الانجيلي بيلي غراهام صانع التلاحم بين المؤسستين السياسية والدينية في أمريكا (2 من 2)

حجم الخط
0

الانجيلي بيلي غراهام صانع التلاحم بين المؤسستين السياسية والدينية في أمريكا (2 من 2)

سر سطوته في الخطاب الغربي الديني وتفوقه علي البابا ومارتن لوثر كينغ هو حذره وعدم تسرعهكان وراء اقلاع بوش عن الادمان وتحوله الي مهووس ومغال ديني فقد زرع المبشر حبة خردل في روحهالانجيلي بيلي غراهام صانع التلاحم بين المؤسستين السياسية والدينية في أمريكا (2 من 2)د. عزالدين عنايةہفلسفة التبشير لدي غراهامعموما تنصبغ التوجهات البروتستانية المحافظة في امريكا بخاصيات عقائدية مسيحانية، اي الاعتقاد في حلول مسيح مخلص يوما؛ وبالاخلاق اليهودية المسيحية، النابعة من تعاليم العهدين القديم والجديد؛ وبالتطلع لعهد الفي.داخل ذلك الاطار العام، حامت رسالة التبشير لدي غراهام. الملاحظ ان النواة الرئيسية لدعوته لم تتغير علي مدي ستين عاما تقريبا من نشاطه المتواصل. فمنذ بدايته، حدد غراهام مهمته في دحض المخاطر الثلاثة التي تهدد المسيحية الصائبة وهي: الشيوعية، والدين المحمدي الاسلام ، وكاثوليكية روما، ولكنه الغي العنصر الاخير من جدوله لاحقا، علي اثر تحالفات طرأت مع كنيسة روما. فعبر الاستماع للآلاف من مواعظه، وقراءة العشرات من كتبه ومنشوراته التي وقعها ـ والتي لم يكتبها بمفرده ـ، يلاحظ تشابهها من حيث بنيتها. ففي كتابه: سلام مع الرب ، الذي يبقي النص المحوري المعبر عن فلسفته، نجد المحاور الرئيسية لرؤيته اللاهوتية متلخصة في: التطلع للتقوي، والتمسك العقائدي الارثوذكسي، والعمل التبشيري. تصب بمجموعها في الاهتداء ، واساسه ارساء علاقة مباشرة مع النص المقدس، ككلمة الهية لا كاطار حاو للكلمة الالهية. فالاهتداء لديه، هو السياق الذي يسير فيه المسيحي ليولد من جديد، والمتجلي في حياة الفرد المهتدي، ذلك ان المولود من جديد انسان عاش تجربة المولد الثاني الخاصة، اي اللقاء المصيري مع المسيح. والكلمة في اصلها وردت في انجيل يوحنا 3: 3، حيث يتوجه المسيح (ع) الي الفريسي نيقوديموس بقوله: الحق الحق اقول لك: لا احد يمكنه ان يري ملكوت الله الا اذا ولد من جديد ، وسياق الميلاد الجديد الروحي هذا، يتكون من ثلاث مراحل: الوعي بحالة الخطيئة، والتوبة، وتقبل نعمة الرب عبر يسوع المسيح باعتباره المخلص.فبشكل اجمالي تتلخص الرسالة في رؤية مسيحانية مبنية علي تقابل مانوي ثنائي بين الموت والحياة، بين الخطيئة والنعمة، بين العذاب والخلاص، بين مملكة الخير ومملكة الشر. ولكن هذا اللاهوت الاخروي ظاهرا، يتعانق في افقه الاعلي مع توجهات الادارات السياسية الامريكية.عموما تبقي الرسالة الدينية التبسيطية، بالشكل الذي يعرضه غراهام، متوجهة اساسا الي العامة ورجل الشارع، بما تتميز به من بساطة وما تحث عليه من توبة خلقية. يقول الكتاب المقدس ، تلك كلمة غراهام المتكررة في خطاباته، حتي صارت بمثابة العلامة المميزة لعظاته. وهي بحث عن بناء يقين لدي المخاطب، في حضارة داهمها الشك في كل شيء، وافتقدت المعني، وتساوي فيها المقدس بالمدنس، فصار سلوك هذا الطريق او ذاك معبرا عن ميل وهوي، يحدده ما يغرفه الفرد من لذة لا بناء علي اختيار ارادوي. وخطاب غراهام ليس خطابا تساؤليا في النص المقدس، ولا فكرا قارئا لتجاويفه الدلالية والتأويلية، بل هو خطاب موعظة حسنة. يقول غراهام في كتاب سر السعادة ، المنشور سنة 1955، ص: 56: الانسان لا الكتاب المقدس الذي ينبغي اصلاحه ، في حين نجد اللاهوت الذي دعا اليه رفيقه البروتستاني كارل بارث (1886 ـ 1968) مختلفا مقصدا ومنهجا، يتوجه الي الخاصة اساسا، وهو في تناقض احيانا مع مقول غراهام الساذج والسطحي. كان الاثنان اكثر المؤثرين في الاوساط البروتستانية علي مدي النصف الثاني من القرن العشرين، بيد ان احدهما خطابه نخبوي والآخر شعبوي. وقد التقي الاثنان فعلا، اللاهوتي الفيلسوف واللاهوتي المبشر، سنة 1960، بمونترو بسويسرا، علي مرتفعات بحيرة جنيف وتطارحا الرأي بشأن مسائل التبشير. واقترح اثناءها كارل بارث علي غراهام تنظيم حملة انجلة في الهواء الطلق في مدينة بال، مسقط رأسه، بيد ان رسالة غراهام في رأي اللاهوتيين السويسريين حينئذ، تبقي محملة بالبساطة المنفرة وبالتداخل.لا بد من التعريض علي شخصية اخري عاصرت غراهام، لادراك دعوة هذا الاخير. اختير راينولد نايبور (1892 ـ 1971) ـ المفكر اللاهوتي الامريكي المتشيع للبروتستانية ـ مع غراهام، من بين مئة شخصية امريكية الاهم خلال القرن العشرين، بحسب تقديرات مجلة لايف 1990. ادان نايبور مساوئ الرأسمالية، وكان المحرض في حركة ـ social gospel ـ والمنتقد للبني الاجتماعية السائدة. بسبب هذا المنزع الاجتماعي الملتزم احتد الخصام بينهما. فان كان غراهام يولي النظام الاجتماعي السائد اهتماما باهتا، ويعتنق بشكل عفوي الافكار الرائجة، فان نايبور ينتقد الاوضاع بشكل حاد ويتطلع الي تغييرها، مما خلق لدي هذا الاخير نوعا من الاحتقار للخط التبشيري الساذج لغراهام. وان كان يري صوابية دعوته، فانه يقر بعدم تناسب هذا النوع من الانجلة مع الرهانات الاخلاقية الحديثة.قصور في الاداء العلمي وتوفيق في مهمة الوعظمع بداية مشواره، كان بيلي يتطلع لنشر دعوته عبر المؤسسة التعليمية، فكان ان ترأس الجامعة الاصولية نورثواستارن سميناري بمينيابوليس، من 1947 الي 1952، بعد ان شهد له صديقه و. ب. ريلاي بالكفاءة. لكنه تخلي عن ذلك لاحقا، فما كان مقتدرا علي تسيير مؤسسة علمية. والحقيقة ان انتقادات بقيت توجه له حتي فترة متأخرة، خصوصا من الاوساط الكاثوليكية، بنقص ثقافته اللاهوتية وبتدني تكوينه الديني العلمي.لقد لمس غراهام في نفسه اهلية لجذب الجماهير وبراعة في الانجلة العامة، عبر وعظ ديني ديماغوجي، لا عبر خطاب ديني عقلاني او منطقي. وربما كان فشله في تسيير مؤسسة تعليمية ـ ذكر ت. و. ويلسون احد معاونيه انه كان يتعاقد احيانا مع استاذ لغة انكليزية لتدريس مادة الرياضيات لا لشيء الي لعلاقته الحميمة معه ـ دافعا لاكتساحه مجال التبشير الشعبوي المعتمد علي الخطابة والاثارة. والواقع ان ميل غراهام للخطاب الشعبوي كان مبكرا، فمـــنذ 1944 نشط برنامجا في محطة اذاعة (WCFL) بشيكاغو. تجمعت علي اثره لديه خبرة في مواجهة الجمهور، تطورت الي التنشيط التلفزي في مرحلة اخيرة.واثناء حملة صليبية قام بها علي بورتلاند، قرر بيلي بعث مشروع تنفيذي (1950)، فكان تأسيس شركة الانتاج ـ World Wide Pictures ـ التي صورت اكثر من مئة فيلم، كما كان 1950 عام افتتاح برنامجه الاذاعي المنتظم ساعة القرار ـ Hour of Decision ـ، وكان بث التسجيل الاول بأطلنطا في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) 1950 اثناء حملة انجلة. وبعد خمس سنوات من البث الاذاعي المنتظم، بدا غراهام يتطلع الي الارسال التلفزي. جاء في مذكراته: لعبت الاذاعة والكتب والافلام دورا هاما في نشر دعوتي، ولكن التلفزيون تجاوزها جميعا . فقد استمر برنامج ساعة القرار ، علي مدي نصف قرن، كما كان غراهام اول شخصية دينية تهرع الي استعمال الانترنت، بمناسبة محاضرة قدمها سنة 1994 علي المحرك امريكا اون لاين.كان بيلي غراهام من اوائل المسيحيين الذين اهتموا بالتبشير الاعلامي، او بما يعرف بظاهرة الكنيسة الالكترونية، التي تلعب فيها وسائل الاعلام دورا اساسيا. فاكثر من مئة صحيفة امريكية خلال سنة 2000، كانت تقدم اجابات عن استشارات دينية يتولي الاجابة فيها غراهام عبر عمود بعنوان اجابتي (My Answer). والملاحظ ان تلك الاعمدة لا يجيب فيها بنفسه بل يتولي تحبيرها فريق مرافق، وفي احسن الحالات يلقي عليها نظرة خاطفة.ومنذ مستهل نشاطه الاعلامي الديني ركز غراهام علي مسائل اساسية بالانتقاد مثل: المادية والشيوعية والقنبلة الذرية، فحاز سطوة دعوية علي غرار السطوة الفكرية التي كان يحوزها راينهولد نايبوهر، الذي ينعت بـ لاهوتي الازمة ومما مهد له الانطلاق في حملاته التبشيرية داخل الولايات المتحدة، فكانت اشهر حملاته الاولي حملة لوس انجلس، سنة 1949، والتي نال تكريما بموجبها مع رفاقه سنة 1950، اذ استقبل من طرف الرئيس الامريكي هاري ترومان. تلك الزيارة القصيرة مثلت منعرجا هاما في حياة بيلي، فعلي اثر ذلك وفي نفس السنة، كان اقرار بعث جمعيته الخاصة: جمعية بيلي غراهام الانجيلية (BGEA)، معتبرا القرار عملا الهيا لا خيارا ذاتيا. وعلي اثر بعث تلك الجمعية خصص لبيلي مرتب، بصفته راعي تجمع ديني. والمؤسسة تشغل اليوم قرابة 600 بمرتب ثابت، وعديد مئات المتعاونين.اجتياح العالم: مساعدة انسانية وتحالف مع كنيسة روماخطب غراهام امام 210 ملايين نسمة مباشرة، في 84 دولة مختلفة، كما استغل الاقمار الصناعية لمتابعة خطبه في دول مختلفة، فالرجل مولع بتوظيف التقنية المتطورة لابلاغ صوته. امتد نشاطه التبشيري علي مدي ستة عقود متواصلة، ولم يبلغ سطوته الدينية في الغرب، لا البابا يوحنا بولس الثاني ولا مارتن لوثر كينغ. فمما زاد شعبيته داخل المجتمع الامريكي تميزه عن غيره من الانجيليين التلفزيين، مثل بات روبرتسون، وجيري فالوال، وجيمي سواغارت، وجيم باكر، وفرانكلين غراهام، بالحذر الشديد من اصدار الاحكام المتسرعة علي المسائل الاجتماعية ما لم يحتضنها مناخ جامع. فخلال 1971 ـ 1972 حين تفجرت حركة المسيحيون الهيبـي (Gesus People)، لم يعارض غراهام تلك الحركة علي غرار الانجيليين الآخرين، بل سعي لرعايتها، مهيئا لها ظروف التقبل داخل الساحة الدينية الامريكية.ولتجاوز المجال الامريكي والخروج للساحة العالمية، كان لا بد من تخطي عقبتين:ـ الاولي، ارتهن تحقيقها باعطاء وجه انساني خيري لجمعيته، حتي تجد موضع قدم في مجتمعات مغايرة ثقافيا ودينيا، وايلاء المسألة الاجتماعية اهتماما في عظاته بعد ان كانت مهملة، وصار يردد باستمرار لا يمكن رؤية البعض يقودون الكاديلاك وآخرون يركبون عربات تجرها الثيران ويرجي ان يســـــود السلام في المجتــــمعات . ووقف وقفة صارمة ضد التميــيز العنــــصري في امريكا، منددا بـ (Jim Crow Seating)، اي ان يجلس البيض من امام والسود من خلف، وما يتــــضمنه من دونية واحتقار. وكــــان بعث جـــناح خيــــري مخـــــصص للمساعدة الانسانية العاجلة تحت اسم: (World Emergency Relief Fund) سنة 1973. وزع، خلال 30 سنة، اكثر من عشرة ملايين دولار، في اعمال خيرية لشعوب منكوبة بكوارث طبيعية وحروب. كما دفعت جمعيته 238000 دولار بعد الزلزال الذي ضرب الهند سنة 1977، مما سمح ببـــناء 238 مسكنا في مدينة صغيرة سميت سنة 1980 (Billy Graham Nagar)، ومما جعل رئيسة وزراء الهند السابقة انديرا غاندي تثني عليه علنا.ـ الثانية، مشروطة بتطبيع العلاقة مع الكنيسة الكاثوليكية، والتخلي عن التقليد العدائي المترسخ بينهما. فقد مرت علاقة غراهام بالتجمعات الكاثوليكية المتواجدة بالداخل الامريكي وبالكنيسة المركزية في روما بتطورات، فان كان يخيم التوتر علي علاقة غراهام بتلك الكنيسة في البداية، فقد شهدت تقاربا لاحقا، امتد الي التنسيق المشترك. برغم ترسخ عداوة تاريخية بينهما، باعتبار انتمائه الي التيار البروتستاني المنشق عن الكنيسة الكاثوليكية.فمثلا عند تولي الرئيس الامريكي جون كينيدي مهام البيت الابيض، دب تخوف بين البروتستانتيين جراء خشية انحراف امريكا عن تقاليد الآباء، ووقوعها تحت مظلة الفاتيكان، بعد امساك رئيس كاثوليكي بزمام الامور. حاولت عديد الشخصيات البروتستانتية الامريكية، عرقلة بلوغ كينيدي هرم السلطة، وعقدت لقاءات في سويسرا لتدارس الوضع، كان من بينها بيلي غراهام، لكن تلك المحاولات لم تؤت اكلها.كانت بداية التقارب مع الكنيسة الكاثوليكية عبر الكاردينال كوشينغ الكاثوليكي، الصديق الحميم لعائلة كينيدي، ثم تمتنت العلاقة لاحقا علي مستوي كنسي. فلا زال في اعين البروتستانتيين والكاثوليك، كل منهما منحرف ، وقد لاقي غراهام في سعيه للتقارب من الدوائر الكاثوليكية معارضة شرسة من الاوساط الانجيلية. ففي تصريح له في جامعة بلمونت اباي الكاثوليكية بكارولينا الشمالية، يقول غراهام: الانجيل الذي شيد هذه المدرسة هو الانجيل الذي قادني هنا مساء، فهو دائما طريق الخلاص . وتصريح غراهام كون الكاثوليكية تنبني علي نفس الكتاب الذي تتأسس عليه البروتستانتية، يعد في المقول الاصولي البروتستانتي انحرافا واعترافا بهرطقات، تصنف من الكبائر في اللاهوت البروتستانتي، مثل: الطقوس المريمانية، وعصمة البابا، والتراتبية الاكليروسية. والمتتبع لسيرة غراهام يلحظ تطورا في علاقته مع الكنيسة الكاثوليكية، تولد عن ادراك لديه ان التنسيق مع الكنيسة الكاثوليكية ضروري، وان المحافظة علي التصلب العقدي الاصلي مدعاة الي توليد آثار سلبية.فمسعي غراهام لاحتواء الكاثوليك الامريكان، وبالمثل مسعاهم لاحتوائه، هو ما دفعهما للتقارب، وتواصلت تلك المغازلة حتي منح الجامعة الكاثوليكية بلمونت اباي الامريكية، بيلي غراهام الدكتوراه الفخرية، سنة 1967.كان اللقاء الاول لبيلي بهرم الكنيسة الكاثوليكية، البابا يوحنا بولس الثاني، في 13 كانون الثاني (يناير) 1981. تحدثا معا ما يقارب نصف الساعة عن ظهور التيار الانجيلي، والتبشير، وعن مسؤولية المسيحيين امام الرهانات الخلقية المعاصرة. ثم كان اللقاء الثاني سنة 1982، جري اثناءه تناول تنسيق العمل في جبهة مشتركة ضد المعسكر الاشتراكي. ثم كان لقاء كانون الثاني (يناير) سنة 1990، الذي امتد علي مدي خمسة ايام، من الثامن الي الثالث عشر، طرحت اثناءه مسائل ما بعد الشيوعية وتحديات الالفية الجديدة. ونفس التقارب الذي خطاه مع الكاثوليكية سلكه ايضا مع الماسونيين (البناؤون الاحرار)، مما جلب اليه نقمة بعض الاطراف. وبالمثل فقد اثارت عليه مواقفه من بعض المسائل اللاهوتية غضبا، مثل تشجيعه، خلال سنوات 1980 ـ 1990، لعب النساء دور كنسي.الزيارة والبشارةتصعيد غراهام الي مستوي النجم المعولم للانجلة البروتستانتية، وبالمثل تصعيد البابا السابق يوحنا بولس الثاني الي نفس المستوي للانجلة الكاثوليكية، تطلب اتمام ربط مهمتي الزيارة بالتبشير، وما يتطلبانه من تقبيل الارض عند النزول واقامة القداس امام جمع غفير، والذي عادة ما يكون في ملعب، وغيرها من مظاهر الديكور المتقن بعناية. فقد كان ذلك هاجس المؤسسة الدينية الغربية، والجديد مع غراهام في زياراته، اعلانه الصريح باطلاق حملة صليبية (Crusade) تتطلع لتمسيح الناس، وربما ذلك ما منعه من الاقتراب من العالم الاسلامي لحساسية المسألة، واقتصرت حملاته علي الاوساط المسيحية التقليدية او المناطق الباهتة الحس الديني. ومفهوم الحملة الصليبية ، يعيد للاذهان صراع كنيسة روما مع بلاد الاسلام، التي تعد معقل الكفر والهرطقة، حسب زعم عباد الصليب، ولخطورة المفهوم وحساسيته تخلي ابن غراهام، فرانكلين، لاحقا عن التسمية واستعاض عنها بكلمة مهرجان .وقد اولي غراهام الزيارة اهتماما بعد اكتشافه بركاتها الفائقة، خصوصا بعد زيارتيه الاوليين الي انكلترا وفرنسا، اللتين خلفتا اثرا ملحوظا. فقد ساندت الف كنيسة لندنية الحملة، وتجمع للاستماع له آلاف في هارينغاي آرينا، الملعب المغطي الذي يحوي 12000 مقعد. كما احصي البوليس اعداد الزوار للملعب خلال اسبوع، بما يقارب 35000 شخص، وتمت دعوته الي زيارة مؤسسة BBC، والي عدة جامعات لندنية، وكذلك استقبل من طرف رئيس الوزراء وينستون تشرشل. خلال حملته التي استمرت ستة اسابيع، انخفض وزن بيلي سبعة كيلوغرامات. ثم كانت عودته الي لندن للتبشير في مناسبات عدة: سنة 1955، و1966، و1980، و1982، و1984، 1985، و1989.نجاح الحملة شجعه علي اتيان غيرها وتكرارها، نحو باريس وزوريخ وجنيف وروتردام وكوبنهاغن واوسلو وعدة مدن استرالية. وخلال 1956، وسع مجال زيارته الي الهند، والفلبين وهونغ كونغ وتايوان واليابان وكوريا. كما خطب ايضا في ساحة يوويدو في سيول في كوريا الجنوبية، وفي البرازيل، وسنغافورة، والمانيا الشرقية سابقا سنة 1982، وفي الاتحاد السوفييتي سنة 1984 وسنة 1988، وفي الصين سنة 1988، وفي المجر سنة 1989.كان اسقف كراكوفيا، كارول ووجيتيلا، بابا كنيسة روما المستقبلي يوحنا بولس الثاني، احد العاملين النشطين الذين هيأوا مجيء بيلي غراهام الي بولونيا. واللافت في زياراته عدم توجهه الي اي بلد اسلامي. وبعد ان ارهقته الشيخوخة واعياه السفر، يحاول غراهام اطلاق حملاته الصليبية عبر الانترنت.وبرغم ان بعض المهتمين يعتبرون بيلي اوشك علي الانتهاء، فان الرجل يبقي فاعلا ونافذا في الوسط الامريكي، لما يمثله من مرجعية بين البروتستانتيين الانجيلين، ومن تأثير علي الرأي العام والاوساط الاعلامية والسياسية. فعلي اثر احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001، طلب منه جورج بوش اعداد قداس في كاتدرائية واشنطن حضرته النخبة السياسية، مما يدل علي بقائه شخصية مؤثرة في امريكا. وقد حمل نجاحه العديد علي تقليده واقتفاء خطاه، ففي الراهن الحالي نجد ابرز مقلديه المبشر الالماني اولريخ برزاني، الذي يحذو حذوه، مدعيا انه تعلم منه ان الملاعب احسن للتبشير من الكنائس.سؤال ارث غراهام ومستقبل الهيكل الانجيلي الذي اسسه يقلق انصاره، فالرجل كان وراء لجنة لوزان ومختلف شبكة مراكز تكوين الانجيليين، وشهرية (Christianity Today) الواسعة الانتشار، ومجلة قرار التي توزع بست لغات مع نسخة اضافية بكتابة براير للعميان، ومركز بيلي غراهام، ومعهد غوردن كونوال. وبرغم تقدم ابنه فرانكلين لوراثته فلا يبدو الشبل من هذا الاسد، وربما تبقي ابنته آن غراهام لوتز الاقرب له من حيث المهارة الخطابية والتحفز الديني، ولكن يبقي ما يميز الابن فرانكلين غراهام شراسته العالية ضد الاسلام.التليفانجليست والرئيسعلي خلاف غيره من المبشرين لم يقد غراهام ولم ينشط تجمعا سياسيا بشكل مباشر، فقد رفض الدخول ضـــمن لعبة اليمـــــين المسـيحي الجديد (New Christian Right)، المتبلور في كتلة الاغلبية الاخلاقية (Moral Majority) لجيري فــــالوال، او فــــــــي التحـــــــــالف المسيحي (Christian Coalition) لبات روبرتسون، وبقي ضمن اليمين المسيحي بشكل واسع، اذ اختار نهجا آخر في التأثير علي مراكز النفوذ عــــبر الاشتغال علي ما عرف بـ الدين المدني (Civil Religion) والاقتراب المباشر من الرؤساء، مما جعل الرئيس رونالد ريغن يقلده الميدالية الرئاسية للحرية في 23 شباط (فبراير) 1983، وهو اعلي وسام مدني امريكي يحصل عليه الفرد جراء خدمة مدنية للولايات المتحدة. والدين المدني هو عبارة عن ظاهرة من التقوي الجماعية، استلزمت اعلاء عناصر شتي يتقدس بها الكيان العام للمجموعة. وهو دين يعيد قراءة الميراث الاسطوري الديني بتأويلات جديدة، كالخروج والشعب المختار والارض الموعودة واورشليم الجديدة والموت الاضحوي والميلاد الجديد. فان يكن العديد نشطوا في هذا التوجه الديـــــني الاجتماعي، مثــل لاهوتيي الحرب الباردة راينولد نايبــــور؛ او فوستر دولز مدير المجلـــس القــــومي للكنائس (National Council of Church)، الذي صار سكرتير دولة لدي ايزنهاور؛ او كذلك الكاردينال الكاثوليكي فرانسيس سبالمان (1889 ـ 1967)، المعادي الشرس للشيوعية؛ او الكاردينال ريشارد كوشينغ (1895 ـ 1970)، المقرب من عائلة كينيدي؛ او في الفترة الحديثة، القس جيس جاكسون. فانه لا وجود لاحد من الكنيسة الامريكية ضاهي تأثيره ما بلغه غراهام، سواء علي قلب البيت الابيض او علي المجتمع الامريكي، اذ نسج غراهام علاقات متطورة مع جل الادارات الامريكية الحاكمة ورؤسائها. فقد كان يلعب كرة الصولجان مع ايزنهاور وكينيدي ونيكسون وفورد. سنضرب امثلة علي تلك العلاقات، كانت لغراهام فرصة اللقاء بهاري ترومان (1884 ـ 1972) في البيت الابيض سنة 1950. ولكن قلة تجربة المبشر في البداية، دفعته لافشاء ما دار بينه وبين الرئيس من حديث امام الملأ، مما جعل العلاقة ينتابها الفتور. انتقده ترومان وهو في سن السابعة والسبعين، قائلا: لم يكن غراهام صديقي، فكل ما يعنيه ان يظهر اسمه علي اعمدة الصحف .في حين مع ايزنهاور كانت العلاقة متينة، واثناء فترة رئاسته بدأ يظهر جليا ما سمي بـ حضور الرب في البيت الابيض . فمنذ 1951، وتحت تأثير المحافظ التكساسي سيد ريشاردسون الذي شكل لوبيا لصالح المرشح ايزنهاور في انتخابات 1952، اذ كان ريشاردسون هو من دفع بغراهام نحو ايزنهاور.سنة 1990 عندما طلب بوش الاب مشورة من غراهام اثناء التحضير لغزو العراق، كان جواب المبشر: اجل، لانها حرب عادلة . كان في الاحداث العظام التي تهز امريكا الرجل البارز، فاثناء تفجير اوكلاهوما سيتي في 19 نيسان (ابريل) 1995، الذي خلف 168 قتيلا ومئات الجرحي، كان غراهام المكلف بمراسم العزاء تخليدا لذكري الضحايا. كما كلف في وقت سابق بزيارة الجنود الامريكان في الحرب الكورية وفي حرب فيتنام. وتولي مساندة الجيش الامريكي التي عبر عنها هاتفيا لكولن باول والي رئيس الاركان في عملية عاصفة الصحراء في بداية حرب الخليج، في 17 كانون الثاني (يناير) 1991.وربما الحدث الهام الذي يربطه بالرئيس الامريكي الحالي، ان الرجل كان وراء خروج جورج بوش الابن من حالة الادمان وتحوله الي مهووس ومغال ديني. فقد كان موقظ الوعي الديني لدي بوش، ولذا نشأت صلات حميمة بين الرجلين. كان لقاء بوش الاول مع غراهام سنة 1985 عندما نزل الاخير ضيفا علي عائلة بوش عندها جرت محادثة بينهما. اثناء تلك المحادثة زرع المبشر حبة خردل في روحه، كما ذكر جورج بوش الابن في كتابه تولي مهمة ، المنشور بنيويورك، سنة 1999، ص: 136. بكلماته يؤكد بوش: اطلق ـ المبشر ـ تغييرا في القلب… وكانت بذلك انطلاقة التغير في حياتي . وعندما سأله المبشر ان كان يراعي حدود الرب، رد بوش الابن انه ما كان دائما حسن الاستقامة، وان له حساً بنقصان شيء لديه. فطلب منه غراهام وضع حياته بين يدي الرب. لم يكن الميلاد الجديد لبوش في التو بل تطلب حولا، فعشية الاحتفال بعيد ميلاده الاربعين مع ثلة من الاصدقاء في كولورادو، قرر التوقف عن الشرب. وانطلق في مشواره الحافل بورن أغين .تكاد تكون سوسيولوجيا الاديان في البلاد العربية منعدمة لولا بعض الدراسات المتناثرة في الشأن، برغم ان اقسام علم الاجتماع وكلياته لا يخلو منها بلد عربي. استغرب واتساءل ـ حين احاول رصد الكتابات العلمية في الدين في البلاد العربية ـ عن الاهتمام المركزي الذي يشغل علم الاجتماع العربي، فان لم يكن الدين مركزه ومحوره، فأين الجدوي مما يدرس ويعلم للنشء، والاشكاليات الاجتماعية التي يعيشها العرب والمسلمون، في تاريخهم المعاصر، تكاد تكون دينية، او ذات مسببات دينية مباشرة، والعقد الاجتماعية التي تستعصي علي الحل تكاد تكون دينية، والتفجرات الاجتماعية ذات منبع مشابه، والتحولات الاجتماعية تبدو ارهاصاتها دينية، ولكن برغم ذلك فان الاستحواذ علي الدراسة الدينية ما زال في حيز كلية الشريعة و الجامعة الاسلامية ، الغائبتين المغيبتين.ذلك شأن علم الاجتماع في صلته بالظواهر الدينية الداخلية في البلاد العربية، فكيف الحال اذا ارجعنا البصر الي الظواهر الدينية العالمية ومختلف تفرعاتها، من احزاب ومؤسسات ونحل وافكار ومناهج وشخصيات، فهل يفقه العربي ابجدياتها؟ من باب الاطلالة علي ذلك الضروري المهمل، تناولنا بالدراسة شخصية دينية في امريكا، كان لها الاثر النافذ علي المجتمع والسياسة طيلة منتصف القرن الفائت ولا زالت الي الراهن الحالي من الالفية الجديدة.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية