الانتقادات الامريكية للمتعاونين معها جزء من اللعبة
هارون محمدالانتقادات الامريكية للمتعاونين معها جزء من اللعبة في كتابه (عامي في العراق) يسخر الحاكم الامريكي السابق في العراق بول بريمر من قادة الاحزاب والتنظيمات والجماعات، الذين تعاونوا مع واشنطن وعينوا في مواقع ومناصب عليا عقب الاحتلال، ويقول عنهم بانهم عاجزون عن حكم العراق او السيطرة عليه، ويضيف انه ابلغ وولفويتز نائب وزير الدفاع ديك تشيني في منتصف العام 2003 أنك تبني اوهاماً علي هؤلاء، انهم ببساطة لا يصلحون لشيء، ويقول أيضاً في معرض دفاعه عن رأيه هذا الذي كونه من خلال لقاءاته واجتماعاته الدورية مع مجموعة الـ(25) الذين شكل منهم مجلس الفتنة الانتقالي واغلبهم مازال يتصدر المشهد السلطوي حتي الآن، أنه أخبر رؤساءه الذين بنوا صورة وهمية عن العراق وهم يجلسون في مكاتبهم الفاخرة في واشنطن، لو انسحبت القوات الامريكية وتسلم صديقكم احمد الجلبي السلطة في بغداد، فأنه لن يقوي علي البقاء في العراق اكثر من عشرة ايام، ويستطرد في قوله.. هذا إذا بقي!طبعاً.. ألف بريمر كتابه ودفع به الي الطبع في نهاية العام 2004 وقبل ان تجري الانتخابات الاخيرة ويفشل الجلبي في احراز اي مقعد نيابي رغم انه نائب رئيس وزراء ورئيس للهيئة العليا للطاقة والنفط ومشرف علي لجان المقاولات والصفقات التجارية والاقتصادية، مع ما توفره هذه المناصب من امتيازات مالية وسياسية واجتماعية، ولكن رغم ما انفقه علي الدعاية وشراء الاصوات، لم يحصل علي شيء.وبعد بريمر يأتي السفير زلماي خليل زاد، ليقول كلاماً مشابهاً لحديث صاحب كتاب (عامي في العراق) عن هذه المجموعة ويزيد علي وصف زميله السفير السابق عندما يؤكد: ان القادة العراقيين منشغلون بمصالحهم الفئوية والحزبية والبلاد تعيش أجواء حرب أهلية، والسؤال الذي يهرب من الاجابة عليه بريمر وزلماي هو: إذا كان الامر هكذا، وصار معلوماً منذ بداية الاحتلال ان من اعتمدتم عليهم لا يصلحون لتبوؤ المواقع التي نصبوا فيها، فلماذا تتمسكون بهم لغاية الان، مع ما ينتجه هذا (التمسك) من مشكلات لكم كقوات وادارة محتلة، تتحملون التزامات دولية وقانونية، وللعراقيين الذين ابتلوا بهذه الوجوه التي لا تحسن غير الثرثرة والادعاءات الفارغة؟الجواب الشافي لمثل هذا السؤال او التساؤلات يعرفه بالتأكيد بريمر وزلماي، ويعرفه أيضاً بوش وتشيني ورامسفيلد وثلاثي البنتاغون السابق وولفويتز وريتشارد بيل وفياث وأعضاء الشلة التي تسمي بالمحافظين الجدد، وهو بسيط جداً لا يقوي علي الافصاح عنه كل هؤلاء ويتمثل ان الادارتين الامريكيتين السابقة بقيادة كلنتون والحالية برئاسة بوش تعاملت مع قادة الاحزاب والجماعات والدكاكين التي كانت تعارض نظام صدام حسين، كموظفين ومستخدمين، وليس سراً ان اكثر هؤلاء كانوا يتلقون رواتب شهرية ومخصصات مالية سواء من السي اي ايه او وزارتي الدفاع والخارجية والكونغرس، وللتذكير فقط فان راتب احمد الجلبي الشهري البالغ 340 الف دولار من البنتاغون لم يقطع الا في نيسان (ابريل) 2004 باعلان رسمي بعد ان وجهت اليه تهمة الازدواجية في التعاون، اشارة الي علاقاته مع الاجهزة الايرانية، فيما استمر التدفق التمويلي علي زملاء ورفاق الجلبي الي يومنا الراهن.ولأن هؤلاء الموظفين والمستخدمين ـ أو بعضهم ـ شبعوا حد التخمة مما حصلوا عليه بفضل الاحتلال، وصدقوا انهم رؤساء ووزراء ومسؤولون كبار واصحاب قرار، فقد بدأوا يلعبون بذيلهم ويتصرفون بطريقة توحي بانقلاب علي اسيادهم وخصوصاً في الفترة التي اعقبت الانتخابات الاخيرة وصار بعض منهم يجرب التسرب من المعسكر الامريكي، والتغافل عن الوصاية الامريكية، حتي ان احدهم وقف في اجتماع لحزبه او مجلسه (لا فرق) وقال بملء الفم: أن شهداءنا هم الذين اسقطوا نظام صدام وليس الامريكان، ركزوا يا اخوان علي هذه المسألة وثقفوا الناس بها، ولما قال له احد المشاركين في الاجتماع، ولكن يا مولانا كيف يصدقنا الناس وهم يعرفون (البئر وغطاه) ويشاهدون المارينز يسرحون ويمرحون في مدننا ومناطقنا ويلاحظون العربات والطائرات الامريكية تحلق في اجوائنا، رد السيد القائد: ليس مهماً ذلك، هؤلاء سخرهم الله وآل البيت لتحريرنا من الطاغية صدام.. ركزوا علي دور شهدائنا وانسوا الامريكان!والتقط احد الظرفاء من الحاضرين المقولة المدهشة، ومضي يفسرها بطريقة مسرحية، نعم شهداؤنا قاموا من قبورهم الجماعية والفردية وركبوا الطائرات والقاطرات ووصلوا الي واشنطن وتكساس والينوي ومنها انطلقوا كل حسب اختصاصه بالطائرات والاساطيل والدبابات الي العراق، وبعد ان أدوا واجبهم وانهوا مهمتهم في اسقاط النظام السابق واحتلال العراق عادوا الي قبورهم بهدوء دون ان يلحظهم احد وبلا شكر علي اعتبار ان الشكر علي الواجب غير جائز ولا مستحب علي مذهب آل البيت الابيض.ويلاحظ ان بعض كبار المتعاونين مع الاحتلال وخصوصاً في الائتلاف الشيعي راح يمارس (التقية) ذلك الشعار الانتهازي التاريخي الذي يقوم علي مبدأ (إظهر خلاف ما تبطن) فالجعفري وطباطبائي عبدالعزيز وشهرستاني حسين وعلي اديبي ومهندسي (عنزي) ونوري كمالي (جواد مالكي) حالياً، يتراصفون علي الحائط ويقفون وايديهم علي صدورهم عندما يستقبلون زلماي خليل زاد أو مساعديه ساتر فيل وروبرت فورد، رهبة وخشوعاً، وبعد ان ينهوا اجتماعاتهم وخلواتهم مع الاصدقاء يتحول كل واحد منهم الي عنتر بن شداد في الخطب والتصريحات فقط، وكأن العراقيين لا يفقهون.إن تصريحات وزير الدفاع الامريكي التي يتوقع فيها نشوب حرب طائفية في العراق واعلانه امام الكونغرس بان قواته ستنأي عن تلك الحرب في حال قيامها دليل واضح عن تنصل واشنطن عن التزاماتها الدولية والقانونية التي وردت في القرار (1546) الصادر عن مجلس الامن الدولي عقب الاحتلال بشهور قليلة، وهذه التصريحات تعطي اشارة للاحزاب والتنظيمات والجماعات والميلشيات الايرانية التأسيس والتمويل والتسليح بالهجوم علي مناطق ومدن ومساجد وبيوت الله ومنازل السنة العرب في بغداد والمحافظات، خصوصاً وان هذه الاحزاب والتنظيمات صارت بفضل الغطاء الامريكي لها والدعم المقدم لقادتها تمتلك اسلحة ثقيلة ومقرات وشبكات وخلايا وفرقا للموت والاختطاف والسلب والسرقات علناً وسراً، ويرتدي افرادها ملابس قوات المغاوير والحرس الوطني وحفظ النظام والطوارئ وتستخدم سيارات الشرطة والامن والوزارات والدوائر الحكومية.لذلك فان الانتقادات الخفيفة التي يوجهها رامسفيلد وزلماي ومن قبلهم بريمر الي قادة الاحزاب والجماعات الشيعية هي من باب العتاب بين الاحبة ولا تنطوي علي تهديدات جدية والا فان بمقدور بيان صغير يصدر من الجنرال جورج كيسي قائد القوات الامريكية في العراق يحدد اسماء فلان وعلان كمسؤولين مخططين او منفذين للكم الهائل من المجازر الجماعية والجرائم والانتهاكات وهو يملك ملفاتها بالكامل ان يجعل الاف المتورطين يهربون ويفرون من العراق خلال ساعات ويعودون الي قواعدهم السابقة.ان اللعبة الامريكية القائمة في العراق منذ احتلاله باتت مفهومة من الجميع، عراقيين وعرباً واجانب، وهي تقوم علي تأجيج الخلافات المذهبية والعرقية والمناطقية وتحويلها الي صراعات واقتتالات مسلحة ثم تقدم واشنطن نفسها كطرف وسيط وتتجاهل دورها الاستعماري ومهامها الاحتلالية، وابسط مثال علي ذلك ان ضابطاً امريكياً هو الذي كشف تفاصيل الجرائم والانتهاكات في قبو الجادرية السري المجاور لقصر ومكتب باقر صولاغي وزير الداخلية، وشكلت لجنة تحقيق برئاسة نائب رئيس الحكومة الكردي روز نوري شاويس وها قد مرت اربعة شهور علي الفضيحة دون ان تعلن لجنة التحقيق الحكومية نتائج ما توصلت اليه.وفي جلسة سياسية في منزل جلال طالباني ضمت عدداً من المسؤولين الحاليين من بينهم شاويس والنواب الجدد عقدت في مطلع الشهر الحالي، طرح احدهم تساؤلاً عن سر تأخر اعلان نتائج اللجنة التحقيقة بشأن معتقل الجادرية، فرد شاويس ان اللجنة انهت اعمالها من مدة طويلة، وفيها من (البلاوي) الكثير، ولكن الجعفري اتفق مع الجانب الامريكي علي اختيار موعد مناسب لاعلان نتائجها لاحقاً.وهناك الكثير من الامثلة علي التعاون والتنسيق بين المحتلين الامريكان وحلفائهم ومستخدميهم ممن يسمون برؤساء ووزراء وقادة احزاب ولم يكن توماس فريدمان، الكاتب والصحافي الامريكي صادقاً عندما اقترح علي ديك تشيني استدعاء كبار المسؤولين الحاليين الي واشنطن واظهار العين الحمراء لهم وحجزهم في غرفة لا تفتح الا بعد اتفاقهم علي تشكيل حكومة جديدة، فهذا الاقتراح هو جزء من اللعبة الامريكية التي اشرنا اليها انفاً، ويسعي صاحبه المقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن الي تجميل صورة الاحتلال في العراق وابراز دوره كـ(حلال مشاكل) سياسية وازمات داخلية، والحقيقة ان وراء كل هذه المشاكل والازمات هو الاحتلال نفسه.. لا غيره.9