الناصرة- “القدس العربي”:
تستعيد مؤسسة الدراسات الفلسطينية رواية الانتفاضة الثانية في ذكراها الواحدة والعشرين وتتوقف عند عواملها العميقة المتراكمة وتتبع آثارها على الصراع وعلى الساحة الفلسطينية.
وتقول المؤسسة إنه في 28 أيلول/سبتمبر 2000، وبعد إخفاق مفاوضات الوضع النهائي للمناطق الفلسطينية المحتلة التي جرت في كامب ديفيد في تموز/يوليو من ذلك العام بين رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، قام أريئيل شارون زعيم حزب الليكود بزيارة استفزازية إلى باحات المسجد الأقصى، أشعلت انتفاضة واسعة عُرفت باسم انتفاضة الأقصى، واستمرت عدة سنوات، وتميزت عن الانتفاضة الأولى بغلبة الطابع العسكري عليها.
وخلال الفترة ما بين سنتي 2000- 2006، انهار عمليا مسار أوسلو حيث توقفت مفاوضات الوضع النهائي، واندلعت الانتفاضة الثانية، وأعقب ذلك مواجهات عنيفة، من ضمنها اجتياح إسرائيل الأراضي الفلسطينية الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية. واشترطت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس جورج بوش الابن وقفَ العنف الذي حملت الفلسطينيين مسؤوليته، حتى قبل أن تبذل أي جهد في سبيل التوصل إلى تسوية سلمية، وفي الوقت نفسه دعمت الموقف الإسرائيلي بخصوص قضايا الوضع النهائي.
وتذكر أنه من الأحداث المهمة أيضا في تلك الفترة وفاة الزعيم التاريخي ياسر عرفات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، وانتخاب محمود عباس خلفا له في كانون الثاني/ يناير 2005، ثم انتصار حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، في الانتخابات البرلمانية بعد ذلك بعام واحد. وتقول إن كل ذلك مثل إشارة إلى نهاية حقبة في السياسة الفلسطينية دامت 35 عاما، وإلى إعادة رسم عملية أوسلو لصالح ترسخ الأحادية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
بعد مرور شهرين على انهيار قمة السلام الأمريكية- الإسرائيلية- الفلسطينية في كامب ديفيد، قام أحد زعماء حزب الليكود السياسي الإسرائيلي أريئيل شارون بزيارة استفزازية إلى الحرم القدسي الشريف في 28 أيلول/ سبتمبر 2000. وما زاد من طابع الزيارة المهين الدور الذي كان شارون قد لعبه في حرب لبنان سنة 1982 وفي مجزرة صبرا وشاتيلا، إضافة لقدومه مصحوبا بمئات من رجال الأمن الإسرائيليين.
وأطلقت الزيارة شرارة مظاهرات شعبية ومواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية في جميع أنحاء الضفة الغربية، وقطاع غزة، وفي البلدات الفلسطينية داخل إسرائيل. وردا على ذلك، ضربت قوات الأمن الإسرائيلية بيدٍ من حديد، فقتلت خلال أسبوع 70 فلسطينيا، في حين بلغ عدد القتلى الإسرائيليين أربعة.
ورغم أن استفزاز شارون أشعل الفتيل الأول للانتفاضة الفلسطينية الثانية (المعروفة باسم انتفاضة الأقصى) إلا أن هناك عوامل أخرى قد ساهمت في اندلاعها واستمرارها، منها: فشل مفاوضات الوضع النهائي؛ عدم وفاء إسرائيل بالتزامات المرحلة الانتقالية من اتفاقية أوسلو، بما فيها الالتزام بإعادة الانتشار إلى خارج معظم مناطق الضفة الغربية؛ توسيع المستوطنات وبالمقابل نجاح تجربة مقاومة حزب الله في جنوب لبنان التي أدت إلى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في أيار/ مايو 2000.
وتشير مؤسسة الدراسات إلى أن الانتفاضة الثانية كانت قد تحولت منذ أواخر اكتوبر/ تشرين الثاني 2000، من مظاهرات عارمة إلى هجمات مسلحة من قبل الناشطين الفلسطينيين (المنتمين لحركة “فتح” بشكل أساسي في المرحلة الأولى) ردا على القمع الشديد الذي مارسته إسرائيل، مع تفاوت في مستوى العنف خلال الأشهر اللاحقة.
واتخذت إجراءات إسرائيل أشكالا عدة، منها قصف المكاتب الإدارية للسلطة الفلسطينية والمجمعات الأمنية، وتوغل في المناطق الخاضعة لولاية السلطة الفلسطينية، وإغلاق تلك المناطق، وفرض حظر التجول، وشن حملة اغتيالات موجهة في صفوف الناشطين، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي الزراعية، وإقامة مئات نقاط التفتيش من أجل إعاقة حركة الفلسطينيين.
أما المناضلون الفلسطينيون، فلجأوا إلى زرع العبوات على جوانب الطرقات، وإطلاق النار على الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، وشن الهجمات بقذائف الهاون (وخصوصا على المواقع العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات الواقعة في محيط قطاع غزة)، وابتداء من أواخر أيار/ مايو 2001، بدأوا بالتفجيرات الانتحارية (“حماس” بشكل رئيسي، ثم تبعتها “فتح” وحركة الجهاد الإسلامي).
بعد يومين على التفجير الانتحاري الذي قامت به “حماس”، في 27 آذار/ مارس 2002، في فندق في نتانيا، وأودى بحياة عشرات المدنيين الإسرائيليين، بدأت إسرائيل بـ”السوار الواقي”، عملية اجتياح كبرى لأغلب مدن، وقرى، ومخيمات الضفة الغربية. وحاصرت القوات البرية مقر عرفات في رام الله، وتسببت بأضرار جسيمة في البلدة القديمة في نابلس، ودمرت قسما كبيرا من مخيم اللاجئين في جنين بعد معركة ضارية جرت أوائل نيسان/ أبريل 2002، كما نهبت مكاتب السلطة الفلسطينية.
وقد انسحبت القوات الإسرائيلية من المدن الفلسطينية أوائل مايو/ أيار ولكنها حافظت على التواجد في محيطها، وواصلت عمليات التوغل. وفي الوقت نفسه، أقرت حكومة الاحتلال بناء جدار لفصل إسرائيل وعدد من المستوطنات عن التجمعات الفلسطينية. وجرى تخطيط مسار الجدار بشكل يتماشى في بعض المقاطع مع خط الهدنة لسنة 1949، ويتجاوزه في مقاطع أخرى تبعا لمواقع المستوطنات وطبيعة الأرض، فينعطف عميقا داخل الضفة الغربية، ويضم عمليا مناطق واسعة منها إلى إسرائيل. (في تموز/ يوليو 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا يقضي بأن الجدار الفاصل هو انتهاك للقانون الدولي).
وتتابع “في ذلك الوقت، وبتحريض من الشركاء الدوليين، واستجابة لمبادرة السلام العربية (المعلَنة في بيروت في آذار/ مارس 2002)، قبِلت الإدارة الأمريكية تشكيلَ ما سوف يُعرف باسم اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط (الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوربي، والأمم المتحدة)، وإحياءَ إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي ولكنها فعلت ذلك وفق شروطها هي”.
وفي 24 حزيران/ يونيو 2002، صرح بوش بأن الشرط المسبَق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة هو “قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة”، مع مؤسسات جديدة، وترتيبات أمنية جديدة. وشكل خطابُه، الذي أتى بعد وقف الولايات المتحدة تعاملها مع عرفات، الأساسَ الذي قامت عليه خطة اللجنة الرباعية المسماة “خارطة طريق إلى حل الدولتين الدائم للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني ترتكز إلى الأداء”، والتي عُرضت رسميا على الطرفين نهاية نيسان/ أبريل 2003، بعد الكثير من التأخير والمماطلة. وقد وافق شارون بشكل ملتبس على خارطة الطريق، وقدم لائحة تضمنت 14 “تحفظا” جعلت منها عديمة الفائدة فعليا.
في الوقت نفسه، باشرت القيادة الفلسطينية عملية الإصلاح، وذلك بضغط من اللجنة الرباعية ومن كوادر حركة “فتح” أيضا. وبالتحديد، أُجبر عرفات في شباط/ فبراير 2003 على القبول باستحداث منصب رئيس الوزراء، بعد أن هدده ممثلو اللجنة الرباعية بأن الولايات المتحدة ستعطي الضوء الأخضر لإسرائيل للإطاحة به في حال فشلت السلطة الفلسطينية باتخاذ القرار قبل الغزو الأمريكي المتوقع للعراق.
وهكذا أجرى المجلس التشريعي الفلسطيني، بموافقة اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تعديلات على القانون الأساسي في آذار/ مارس، وأفسح المجال لتشكيل حكومة جديدة برئاسة محمود عباس في نيسان 2003. ولكن، نتيجة الإحباط جراء عدم قدرته على الحكم وبنوع خاص، على ضبط قوات أمن السلطة الفلسطينية، قدم عباس استقالته في أيلول/ سبتمبر 2003. فحل محله في الشهر التالي أحمد قريع كرئيس للوزراء.
وتنوه المؤسسة أنه تمشيا مع عدم رغبته في تطبيق خارطة الطريق، بدأ شارون، أواخر سنة 2003، العمل على خطة بديلة (فك الارتباط مع غزة) يمكن تقديمها إلى المجتمع الدولي كمؤشر على تقدم في المسيرة السلمية، وتكون في الوقت نفسه أداة لتعزيز المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.
وفي نيسان/ أبريل 2004، أكد الرئيس بوش رسميا لإسرائيل أنه مقابل قيام إسرائيل بفك ارتباط أحادي الجانب مع غزة (انسحاب القوات الإسرائيلية والمستوطنين من داخل القطاع)، وإخلاء أربعة مستوطنات في شمال الضفة الغربية، سوف يدعم تشكيل قيادة فلسطينية جديدة؛ ويلتزم بإسرائيل كدولة يهودية؛ ويستبعد عودة اللاجئين الفلسطينيين منذ سنة 1948 إلى بيوتهم الأصلية في إسرائيل (من دون استبعاد إمكانية توطينهم في الدولة الفلسطينية المستقبلية)؛ ويرفض أي دعوة للعودة إلى خطوط الهدنة لعام 1949 في ضوء “وجود تجمعات سكانية إسرائيلية رئيسية” في الضفة الغربية.
وقد شكلت خطة فك الارتباط في قطاع غزة (التي تم تنفيذها في آب/ أغسطس – أيلول/ سبتمبر 2005)، بالترافق مع بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية، خطوة مهمة في الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى فصل القطاع عن الضفة وترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية.
أما بخصوص الوضع على الأرض في الفترة ما بين 2003 و2005، فقد استمرت المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وإن باتت أضعف، ولكنها ازدادت في قطاع غزة. وتجاوبت الفصائل الفلسطينية مرات عدة مع وساطات مصرية فأعربت عن استعدادها لوقف إطلاق نار مشروط مع إسرائيل.
غير أن إسرائيل أحكمت قبضتها على الضفة الغربية عبر عملياتها العسكرية المتواصلة، ونقلت خطواتها التصعيدية إلى قطاع غزة. واغتال الاحتلال الزعيم الروحي لحركة “حماس” أحمد ياسين، في آذار/ مارس 2004، وبعد أربعة أسابيع اغتال الزعيم السياسي للحركة، عبد العزيز الرنتيسي. أما عرفات، الذي ظل محاصرا في جزء من مقره لأكثر من عامين، فقد وقع ضحية مرض غامض في تشرين الأول 2004: فتم نقله من رام الله إلى باريس حيث وافته المنية في 11 تشرين الثاني. عقب ذلك أصبح عباس رابع رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم انتُخب رئيسا للسلطة الفلسطينية في 9 كانون الثاني 2005.
مع رحيل الزعيم الكاريزمي للحركة الوطنية الفلسطينية، كان المجتمع الفلسطيني قد أُنهك بسبب عنف الانتفاضة الثانية، والقمع الإسرائيلي الوحشي لها، وغياب أي أمل بالوصول إلى تسوية تفاوضية. وضمن قواعد اللعبة التي فرضتها إسرائيل من جانب واحد (في الضفة الغربية على الأقل)، حاول عباس – ونجح أحيانا – أن يحصل على موافقة التنظيمات على هدنة مع إسرائيل، وأن يعيد بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية عبر طلب المساعدة من الدول المانحة واللجوء إلى صناديق الاقتراع.
وقد جرت أربع جولات من الانتخابات المحلية في الفترة ما بين كانون الأول 2004 وكانون الأول 2005، أظهرت ازديادا مطردا في دعم “حماس” في صفوف الناخبين الفلسطينيين. ومع قرار “حماس” المشاركة في الانتخابات التشريعية التي تقرر إجراؤها في كانون الثاني 2006، وقيامها بحملة متماسكة، على عكس حملة “فتح” المضطربة، ومن ثم انتصارها، بدأت صفحة جديدة في السياسة الفلسطينية.