تأكيد وزارة الدفاع البريطانية انباء انسحاب القوات البريطانية من قاعدة القصر الرئيسية في مدينة البصرة هو اول اعتراف حقيقي وعملي بفشل مشروع الاحتلال الامريكي في العراق، مثلما هو اول تسليم بالهزيمة العسكرية بعد التسليم بالهزيمة السياسية.
الانسحاب سيكون دون ادني شك صدمة للرئيس الامريكي جورج بوش وجماعة المحافظين الجدد المحيطين به، لانه يأتي في اكثر اللحظات حرجا بالنسبة الي الادارة الامريكية، وقبل ايام معدودة من موعد تقديم الجنرال باتريوس قائد القوات الامريكية في العراق تقريره الي الكونـــغرس الـذي يقيم فيه المشروع الامريكي وفرص نجاحه او فشله، ويوصي فيه بالانسحاب او زيادة عدد القوات.
الوجود العسكري البريطاني في جنوب العراق كان مفخرة من حيث الانجاز، ونموذجاً في التعايش بين المحتلين وابناء المنطقة، وفسر الكثير من الخبراء هذه الظاهرة المناقضة كلياً لنظيرتها الامريكية في مناطق اخري، بانها تعود الي الخبرة البريطانية في التعامل مع القبائل، بطريقة تؤدي الي تحييدها، اذا لم يتأت كسبها.
ويمكن القول ان هذه الخطوة هي اول اشارة علي حرص غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا الجديد علي وضع مسافة بينه وبين ارث سلفه توني بلير، والتأكيد علي اتباعه سياسة مستقلة عن الادارة الامريكية ومغامراتها العسكرية في المنطقة، والعراق علي وجه الخصوص.
براون ادرك دون ادني شك ان الحرب في العراق لا يمكن كسبها، وان الهزيمة وقعت، ولم يبق غير اعلانها رسمياً، ولهذا قرر القفز من السفينة الامريكية الغارقة باقل قدر ممكن من الخسائر، وهذا يكشف عن نظرة استراتيجية صائبة، ومواصفات قيادية من طراز رفيع تفسر ارتفاع شعبية حزب العمال الحاكم بقيادته، واتساع الفارق بينه وبين حزب المحافظين المعارض حسب استطلاعات الرأي الاخيرة.
القوات البريطانية فشلت في السيطرة علي البصرة وجوارها، لان الشعب العراقي ادرك انه تعرض لخديعة كبري من قبل الادارة الامريكية والشخصيات العراقية المعارضة التي عادت الي العراق علي ظهور دباباتها، فقد اغرقه هؤلاء بالوعود حول الرخاء والاستقرار والديمقراطية والامان، ولكن النتائج جاءت معاكسة تماماً، فالامن معدوم، وارقام الضحايا من القتلي والجرحي في ارتفاع، والبلاد باتت غارقة في حرب طائفية دموية مرعبة، والفساد بلغ معدلات قياسية.
ومما زاد من صعوبة مهمة هذه القوات الصراع الدموي بين الميليشيات الشيعية علي الحصص النفطية، وعلي اماكن السيطرة والنفوذ، خاصة بين التيار الصدري بزعامة السيد مقتدي الصدر والمجلس الاعلي بقيادة السيد عبد العزيز الحكيم، وبين الاثنين وحزب الفضيلة.
الحكومة البريطانية تبدأ اليوم بخطوة الانسحاب هذه اسدالا للستار علي مغامرة عسكرية مدمرة لها ولسمعتها في العراق، وربما تكون مقدمة لانسحاب آخر قريب، ولو جزئي، من افغانستان، بسبب تصاعد الخسائر البشرية في صفوف قواتها في اقليم هلمند في الجنوب ايضا، وفشل القوات الاضافية التي ارسلتها الي هناك وتعدادها خمسة آلاف جندي في انجاز مهمتها في القضاء علي زراعة المخدرات وتجارتها، حيث اثبتت احصاءات الامم المتحدة زيادة تصل الي خمسين في المئة في العام المنصرم فقط.