الانكسار في عيون المصري له حل: المقاومة لإسقاط الدولة.. هي الحل

حجم الخط
0

هويدا طه

شيء ما.. جعل ثلاث مشاهد مصرية عرضتها الفضائيات هذا الأسبوع تتداعي وكأن كل منها يستدعي الآخر.. قد تدهش في البداية وتتساءل وما العلاقة بينها.. لكن سرعان ما تلمسه علي اختلاف الصورة واللون فيها.. واختلاف الزمن والوجهة والظروف.. رابط قوي قد يحيلنا إلي نتيجة ما، أولها صور حادث تصادم قطارين في شمال القاهرة وتعليقات المواطنين عليها والتي لم تخل منها نشرة أخبار في آية قناة تلفزيونية، وثانيها لقاء مع الأديب السكندري إدوار الخراط في برنامج أدب السجون علي قناة الجزيرة، ثم خبر صغير عن مطلب (جديد علي الساحة المصرية) طالب به مؤتمر نوادي هيئة التدريس بالجامعات المصرية.. وهو ضرورة تعليم الطلاب (فكر المقاومة) ونشره بينهم.. قبل بدء بث صور (الضحايا) في حادث تصادم القطارين.. قبلها بلحظات.. كانت صور (الضحايا) تحت الأنقاض في بيروت وغزة وبغداد هي الصورة السائدة.. ثم جاءت صور مشابهة من القاهرة.. مشابهة في كونها تعرض أيضا (ضحايا).. لكن التعليقات العفوية للمواطن المصري بدت مختلفة تماما عن تلك التي يدلي بها المواطن اللبناني أو الفلسطيني أو العراقي خلال الأخبار- وعلي مختلف القنوات التليفزيونية- هناك (انكسار) في عين المصري.. هناك (ضياع) وعجز.. هناك (ذل) وحيرة.. هناك (فقدان للأمل).. لا تلمس في عين المصري ذلك (الإصرار) الذي يبديه اللبناني والفلسطيني والعراقي عندما يشير إلي الضحايا في بلده وهو (يعرف عدوه) ويعرف طريق الخلاص رغم صعوبة المضي فيه.. يتحدثون عن (المقاومة.. مقاومة العدو) يتحدثون عن (السلاح) يتحدثون عن قائدهم أو عن حزبهم أو عن جماعتهم.. يرفضون بإصرار (ظلم الاحتلال).. يصفونه بالاسم ويصفون (بغضب) معاناتهم معه.. يتوعدونه ولا تنحني جباههم رغم المعاناة أمام فشل هنا أو هناك لمقاومتهم ضد العدو.. وتشعر أنهم حتي وإن تأخر الحل لقضاياهم الدامية.. لا يستسلمون.. تتساءل.. لماذا يبدو المواطن المصري منكسرا مهزوما حائرا أمام عدوه إلي هذا الحد؟ لماذا تشعر أن فكرة (التصدي لعدوه) لم تمر مجرد مرور بذهنه؟.. الضحايا الناجون في حادث القطارين وقبلها في حادث العبارة وقبلها في محرقة بني سويف وقبلها في حادث قطار الصعيد.. وضحايا القهر الحكومي اليومي الذي يطال الرزق والحرية والأمان.. وضحايا الحرمان من أبسط حقوق الإنسان.. وضبابية المستقبل.. والفساد الذي ينهش بوحشية فرص الحياة للجميع.. كل هذا يمر به المواطن المصري ومع ذلك لا تراه يفكر في مقاومته بالسلاح أو بالسلم أو بأية طريقة تجعل هذا (العدو الوحش) يتراجع.. المصري يعرف أن عدوه هو (الدولة المصرية) كما يعرف اللبناني والفلسطيني والعراقي أن عدوه هو امريكا وإسرائيل، لكن المصري يقابل عدوه باستسلام لا محدود.. بالطبع أنا وأنت (إن كنت مصريا) هو هذا (المواطن الحائر).. فالمشكلة ليست (فيهم) وإنما هي (فينا).. في (مصري اليوم) الذي ـ لسبب ما ـ صار (مختلفا) عن المصري الذي حكي لنا عنه إدوار الخراط.. في لقاء الجزيرة معه خلال برنامج (أدب السجون).. قال الخراط إن المظاهرات التي كانوا يخرجون فيها ضد الاحتلال البريطاني لمصر في النصف الأول من القرن الماضي.. كانت لا تقل عن 150 أو 200 ألف متظاهر، عُرضت في البرنامج الصور المتاحة بالأبيض والأسود لهذه المظاهرات المصرية القديمة.. تتقارب أجساد المتظاهرين وتشعر بهم (يعرفون هدفهم)، كان عدد سكان مصر حينها أقل من 18 مليون.. بينما اليوم وعدد سكان مصر يصل إلي 80 مليون.. يتجادل البعض بعد انتهاء مظاهرة ما بأن العدد كان أكثر من 400 مشارك.. لا لا.. كان أكثر.. كان يمكن أكثر من 600 متظاهر! الأحياء من هؤلاء المصريين القدامي ـ قدامي أي كانوا شبابا فقط قبل خمسين عاما- ورغم الشيخوخة التي (تكسر) الإنسان بطبيعتها.. لا تري في عيونهم الغائرة بحكم السن ذلك (الانكسار) الذي نراه في عيون الشباب المصري الآن.. (أو نضبط أنفسنا به في لحظة ما.. أو للأسف.. لحظات ما).. التقيت بالدكتور محمود أمين العالم وحاولت أن أخترق عينيه فلم أري رغم شيخوخته شيئا من انكسار.. بحثت عن جذور هذا الانكسار الذي يغمرنا الآن في عيون هؤلاء فلم أجد.. إنه خاص بنا.. بجيلنا نحن ومن يتلونا من أجيال.. هذا المصري القديم (قديم قبل خمسين عاما فقط) تظاهر ضد (العدو) البريطاني وحمل السلاح أحيانا وفي نفس الوقت كان يبدع في الفنون والأدب.. وبعد ثورة يوليو زاد تألقه فكانت القاهرة مقرا إقليميا عربيا للإبداع في الفنون والآداب وعندما (انتكست) في عام 67 لم تنحن الجباه كما تنحني الآن.. قاوم المصري وظل واقفا واستمر يبدع حتي استرد من كرامته الكثير في حرب 73.. ثم.. ثم بعد تلك الحرب الأخيرة.. وُلد مصري اليوم.. المنكسر الضائع الحائر العاجز المستسلم.. الضعيف في العلم والمهارات والفن والمعرفة.. أحد الضحايا الناجين من حادث القطارين قال في نشرة أخبار: حتي عمال الإنقاذ إللي وصلوا معندهومش أي فكرة عن أي إنقاذ، تفوق علي مصري اليوم جيران كانوا يتطلعون إلي مصر علي أنها (المُعلم الأكبر).. وصاروا ينظرون بتعالٍ إلي (المصري فقير المهارات)، وصارت الفنون المصرية في الحضيض ولم يعد بمصر إبداع ولا تفوق ولا أي شيء علي الإطلاق إلا ذلك الانحطاط وذلك التردي المتمدد المستمر في كل أوجه الحياة.. إلا ذلك (الانكسار) اللعين.. فلماذا.. رغم أن المتاح من المعارف الآن أضعاف أضعاف ما كان متاحا منذ خمسين عاما.. ربما لأن المصري اليوم لم يعد يعرف (فن المقاومة).. لم يمارسها منذ انتهاء آخر شواهدها في حرب 73.. ليس لديه بشأنها خبرة من سبقوه.. ليس منتشرا بين شباب اليوم ما يسمي (ثقافة المقاومة).. لعلها هنا هي البداية.. تعليم الشباب (فن المقاومة).. نشرها بينهم ثقافة كي تسود.. كما طالب مؤتمر نوادي هيئات تدريس الجامعات المصرية.. لكن وبينما نتعلم من جديد كيف تكون (المقاومة).. علينا أن نشير بوضوح إلي (العدو).. عدونا الأول هو الدولة المصرية.. أو قل نظامها.. وهدفنا الأول (بناء دولة جديدة) كما قال لي أحد الأصدقاء وهو يتساءل في مقهي نقابة الصحفيين في القاهرة.. مجيبا عن سؤاله.. ماذا نريد؟! بعد هذا الانكسار الذي أبداه المصريون أمام حادث القطارين أو تحت عجلاتهما.. ربما صار علينا قبل بناء الدولة الجديدة أن نسقط القديمة.. والمقاومة هي الحل.. مقاومة الدولة.. بالسلم أو بالعصيان المدني أو بغيره.. هذه الدولة لا بد أن تسقط.. لا بد أن تسقط.. ريموت كنترول:(1) هوغو تشافيز الرئيس الفنزويلي.. المعروف بمقاومته الشديدة للرغبة الأمريكية العارمة في الهيمنة علي بلاده وقارته والعالم.. كان ضيفا علي قناة الجزيرة وأبدي دهشته من استهانة كثير من مثقفي العرب بالقومية العربية.. ومن اتهامهم عبد الناصر ـ بعد وفاته بأكثر من ثلث قرن ـ بأنه زرع (وهم) القومية العربية، قال مندهشا: لكن أنا ناصري! ثم بدأ ـ الرئيس الجميل القادم من أمريكا اللاتينية ـ يشرح ماذا يعني أن يكون الرئيس رئيسا ناصريا! باختصار أن يقاوم الهيمنة الأمريكية.. ويبحث عن العدالة لشعبه وللعالم! كان تشافيز محددا في وصفه.. لكنه ربما لا يعرف أن كلماته إن أسمعت فلن تسمع رئيسا.. به صممُ!(2) هيكل مرة أخري: في حلقتين خاصتين متتاليتين أجرت الجزيرة لقاءً مع محمد حسنين هيكل ليعلق علي ما حدث في لبنان وتداعياته علي المستقبل المتوقع للمنطقة، لكننا لم نعد ننتظر منه الكثير!.. فبظهوره (متحدثا) خسر كثيرا مما كان يتمتع به بين الناس (كاتبا)، ربما بحكم السن ـ وهذا شيء لا يلام الرجل عليه ـ يتشتت إلي هذا الحد ولا يكمل فكرة أبدا.. ولكن المُحبط.. أنه لم يعد يطرح جديدا، وقد يكون تكرارا الحديث ثانية عن (تحفظه) تجاه الشأن المصري وأسبابه.. رغم حصانته ضد أي رد فعل غير محمود.. فنظام مبارك مهما تكلم هيكل لن يجرؤ أن يؤذيه.. بسبب تلك الحصانة التي كونها هيكل بتاريخه الصحفي الزاخر وعلاقاته الدولية.. ورغم أنه (أشار) إلي تخاذل مبارك ـ دون أن يسميه ـ بقوله أنه يأسف لأن مصر لم تتحرك في الأحداث الأخيرة بما ينبغي.. وقال بضيق موجها الحديث إلي (مجهول) نعرفه: يا أخي إعمل حاجة.. تحرك فقد تحرك الحجرُ! لكنه ما زال متحفظا تحفظا غير مبرر تجاه العائلة الحاكمة.. وإن تكلم يقول أقل مما يقول (التلاميذ).. ولأن هيكل له عندنا مكانة كبيرة بما تعلمناه منه (زمان) فإنه لا يوجد مبرر لهذا التحفظ.. إلا إذا كانت ـ كما قال علي بن أبي طالب- العيال مجبنة!

كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية