على سبيل السخرية، استعرض مقدّم برامج تلفزيوني لبناني الآثار الجانبية للقاح كورونا، ومن بين ما قال إن «اللقاح الذي أنتجته إيران يجعل متلقّيه يرسل الشباب الى اليمن» غامزاً من قناة «حزب الله» مضيفاً أن اللقاح يجعلهم يهددّون باستخدام سبّابتهم، متهكماً هذه المرة من إيماءة اشتهر بها زعيم ميليشيا «حزب الله».
ومع أن حسن نصرالله لم يخفِ مرة تبعيّته المطلقة لإيران وولاية الفقيه، إلا أن سبّابته، على ما يبدو، لم تطق السخرية، فأعطت الأوامر على نطاق واسع لاستهداف المذيع الساخر، وكما هو معتاد من جيشه الالكتروني، فقد غزوا مواقع التواصل الاجتماعي شاهرين كل ما يمكنهم من سباب وشتائم مقذعة، مع هاشتاغات من قبيل «الإصبع المقدس» و«إلا الإصبع» ربما تذكيراً بشعار حملة مشابهة أطلقها الحزب نفسه ذات يوم: «إلا رسول الله» واضعين سبابة الزعيم الميليشوي في المكانة المقدسة نفسها للنبي محمد.
مع أن حسن نصرالله لم يخفِ مرة تبعيّته المطلقة لإيران وولاية الفقيه، إلا أن سبّابته لم تطق السخرية، فأعطت الأوامر على نطاق واسع لاستهداف المذيع الساخر، كما هو معتاد من جيشه الالكتروني
لم تقبل «دولة حزب الله» مجرد دعابة تلفزيونية، فراح أنصارها (من بينهم نجل نصرالله) يستعيدون صوراً لا تحصى لسبابة سماحته، كأنهم وجدوا ضالتهم في تمجيد عضو من أعضاء الأمين العام، وليس من المستبعد أن نجده غداً منحوتاً في ساحة من ساحات لبنان. مع أن هذه الإيماءة بالذات، من بين إيماءات نصرالله، كانت دائماً محلّ انتقاد من معارضيه، إلى حدّ أنه ألمح مرة في أحد خطاباته إلى ذاك الانتقاد.
ومع أن للسبابة استخدامات شديدة التنوع، من بينها التشهّد والإشارة نحو الأشياء، كوضعها على الصدغ مثلاً علامة على التفكير، أو تعبيراً عن الحرية مع عبارة «أنا حرّ» إلا أنها التصقت بنصرالله كشكل من أشكال التهديد والوعيد. ولعله الشكل الأقرب لاسم السبابة، هذا الذي يعتبر البعض أنه اشتُق من السُباب (لا من السببية) وعلى أي حال، حتى لو لم يكن المعنى الأصلي كذلك، فقد منحه الأمين العام وجمهوره هذا المعنى: إنها للسباب والشتم والتهديد ولوضعها على الفم إشارة للصمت أو على الزناد وربما لمآرب أخرى أدقّ رقبة…
ليس الجمهور، ولا المذيع الساخر، إذاً من حصر استخدام السبابة بالتهديد وبث الذعر في نفوس الناس، بل هو أنتم وزعيمكم. لكن الجمهور لن يوفر فرصة في اجتراح ردّ يليق بذلك: السخرية أبداً من السبابة المشهرة في وجوههم. وهذا أضعف الإيمان.
تكاد صورة محمد صلاح، نجم كرة القدم العربي الأشهر، مع عائلته وشجرة عيد الميلاد تكون حدث العام بلا منازع، لا في عدد المشاهدات الهائل، بل في التعليقات المعادية للنجم العالمي، إلى حدّ المطالبة بنزع لقبه «فخر العرب»!
فوراً تحوّل الحب الجارف لصلاح إلى عداء جارف أيضاً، وكأن أصل المحبة لا يتعلق ببراعته الكروية، بقدر ما يمثّل من تمسّك بأصول الدين، حسب فهم البعض، فلعلّهم لا يلحظون سوى حجاب زوجته، وما يندّ عنه من إشارات تديّن، لكن كل ذلك لا يبدو كافياً ليردع عن الإساءة لنجمهم المحبوب، ولا يستبعد أن يصل بهم الأمر إلى التكفير.
لا تريد «هيئة الأمر والنهي» أن ترى في الإيمان سوى نسخة واحدة، لا وجود في مخيلتها لإسلام تركي، وآخر أندونيسي، أو هندي، أو إسباني!
لا تريد «هيئة الأمر والنهي» أن ترى في الإيمان سوى نسخة واحدة، لا وجود في مخيلتها لإسلام تركي، وآخر أندونيسي، أو هندي، أو إسباني،… فلا شك أن المجتمعات البعيدة ألقت بعاداتها وتراثها وتصوراتها على ما وصلها من الدين.
لا مناص، ما دام المرء يعيش بين الناس، أن يكون بالفعل واحداً منهم، من أفراحهم ومصائبهم، خصوصاً إذا كان جزءاً من عائلة ولديه أطفال فإن الأمر يبدو أكثر إلحاحاً، وإلا فإنه يدفع بنفسه وبعائلته إلى هامشٍ لا تحمد عقباه.
ثم إن الأمر قد لا يعدو كونه احتفالاً اجتماعياً لا يصيب جوهر الإيمان بشيء (وهذا على كل حال شأنٌ بين المرء وخالقه) وقد لا يعني ذلك الطقس سوى أضواء وكرات ملونة وألعاب مسلية. لذلك، فإن التعليقات الغاضبة والمعادية للجمهور ليست سوى تدخل سافر في حياة طفلة محمد صلاح التي لم تتخطّ بعد عتبة العقد الأول من العمر.
المأساة السورية…
لو القلب بيوسع .. لو البيت بيوسع.. لو القدرة بتوسع
كنت حطيت الكل معي 😔
الحزن صار كلمة قليلة وتافهة قدام اللي صار وعم يصير والله يستر من الجاية..
الله يردكون لبلدكون سالمين .. الذل بالبلد ولا ذل الغريب.عن حرق مخيم للسوريين في لبنان أتحدث… وأيضاً لا للتعميم😔 pic.twitter.com/QtI4gOPtH3— Amal Arafa (@AmalArafaa) December 27, 2020
عندما يحترق مخيم للاجئين السوريين يفضّل أن يلوذ النجوم من شبيحة النظام بالصمت، أن يتشاغلوا بالحديث مع مطبخ الإنتاج في مسلسل نجدت أنزور المقبل.
ثقوا في أن الضحايا توقّفوا من زمان عن الاستماع إلى أصواتكم. لن يفيد التعاطف وذرف الدموع بعد الوقوف الصريح، حتى اللحظة، مع القاتل، وهو كان سبب لجوئهم. في إمكانكم أن تجدوا الجواب في السؤال لماذا لا يعود هؤلاء إلى بلدهم ما دام العيش في لبنان الشقيق جحيماً كما ترون!
فنانون شبيحة يأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي
من مآثر الفنانة أمل عرفة الكثيرة في التشبيح مشاركتها في مسلسل ينكر الجرائم الكيميائية المرتكبة بحق السوريين، بل والسخرية منها، واتهام الضحايا من السوريين بتلفيقها. أما سلاف فواخرجي فلم تتردد في ارتداء البدلة العسكرية والوقوف مع الواقفين على قاسيون دعماً للقاتل.
إنهم يأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي.
أريحوا الناس قليلاً من بكائياتكم:
(محمود درويش)
كثر يلاحظون كيف تتغير أحوال الكتابة في اللغة العربية بسبب وسائل التواصل الاجتماعي المتجددة باستمرار. هناك هذا الميل الدائم إلى الاختصار، والحاجة إلى ابتكار رموز على نحو ما نجد في اللغات الأجنبية الأكثر تداولاً. يفكر المرء مثلاً هل يمكن الاستعارة من رموز «الإيموجي» في الكتابة، على غرار ما حدث حين دخلت علامات الترقيم إلى الكتابة، وما هي إلا رسوم وأشكال في الأساس. وقد بات من الطبيعي أن يكتب المرء على وسائل التواصل مستعيناً بوجوه تمنحها مختلف التطبيقات والبرامج.
لكن هنالك ما يخص الإعلام التقليدي، وهو بات مهموماً بصورته على الانترنت أكثر من المطبوع، لكن هذا له متطلبات لم تكن في الحسبان، فلمحركات البحث على الشبكة العنكبوتية متطلبات على الناشر والمحرر الصحافي مراعاتها كي يكون مقروءاً على نحو أوسع. بات على المحرر أن يعنْون على مزاج غوغل، ويوزع المادة الصحافية إلى فقرات أقصر، بل ويكتب جملاً أقصر، أن يضع عناوين فرعية تجعله في متناول غوغل، على سبيل المثال لا الحصر، ما يعني أن الأخ الأكبر غوغل قد يصبح متحكماً بأساليب الكتابة ومزاج الكاتب والمحرر.
إن كانت هذه الأسئلة لا تعني الصحافة العربية حتى الآن، فربما لأنها أبعد ما تكون عن شروط مهنية أبسط من ذلك بكثير. ولعل ذلك فقط سيعفيها من تحديات التفكير في كل ذلك. لكن لا شك أن مهنيةً أكثر تعني تحديات أكبر على الطريق.