الانتقال الديمقراطي في موريتانيا…الي أين؟
المختار أمباب ولد زيدانالانتقال الديمقراطي في موريتانيا…الي أين؟ منذ انقلاب الثالث من اب (أغسطس) عام 2005 ومجيء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الي سدة الحكم في موريتانيا عن طريق انقلاب أبيض علي حكم ولد الطايع الذي عمر نيفا وعشرين عاما، استبشر العالم كما الموريتانيون خيرا بوصول زمرة من خيرة ضباطهم الي دواليب الحكم، وزاد اعتقاد الكثير من المراقبين أن موريتانيا أصبحت قاب قوسين أو أدني من ارساء دعائم دولة الحق والقانون واقامة مؤسسات ديمقراطية يكون للشعب الكلمة الفيصل في اختيار من يلجونها بالانتخاب الحر والنزيه، ومما زاد الاعتقاد حقيقة أن دعوات المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية هي دعوات صحيحة لما استعملوه من تصريحات وما دشنوه من تشاور الأيام الوطنية للتشاور والعفو عن سجناء الرأي، وهو الشيء الذي ظل ناقصا في ظل الاحتفاظ بمجموعة من السجناء لأسباب خارجية لا علاقة لها بالعدل ولا الحق، كما أن الاحتفاظ بالعلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني التي يرفضها الشارع الموريتاني يعتبر وصمة عار في جبين الديمقراطية الموريتانية المزعومة.كما أن مسلسل الاصلاح المشبوه هذا ظل متتاليا في تصاعد حيث تعديل الدستور، واصلاح الاعلام وسن ترسانة من القوانين لعل أهمها ما يتعلق بالقانون الانتخابي، بدءا بالتقيد باللوائح الانتخابية مرورا بالفرز واعلان النتائج وانتهاء بالطعون الانتخابية، هذا بالاضافة الي التغييرات التي طرأت علي نظام الترشح وتخصيص نسبة 20% من المقاعد البرلمانية للمرأة، رغم ما عيب علي ذلك القرار الارتجالي من كونه نوعا من التقليد الأعمي للديمقراطيات التقليدية التي تمتاز فيها المرأة بنوع من الوعي والثقافة لا زالت المرأة الموريتانية لم تصله بعد، وهذا لا يعني أننا ضد نظام الكوتا النسوية الا أن فرض هذه النسبة الكثيرة في بلد لا زال يعاني من ضعف تمدرس البنات لأسباب اجتماعية تقليدية هو نوع من استباق المستقبل، اذ من شأن هذا التخصيص انتاج حزمة نسائية في غاية الجهل والأمية لا يمكن أن تتولي تدبير الشؤون العامة ولا حتي المحلية.ان عرضنا لهذه المبادرات الاصلاحية ليس الهدف منه ذكر كرنولوجية الاصلاح هذه بل هو ابراز أن هذه الاصلاحات لا تعدو أن تكون تسويقا مزيفا لاصلاح وهمي ما لم تشفع حقيقة بالصدق والجدية في آليات تدبير الشأن العام الذي يسير تدبيره نحو هاوية خطيرة قد تنعكس حتي علي وحدة الاقليم والشعب وذلك لتباين الطبقي وحتي الجغرافي، حيث اللامساواة قائمة بين ذينك المكونين الأساسيين للدولة الحديثة.مما لا شك فيه أن هؤلاء الاصلاحيين جاءوا زاهدين في الحكم وهم أصحابه أصلا وهي سابقة قل مثيلها في وطننا العربي، الا أن الخوف يظل مشروعا نظرا لكون تلك الشعارات مع مرور الزمن وتوالي الأيام أصبح ثمة من يري فيها نوعا من الماركتينغ السياسي أو هي مجرد عملية أراد منها الانقلابيون أن يستمرئوا طعم المشروعية داخليا وخارجيا، ومما يعزز هذا الطرح مجموعة من الأشياء سنستجلي بعضها فقط، لنوضح مدي تطبيق المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية لوصفيه العدالة والديمقراطية .فعلي مستوي التعيينات وشغل المناصب نجد أن الدستور الموريتاني يكفل للموريتانيين علي حد سواء حق ولوج الوظيفة العمومية دونما أي اعتبارات وهذا ما لم يراعه العسكر في كل تعييناتهم، وهذا ما يفند شعار العدالة.أما علي مستوي الطرف الثاني للمعادلة وهو الديمقراطية فلا يمكن بتاتا أن تكون الديمقراطية انتقائية، ومعني هذا أن تدخل المجلس العسكري في ترشيحات الأحزاب وتفكيكها ودعم المستقلين يعد قتلا علنيا لديمقراطية جنينية قد لا تستكمل نموها في ظل هذا الحكم. ان الخشية علي انتقالنا الديمقراطي الجنيني هو أمر مباح، وذلك لأن الوضع القائم أصلا في ظل نظام ولد الطايع البائد لم يزدد الا سوءا علي سوء، حيث زادت وحشية الليبرالية العمياء المتوحشة التي تطحن ماكينتها جيوب وحتي أرواح غالبية الشعب الموريتاني المسكين، وهو ما أدي الي ارتفاع نسبة الفقر والتباين الفئوي، كما أن انتشار البطالة وارتفاع الأسعار وغياب الدولة علي كافة الأصعدة، هي الأمور نفسها التي خنقت حكم ولد الطايع وعمقت نشازا أقام بينه وغالبية الشعب الموريتاني المحروم.ان الظروف التي أدت بـ العسكرواعليين علي الانقلاب علي منظرهم ، و أبوهم الروحي هي ذات الأسباب القائمة حاليا، فعليهم أن يكرسوا أسسا سليمة للانتقال الديمقراطي الفعلي لا الوهمي، فالمصالحة مع الذات والوطن والشعب والمصارحة معه هي أولي الأولويات لتكريس انتقال ديمقراطي متين، كما أنه لا يعقل مطلقا قيام أي انتقال ديمقراطي حقيقي دون نهوض اقتصادي تراعي فيه ظروف المواطن المادية وظروف عيشه فلا معني للديمقراطية في ظل بطون تحترق جوعا وأنفس تعتصر ألما.كما أن من أهم أولويات الانتقال الديمقراطي العمل علي تعريف المواطن بحقوقه كاملة وذلك عن طريق اشاعة فكر سياسي ديمقراطي حداثي تراعي فيه الديمقراطية بنية المجتمع ودرجة تطوره، فكم من ديمقراطية جلبت لأرض لا تصلح لزراعتها فماتت، فمواءمة الديمقراطية مع خصائص المجتمع وتطوره أمر بالغ الأهمية، كما أن تغييب المجتمع المدني عن الحياة السياسية في موريتانيا أمر قد يؤثر لا محالة في انتقالنا الديمقراطي، اذ لا زال هذا الفاعل السياسي والجمعوي لم تطله أيادي الاصلاح أو بالأحري أيادي الانقلاب ولم تنفصل عنه خاصيته الأزلية خاصية الاسترزاق والتململ بدل التضحية والنهوض.جميل أن تأخذ أقلية الحكم بعد عجز الأغلبية واستبداد السلطة واعوجاجها وانسداد الأفق السياسي، الا أن غياب روح جديدة للسلطة واستمرار نفس الأداء القديم بل وتراجعه في ظل غياب فعل جماعي ورأي متكامل وارتجالية لعمل السلطة ودكتاتورية في أداء حكومة انتقالية حافظت علي بعض رموز الفساد فيها قديما، أمر يجعل الانتقال الديمقراطي في موريتانيا ـ ان وقع ـ انتقالا أعوج، لا يعتمد مقولة فولتير قد أختلف معك، لكنني علي استعداد لأن أسفك دمي مقابل حقك في الدفاع عن نفسك .كما أنه لا يعتمد المقولة العكسية لها قد تختلف معي لكنني علي استعداد لأن أسفك دمك مقابل حقك في هذا الاختلاف ، لكنه اختلاف يعتمد قد تختلف معي لكنني علي استعداد لأن أقتلك جوعا مقابل حقك في الاختلاف . يبقي القول جائزا بأن أي اصلاح سياسي هو مرادف لاصلاح شامل يراعي الجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما يبقي القول جائزا كذلك في أن أي اصلاح لا بد أن يوضع علي المحك للتأكد من صحته، فالشعارات البراقة والمصطلحات الصاخبة لا تعدو أن تكون ثرثرة حينما يثبت الواقع عكسها، فالمحك الأساسي للانتقال الديمقراطي في موريتانيا هو مدي تمكن هؤلاء الانقلابيين من الوفاء بعهودهم كاملة ليخلدهم التاريخ، أو نكثها وهنا لن يبقي الشعب الموريتاني مكتوف اليدين بل ان مشاكل جمة داخلية ستعيد حتما موريتانيا الي مسلسلها القديم وهو مسلسل الانقلابات لا مسلسل الديمقراطية المنشودة.ہ كاتب وباحث موريتاني مقيم بالمغرب[email protected]