الماضي، بعد أن أبرحت ضرباً من قبل أخوتها لتصويرها فيديو صغير على تطبيق سناب شات وهي مع خطبيها في مطعم. واختلفت الروايات حول سبب قتلها حتى أن رجال العائلة قالوا إنه كان يسكنها جن. وقام أصدقاء إسراء، إلى جانب ناشطين بحملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم “كلنا إسراء غريب”. واهتم بالقضية الإعلام العربي والمشاهير، في حال غير مسبوق لهكذا أنواع من الجرائم التي كثيراً ما تحصل. وتطرقت للموضوع برامج تلفزيونية ومنشورات على المواقع باعتبار أن وفاتها كانت ناجمة عن عملية قتل عائلية بداعي “الدفاع عن الشرف” ما دفع برئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، للقول: “إن قضية إسراء غريب أصبحت قضية مجتمع، نستشعر نبض الشارع تجاهها”.