لم يمنع تبني تركيا التعددية السياسية ومبدأ تداول السلطة بشكل سلمي، كمنهج للحكم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية من وقوع عدة انقلابات عسكرية فيها، ولعل من أبرزها الانقلاب الذي قاده كنعان افرين ضد حكومة سليمان ديميريل في 12 سبتمبر/أيلول عام 1980، كما لم تشفع تجربة أول حكم ديمقراطي في مصر بعد انتفاضة 25 يناير/كانون الثاني عام 2011، لدى وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي عن القيام في 3 يوليو/تموز 2013 بالانقلاب العسكري على رئيس الجمهورية السابق محمد مرسي. وفي هذا السياق فإن عجائب ظاهرة الانقلابات العسكرية في حالة صيرورة مستمرة، فعلى الرغم من الفارق الزمني الذي يمتد إلى أكثر من ثلاثة عقود بين الانقلابين إلا ان هناك أوجه تشابة كبيرة واختلافا ضئيلا بينهما: فأوجه التشابة بينهما: ـ قام كل من قائد الانقلابين قبل انقلابيهما بتوجيه بيانات عسكرية للسلطة الحاكمة والمعارضة، تطالبهما بإنهاء حالة الصراع السياسي في الدولة. ـ كلا الانقلابين تذرعا في الحفاظ على التراكيب الاجتماعية والاقتصادية في دولتيهما، ففي الحالة التركية تذرع قائد الانقلاب في حالة عدم تدخله بالفوضى المحدقة نتيجة الصراع السياسي في تركيا، أما في الحالة المصرية فقد كانت ذريعة الانقلابيين في حال عدم تدخلهم نتيجة الانسداد السياسي بين السلطة الحاكمة والمعارضة، نشوب حرب أهلية في مصر. ـ في الحالة التركية وباسم الحفاظ على ‘الكمالية’ أنهى الانقلاب كل الحوارات والمناظرات السياسية التي كانت تتم في الجامعات والمدارس، وفي الصحافة أيضًا، فكتّاب الأعمدة الصحافية السياسية، الذين كانوا يتناولون الواقع التركي بصورة انتقادية، أضحت كتاباتهم بعد الانقلاب تقتصر على تناول مطاعم استانبول ومباريات كرة القدم. أما في الحالة المصرية فبُعيد الانتهاء من قراءة بيان الانقلاب قامت الأجهزة الأمنية المصرية بإغلاق الفضائيات المصرية الرافضة للانقلاب، فعلى سبيل المثال أغلق قناة ’25 يناير’ الناطقة باسم حزب الحرية والعدالة. وأصبح الإعلام المصري بشقيه الحكومي والخاص وبكل تنوعاته في حالة نمطية شغلها الشاغل تمجيد الانقلاب، وعدم السماح بالظهور في ذلك الإعلام، لرأي يخالف التوجه العام المؤيد للانقلاب. ـ في الحالة التركية اعتقلت سلطة الانقلاب غالبية السياسيين المناوئين، فعلى سبيل المثال اعتقلت بولنت أجاويد، وسليمان ديميريل، ونجم الدين أربكان، كما اعتقلت آلاف المثقفين والنقابيين. أما في الحالة المصرية لم تتوان للحظة عن اعتقال أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، فعلى سبيل المثال اعتقلت سلطة الانقلاب المرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر واعتقال أعضاء من حزب الحرية والعدالة، حلمي الجزار، كما توسعت دائرته لتشمل رئيس حزب الوسط أبو علا ماضي ونائبه عصام سلطان، والقائمة تطول. ـ نظرًا لكون ظاهرة الانقلاب تعد شكلا من أشكال التغيير السياسي العنيف، لذا لم يخل الانقلابان من حالات القتل، ففي الحالة التركية قتلت حكومة الانقلاب العسكري العديد من اليساريين، كما مات أورهان آبايدان رئيس- آنذاك- نقابة محامي اسطنبول، والمحامي السابق لرئيس الوزراء التركي الأسبق عدنان مندريس، والمغنّي روحي صو، الذي أحدث أداؤه ثورة في الموسيقى الكلاسيكية التركية، من جراء تدهور حالتهما المرضية خلال مدة اعتقالهم. أما في الحالة المصرية فالقتل كان الأسلوب المتبع في مواجهة الرافضين للانقلاب العسكري في مصر وما القتلى الذين سقطوا نتيجة فض اعتصامي ميداني رابعة والنهضة في اغسطس/ آب الماضي من العام 2013، وقتل المتظاهرين في مختلف المحافظات المصرية وآخرها قتلهم في الذكرى الثالثة لانطلاق انتفاضة 25 يناير2011، إلا دليل على ذلك النهج. ـ صياغة الدستور وهو من أهم أعمال حكومتي الانقلاب العسكري، فالدستور التركي لعام 1982، سن من قبل مجلس تأسيسي معين، والدستور المصري الذي تم استفتاء عليه في مطلع هذا العام، سن أيضًا من قبل لجنة الخمسين المعينة، أما عن مواده المتعلقة بالمؤسسة العسكرية فقد وضعتها فوق الدولة والوصي عليها في كلتا الدستورين. ـ في الحالة التركية تضمن دستور عام 1982، مادة شرطية نَصّت على فرض الحظر على جميع من كان في سدة الحكم أو في المعارضة بتاريخ 12 سبتمبر/أيلول 1980، من المشاركة السياسية لمدة عشر سنوات، أما في الحالة المصرية فقد أصدرت حكومة الانقلاب قرارًا اعتبرت فيه جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، ومن ثم لا يحق لها مزاولة العمل السياسي، إلا إذا ألغته نتيجة لتغير الظروف الداخلية والخارجية. ـ كلتا السلطتين كثفت جهودها لإقناع الجماهير بالنزول من أجل التصويت على مسودة الدستور بكلمة’ نعم’. إذ عدت كلمة’لا’ في الاستفتاء عليه خيانة للوطن. وما ترجته السلطتان منه قد تحقق، ففي الحالة التركية بلغت نسبة كلمة ‘نعم’ 92 في المئة من الأصوات المشاركة في الاستفتاء، أما في الحالة المصرية فقد بلغت نسبة ‘نعم’ 98.1 في المئة. أوجه الاختلاف بين الانقلابين: أصبح كنعان إفرين قائد الانقلاب العسكري في تركيا، رئيسا لجمهورية تركيا في اليوم الذي وقع فيه الانقلاب، في حين حافظ قائد الانقلاب العسكري في مصر على منصبه وزيرًا للدفاع في الحكومة التي تشكلت بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي وحكومته. ويبدو أن منصب رئاسة الجمهورية في مصر يتهيأ لاستقباله بعد بيان القوات المسلحة المصرية في 27 يناير عام 2014، الذي يفوضه للترشح لذلك المنصب. في الحالة التركية، منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا بتاريخ 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، وهو يخوض صراعا مريرا من خلال حكومته مع المؤسسة العسكرية، لإنهاء وصايتها على النظام السياسي للدولة، وتأكيد مبدأ سيادة السلطة المدنية عليه. أما في الحالة المصرية يبدو أن النظام السياسي في مصر يؤسس لنظام حكم إذا ما قورن بحكم مبارك قد نظلمه