الانقسام السياسي في لبنان يتمدّد على وهج حرب الجنوب: «عنف كلامي» و«خطاب كراهية» و«ضيق صدر»

رلى موفّق
حجم الخط
0

لم تقتصر الحرب في لبنان على جبهته الجنوبية واحتمال تمددها، فالصواريخ والمسيّرات والمدفعية وكل أشكال العنف المجنون وضحاياه لم يخفِ حروباً من نوع آخر وربما أشد إيلاماً… إنه العنف السياسي والأهلي الذي تختزله معادلة «القمع والحرية» التي انفجرت على وهج المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، والموقف من مبادرة «الحزب» إلى فتح جبهة جنوب لبنان في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتفرده بالقرار نيابة عن جميع اللبنانيين، واقتياده البلاد إلى مغامرة عسكرية يصعب التكهن بنتائجها.
فـ»حزب الله» الممسك بالإمرة الاستراتيجية في البلاد وبقرار «الحرب والسلم» سارع غداة «طوفان الأقصى» إلى فتح جبهة جنوب لبنان تحت شعار «المساندة لغزة» أو «المشاغلة للجيش الإسرائيلي» قبل أن تتدحرج المواجهات إلى الحد الذي يشي بإمكان الانزلاق إلى حرب واسعة، أو ما يُعرف بـ«الحرب الإقليمية»، في الوقت الذي يُعاني فيه لبنان أزمات غير مسبوقة في تاريخه، كالانهيار المالي – الاقتصادي وتلاشي مؤسسات الحكم وما شابه.
ولم يكن مفاجئاً في بيروت الاعتراض السياسي الواسع على استدراج «حزب الله» الحرب إلى لبنان بعدما أخذ ما يُعرف بـ«قواعد الاشتباك» بالتلاشي في الجغرافيا والتوحش، وهو اعتراض عبَّرت عنه قوى سياسية ونخب ووسائل إعلام وفئات اجتماعية رأت في تفرُّد الحزب، ربطاً للبنان بـ«وحدة الساحات» انسجاماً مع المشروع الإقليمي لـ«الحزب» بقيادة إيران، ومجازفة لن ينجو منها الوطن الصغير.
كما لم يرق لـ«حزب الله» هذا الاعتراض في بلاد اعتُبرت تاريخياً موئل للحريات السياسية والعامة، فأطلق عبر نشطائه والقريبين منه حملات تخوين وتهويل أشاعت أجواء قمع لم تنج من سهامها أحزاب وشخصيات سياسية وإعلامية، الأمر الذي عمَّق الانقسام وجعله أكثر حدة رغم محاولة بعض القوى السياسية مداراة اللحظة الحرجة لحفظ خط الرجعة تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

مظاهر وظواهر

المظاهر عديدة على حجم خطاب الكراهية والعنف اللفظي وحال الغضب التي تعتري صدور اللبنانيين وعدم قدرتهم على التحمّل، وظواهر العنف تزداد ومعه تزداد حالة القلق والخوف من انفلات أوسع يُحوِّل البلد إلى شريعة غاب يصبح معها العيش فيه مستحيلاً في ظل انهيار الدولة ومؤسساتها.
ما يعيشه مجتمع «بلاد الأرز» يحمل في طياته كماً من عداء اللبنانيين لبعضهم البعض. في رأي الباحثة والناشطة السياسية الدكتورة منى فياض أن أي ظاهرة من الظواهر في المجتمع لا يكون لها سبب واحد إنما أسباب أو عوامل عديدة، لا يمكننا إحصاءها كلها، وكل عامل يلعب دوراً، وعندما تتجمع مع بعضها البعض تحدث العاصفة، كما الحال مع الطبيعة. فلبنان منذ نحو 3 أو 4 سنوات يشهد انهياراً على جميع الأصعدة، بمعنى أن اللبنانيين أُفقروا، والعنف يُمارس عليهم وليس عندهم خدمات. ولا توجد آفة أو مشكلة يمكن أن يُعاني منها مجتمع إلا ويُعاني منها المجتمع اللبناني ليس من الآن إنما منذ فترة. هذا الأمر انبثقت عنه ظواهر عنف، وسنشهد ظواهر عنف أكثر، لأن أسباب العنف تتراكم، وليس هناك بارقة أمل، ولا أحد يُقدِّم أي خطوة تُساعد على حل أي مشكلة، في وقت بلغ الانقسام في المجتمع اللبناني درجة أن الناس لم يعد بمقدورها التفاهم مع بعضها.
المظاهر والظواهر من كل حدب وصوب باتت لا تُعد ولا تُحصى «والخير لقدام»: فلم يكن قد جفَّ حبر خبر حصول الإعلامي المقرَّب من بيئة «حزب الله» قاسم قصير على شهادة دكتوراه من جامعة القديس يوسف، وحديثه عما اكتسبه من تجربة الحوار الإسلامي – المسيحي، حتى طغت حادثة انسحابه من إحدى حلقات الحوار التلفزيوني التي جمعته بالأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت د. مكرم رباح. فعلى رغم التعاطي مع قصير على أنه شخصية حوارية تعكس موقف تلك البيئة، فإنه عبَّر عن ضيق صدر في مستهل مداخلة لرباح مناهضة لـ«حزب الله» عندما قرر الانسحاب.
وفي مناسبات أخرى، جرى هدر دم شابة ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى عدم استقبال النازحين من بيئة «حزب الله» ما دام لسان حال هؤلاء: «فِدا السيّد». وخرجت سيدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتذكر بأنه إبان حرب تموز/يوليو 2006 فتحت بيروت بيوتاتها للنازحين الموالين لـ«حزب الله» الذي ردَّ التحية باجتياح بيروت عسكرياً في 2008.
حتى إن مستوى التخاطب السياسي بات يؤشر على حجم الاحتقان الداخلي. فقد كانت صادمة وغير مألوفة في التخاطب السياسي والإعلامي ألفاظ «مسطول، وأهبل، وسطحي، وسخيف» التي استخدمها مسؤول جهاز الإعلام في حزب «القوات اللبنانية» شارل جبور في ردّه على كلام لوزير الإعلام زياد المكاري المحسوب على رئيس تيار المردة سليمان فرنجية بأن الأخير أعطى براءة ذمة لسمير جعجع (رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع) من باب الغفران في ملف طوني فرنجية، وذلك دون مقابل وثمن سياسي. وكان المكاري يُشير بذلك الى مجزرة إهدن التي ذهب ضحيتها والد ووالدة وشقيقة سليمان الصغير الذي نجا لمصادفة وجوده في منزل جده رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية.

استعلاء ومكابرة

وفيما تعلو نبرات «ما بيشبهونا» و«ثقافة الحياة مقابل ثقافة الموت» و«ما فينا نعيش معهم» في إشارة إلى بيئة «حزب الله» يذهب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، وبشكل متعمّد، إلى تسخيف الاعتراض على الحرب ومعارضة المضي فيها، وازدراء القوى السياسية المناهضة لخياراته.
ويحرص «حزب الله» في خطابه على تقديم بيئته كـ»أشرف الناس» ما يجعلها في وضعية تَـقابُـل مع البيئات الأخرى، السنيّة التي بدت مهادنة لارتباط الصراع الحالي بنصرة غزة، والدرزية التي جاهرت بمعارضتها للحرب لكنها قررت إعلاء «الوحدة الوطنية» في مواجهة جنوح إسرائيل نحو توسيع الحرب، أما المسيحية فإنها كانت أكثر ميلاً للاعتراض على سلوك «حزب الله» وخياراته وبـ»الصوت العالي».
الاعتراض المسيحي على خيار «حزب الله» الزج بلبنان في أتون الحرب، تقاطعت حوله القوى الرئيسية كـ»القوات اللبنانية»، وبدرجة أقل «التيار الوطني الحر» كما تجمعات وشخصيات مؤثرة، الأمر الذي جعل «حزب الله» والمسيحيين وجهاً لوجه وسط صعود خطاب الكراهية على نحو نافر، واقترانه بتلميحات من «الحزب» والقريبين منه بأنه لن يتسامح مع معارضيه في اللحظة التي تهدأ فيها المدافع.
تقول فياض، الأكاديمية في علم النفس، أن المشاكل والصراعات تُحل عندما نجلس إلى الطاولة ونتكلم، ولكن ما نلاحظه أن في لبنان لا أحد يستطيع التفاهم مع الآخر. وتسأل: كم مرة انعقدت طاولة الحوار من دون نتيجة؟ ولماذا الآن ستكون لها نتيجة؟ اللبناني مُلوَّع لأن كل المحاولات التي تحصل تكون من دون نتيجة. لماذا؟ لأنه كيف يمكن لبلد أن ينهض وهو واقع تحت سيطرة مجموعة مسلحة من قبل بلد خارجي وهي تضع يدها على البلد، وبالتالي هناك أماكن الناس فيها لا تستطيع الاعتراض أو إبداء أي اعتراض على سلوك هذه الفئة، فيصبح أسهل عليك أن ترمي العنف الذي بداخلك أو الذي تكابده على الآخر، أي يصبح الآخر هو الشر المطلق. وتضيف: كل طرف لبناني يريد أن يكون الطرف اللبناني الآخر هو «كبش المحرقة» حتى لا يضع المشكلة داخله. بالنسبة إلى فياض، هناك أفراد لا يزال من غير الواضح عندهم ما هي المشكلة، ولكنَّ هناك أناساً تعي السبب الحقيقي للمشكلة، إنما تخاف من مواجهتها، فتجد متنفساً من حولها من خلال الأشخاص الأضعف منها الذين تستطيع التنمّر عليهم وتظهر كراهيتها لهم، و«تفشّ خلقها فيهم».

التاريخ يُعيد نفسه

يقول رئيس جمعية «محاربون من أجل السلام» زياد صعب، وهو من المحاربين الشيوعيين القدامى الذين خبروا الحرب على مدى سنواتها الخمس عشرة، وينشط مع جمعيات أهلية هدفها تثبيت السلم الأهلي: عقب «أحداث 7 أيار 2008» (يوم اجتاح «حزب الله» بيروت وبعض مناطق الجبل سعياً لكسر قواعد اللعبة وإملاء خياراته على خصومه في إدارة السلطة) كانت لدينا «نَقْزة» من احتمال الذهاب إلى الهاوية، وهو خوف تكرر مع خطوط التماس التي نشأت في الشمال بين باب التبانة السنية وجبل محسن العلوية واشتدت معاركها في 2012. يومها اجتمعنا كممثلين عن تلك الجمعيات في تجمع اسمه «وحدتنا خلاصنا» وشكّلنا هيئة تنسيق، وكان قرارنا أن نأتي بمقاتلين سابقين حتى يدلوا بشهادتهم حول الحرب الأهلية ونوجّه رسالة منهم إلى المقاتلين الجدد الذين ينشطون في الـ2012 في منطقة الشمال، ولا سيما أن 5 من أصل 8 من هيئة تنسيق التجمع هم مقاتلون سابقون من خلفيات حزبية متعددة.
وجَّه هؤلاء رسالة من «مقاتلي الأمس إلى مقاتلي اليوم» وفيها دعوة لهم بأن «لا تكرروا تجربتنا لأن ساعتها لا يعود ينفع الندم، ومهما كانت القضية سامية، لن تأخذكم إلا إلى المزيد من الخراب». وقلنا لهم إن القواسم المشتركة بيننا أكبر بكثير من الخلاف مهما كانت القضايا التي نعتقدها. أتصور أن لا إمكانية للعنف إلا أن يؤدي إلى نقيض هذه القضايا مهما كانت سامية. ووجهنا رسالة أيضاً إلى المقاتلين السابقين، لأن الذين ينشطون على قضية «بناء السلام» هم أقلية بالمقارنة مع عدد المقاتلين السابقين الذين ما زالوا على قيد الحياة حتى اليوم، لكن قسماً كبيراً منهم أنجزوا قراءة نقدية لتجربتهم لكن لم يطرحوا على أنفسهم أي فعل حتى يساهموا فيه، وقسم آخر ما زال حتى اليوم، هو البطل. بالنسبة له الحقيبة التي يحملها على ظهره ما زالت تحتوي على أجوبة من الماضي، لأنه هو تكوَّن بسبب الماضي. وسيرفض إنزالها إذا لم تكن لديه رؤية جديدة للمستقبل.
هل الواقع اليوم هو بنفس مخاطر الـ1975؟ يُجيب صعب: أنا أقول إنه أكبر. لم تكن حينها بهذا الحجم. وحتى القضايا المختلف عليها لم تكن بهذا الحجم أيضاً. أنا أتكلم عن الموضوع الاقتصادي – الاجتماعي. على الأقل (كبسة الزر الموجودة في الحائط) أيامها كانت تعطي الكهرباء على مدار الساعة، لكن الآن إذا لم تكن لدى المواطن طاقة شمسية أو اشتراك بالمولد أو UPS فلا يحصل على الكهرباء. والرواية نفسها بالنسبة للمياه، التي كانت متوفرة في الماضي أما الآن فعلينا أن نشتريها. أنا أتكلم عن الجانب الاجتماعي، لكن هذا لا يعني أنه لا يحق للناس أن تقوم بنضالها حتى تُحسِّن الواقع القائم. هذا لا يعني أن نقعد مكتوفي الأيدي. لكن السؤال هو: ما هي الوسيلة لإمكانية تحقيق الأهداف؟
وصعب الذي كان قائداً عسكرياً في «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بعد اجتياح 1982 الذي وصل إلى العاصمة بيروت، يعتبر أنه في بداية حرب الـ75، وبغض النظر عن الوسائل العنفية التي استخدمت لتحقيق الأهداف، كانت هناك قضايا كنّا نطمح لإمكانية تحققها في البلد، وذات بُعد. على الأقل على المستوى اللبناني، الذين شاركوا في الحرب الأهلية، كانت قضاياهم وطنية لبنانية، لكن السؤال الآن، هذه القضايا المقترحة، وأنا لست في إطار التسخيف، وغير مسموح لي تسخيف القضية الوطنية الفلسطينية، إنما قمنا بنقد لتجربتنا، وأننا بدَّينا القضية الوطنية الفلسطينية على القضية الوطنية اللبنانية. برأيي هذه هي المشكلة، كما أن الحروب التي على أساسها بدأت الحرب، لم تكن ذات طابع ديني. الآن هناك أيديولوجيا دينية من المستحيل أن لا تستدعي أيديولوجيا دينية أخرى. وأحياناً تشعرين أنهم يخدمون بعضهم بمواقفهم دون حاجة الجلوس إلى طاولة واحدة.
حين انتهت الحرب اللبنانية، لم تتم مصالحة وطنية حقيقية، بل حلّت محلها محاصصة وطنية – طائفية. والمصالحة الوحيدة التي أُنجزت هي في جبل لبنان. لكن صعب يرى أن هذا لا يكفي لأنه لم يتم العمل على مستوى الجذور لإمكانية حل المسألة، التي هي ليست مهمة جمعيات بل مهمة السلطة السياسية التي لم تعمل بأي لحظة باتجاه المصالحة الوطنية مثل تجارب كل دول العالم التي خاضت حروباً أهلية، من رواندا إلى إيرلندا إلى جنوب أفريقيا، ولم تقم بأي خطوة بهذا الاتجاه. بارقة الأمل عنده أنه كلما اشتد الاحتدام السياسي وتعالت دعوات العنف والانفصال والتفرقة، يرى توقاً لدى الجيل الجديد لأن يسمع لغة مختلفة تقوم على التلاقي، وعلى بناء الدولة وبسط سيطرتها المسلحة ومؤسساتها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية واحترام الدستور، وهذا يظهر معه من خلال النشاطات التي قامت بها «جمعية محاربون من أجل السلام» في الآونة الأخيرة.
الخوف من استمرار مكابرة فريق يظن أنه بسلاحه قادر على أن يستمر في فرض سطوته على البلاد حتى ولو أدت مغامراته ومشاريعه «الما فوق لبنانية» إلى دمار لبنان، واستقالة الآخرين من ضرورة حماية لبنان ما دام «الكانتون الافتراضي» بخير، ويأس شرائح واسعة من اللبنانيين بقدرة العيش بكرامة في لبنان، فكانت الهجرة ملاذها. وفي المحصلة بلد يتلاشى الى حدود أنه لم يعد موجوداً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية