الانهيار‭ ‬اللبناني‭ ‬المديد

حجم الخط
0

يتحسّر‭ ‬اللبنانيون‭ ‬كلّ‭ ‬فترة‭ ‬على‭ ‬أحوال‭ ‬بلدهم‭ ‬ويردّدون‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬التردّي‭. ‬والأرجح‭ ‬أنهم‭ ‬محقّون‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬تحسّرهم،‭ ‬وأن‭ ‬الانهيار‭ ‬اللبناني‭ ‬صار‭ ‬مديداً،‭ ‬لا‭ ‬قاع‭ ‬ظاهراً‭ ‬أو‭ ‬نهاية‭ ‬باديةً‭ ‬له‭.‬

أزمة‭ ‬نظام

‮ ‬لعلّ‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬يتخبّط‭ ‬بها‭ ‬النظام‭ ‬اللبناني‭ ‬ونخبُه‭ ‬السياسية‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬والتي‭ ‬تتّخذ‭ ‬دورياً‭ ‬أشكال‭ ‬الفراغ‭ ‬والتعطيل‭ ‬المؤسساتي‭ ‬وتعذّر‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬أو‭ ‬مجلس‭ ‬نيابي‭ ‬أو‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة،‭ ‬تشكّل‭ ‬المفتاح‭ ‬لفهم‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬وصعوبة‭ ‬لجمه،‭ ‬ولَو‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬المسبّب‭ ‬الرئيسي‭ ‬له‭.‬

‬يُقفل‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬النيابي‭ ‬المؤسّسة‭ ‬التشريعية‭ ‬إن‭ ‬اختلف‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬يمدّد‭ ‬مع‭ ‬نوّابه‭ ‬لأنفسهم‭ ‬إن‭ ‬اتّفقوا‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬تأجيل‭ ‬انتخاباتٍ‭ ‬لم‭ ‬ينجحوا‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬قانون‭ ‬لها‭ ‬يؤمّن‭ ‬تجديد‭ ‬ولاياتهم

ذلك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التوافقية‮»‬‭ ‬المفترضة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الحُكم‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ (‬المُعتمَدة‭ ‬منذ‭ ‬استقلاله‭ ‬العام‭ ‬1943‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬تُمليه‭ ‬من‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬تمثيل‭ ‬الجماعات‭ ‬الطائفية‭ ‬لطمأنتها،‭ ‬تحوّلت‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬خلاف‭ ‬سياسي‭ ‬ومع‭ ‬أيّ‭ ‬إشكال‭ ‬حول‭ ‬أحجام‭ ‬التمثيل‭ ‬إلى‭ ‬مدعاة‭ ‬تعطيل‭ ‬للدولة‭ ‬باسم‭ ‬الطوائف‭ ‬وحقوقها‭. ‬هكذا،‭ ‬يقاطع‭ ‬نوّاب‭ ‬جلسات‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيسٍ‭ ‬للجمهورية‭ ‬مثلاً‭ ‬ليمنعوا‭ ‬التئام‭ ‬النصاب‭ ‬القانوني‭ ‬واختيار‭ ‬مرشّح‭ ‬لا‭ ‬يوافقون‭ ‬عليه‭. ‬وهكذا‭ ‬يُقفل‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬النيابي‭ ‬المؤسّسة‭ ‬التشريعية‭ ‬إن‭ ‬اختلف‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬يمدّد‭ ‬مع‭ ‬نوّابه‭ ‬لأنفسهم‭ ‬إن‭ ‬اتّفقوا‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬تأجيل‭ ‬انتخاباتٍ‭ ‬لم‭ ‬ينجحوا‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬قانون‭ ‬لها‭ ‬يؤمّن‭ ‬تجديد‭ ‬ولاياتهم‭. ‬وهكذا‭ ‬أيضاً،‭ ‬يحول‭ ‬الخلاف‭ ‬على‭ ‬الحصص‭ ‬وعلى‭ ‬البيان‭ ‬الوزاري‭ ‬دون‭ ‬تأليف‭ ‬وزارة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أشهر‭ ‬طويلة،‭ ‬فيبقى‭ ‬البلد‭ ‬بأسره‭ ‬معلّقاً‭ ‬على‭ ‬تصريف‭ ‬أعمال‭.‬

ويُفيد‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬انتخابات‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬وما‭ ‬تعنيه‭ ‬من‭ ‬توازنات‭ ‬سياسية‭ ‬وطائفية‭ ‬وتمثيل‭ ‬للمكوّن‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬الحُكم‭ ‬ومنطلق‭ ‬لتشكيل‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬فيه،‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬أزمة‭ ‬‮«‬التوافقية‮»‬‭ ‬اللبنانية‭. ‬فهذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعرف‭ ‬التئاماً‭ ‬‮«‬طبيعياً‮»‬‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1982،‭ ‬حين‭ ‬انتُخب‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الاجتياح‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬رئيسٌ‭ ‬ثم‭ ‬اغتيل‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع،‭ ‬ليعُوَّض‭ ‬الأمر‭ ‬بانتخاب‭ ‬أخيه‭. ‬وبانتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬الأخير‭ ‬العام‭ ‬1988‭ ‬لم‭ ‬يجرِ‭ ‬انتخاب‭ ‬خلفٍ‭ ‬له‭ ‬وانقسمت‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬وقامت‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬حكومتان‭. ‬وحين‭ ‬جرت‭ ‬الانتخابات‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬ونصف‭ ‬من‭ ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الهيمنة‭ ‬السورية‭ ‬هذه‭ ‬المرّة،‭ ‬اغتيل‭ ‬الرئيس‭ ‬المُنتخب‭ ‬ليأتي‭ ‬بعده‭ ‬رئيس‭ ‬آخر‭ ‬بشروط‭ ‬سياسية‭ ‬مختلِفة‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬1995‭ ‬عُدّل‭ ‬الدستور‭ ‬للسماح‭ ‬بتمديد‭ ‬ولاية‭ ‬الرئيس‭ ‬إياه،‭ ‬ثمّ‭ ‬جرى‭ ‬تعديل‭ ‬الدستور‭ ‬مجدّداً‭ ‬العام‭ ‬1998‭ ‬للإتيان‭ ‬بقائد‭ ‬الجيش‭ ‬رئيساً‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬2004،‭ ‬أُعيد‭ ‬تعديل‭ ‬الدستور‭ ‬مرّة‭ ‬ثالثةً‭ ‬لتمديد‭ ‬ولاية‭ ‬الرئيس‭ ‬ودخل‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬مواجهات‭ ‬واغتيالات‭ ‬لم‭ ‬يُبدّل‭ ‬خروج‭ ‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬عقبها‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬تأزّم‭ ‬النظام‭. ‬فشهد‭ ‬العام‭ ‬2007‭ ‬تعذّراً‭ ‬إضافياً‭ ‬لانتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أتاح‭ ‬تعديلٌ‭ ‬رابع‭ ‬للدستور‭ ‬انتخابَ‭ ‬قائد‭ ‬ثانٍ‭ ‬للجيش‭ ‬رئيساً‭ ‬منتصفَ‭ ‬العام‭ ‬2008‭. ‬وبعد‭ ‬انقضاء‭ ‬ولايته‭ ‬شغر‭ ‬المنصب‭ ‬لسنتين‭ ‬كاملتين،‭ ‬تعطّل‭ ‬خلالهما‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬ثمّ‭ ‬مدّد‭ ‬لنفسه،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سمح‭ ‬اتفاق‭ ‬على‭ ‬الحصص‭ ‬بانتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬2016،‭ ‬كان‭ ‬نفسه‭ ‬مرشّحاً‭ ‬قبل‭ ‬38‭ ‬عاماً‭! ‬وها‭ ‬هو‭ ‬الرئيس‭ ‬اليوم‭ ‬بلا‭ ‬حكومة،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تفاقم‭ ‬أزمات‭ ‬سياسية‭ ‬ومعيشية‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬المسؤولون‭ ‬مهجوسين‭ ‬بسبل‭ ‬مواجهتها‭.‬

‭… ‬وأزمة‭ ‬نخب‭ ‬سياسية

وهذا‭ ‬يُحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬أزمة‭ ‬النظام،‭ ‬وهو‭ ‬ذاك‭ ‬المتّصل‭ ‬بالنُخب‭ ‬السياسية‭ ‬وارتباطاتها‭ ‬الخارجية‭.‬

فرهان‭ ‬الُنخب‭ ‬هذه‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬تدخّل‭ ‬الخارج‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭ ‬تبعاً‭ ‬للتحالفات،‭ ‬نصرةً‭ ‬لمكوّناتها‭ ‬المتصادمة‭ ‬أو‭ ‬وساطة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها،‭ ‬بما‭ ‬يمكّنها‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬من‭ ‬تدعيم‭ ‬مواقعها‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬الداخلية‭. ‬وهذا‭ ‬سهّل‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬مهمّة‭ ‬تحويل‭ ‬مسرحها‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬دائم‭ ‬لتصفية‭ ‬حساباته،‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬قوىً‭ ‬محلّية‭ ‬وأفول‭ ‬أخرى‭ ‬تبعاً‭ ‬لموازين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية،‭ ‬كما‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬أطراف‭ ‬من‭ ‬الاستئثار‭ ‬بتمثيل‭ ‬طوائفها‭ ‬وإدارة‭ ‬شبكات‭ ‬الزبائنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬وفّر‭ ‬لها‭ ‬مغانم‭ ‬وأمّن‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬حضورها‭ ‬تعييناً‭ ‬أو‭ ‬انتخاباً‭ ‬أو‭ ‬توريثاً‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬عنصراً‭ ‬خطيراً‭ ‬أضيف‭ ‬إلى‭ ‬المعادلة‭ ‬المذكورة،‭ ‬معادلة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬اللبنانية‭ ‬والخارج،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬صعود‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬بوصفه‭ ‬دافعاً‭ ‬لتلك‭ ‬العلاقة‭ ‬إلى‭ ‬حدودها‭ ‬القصوى،‭ ‬وجعلها‭ ‬عضوية‭ ‬تشمل‭ ‬لأول‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬اللبناني‭ ‬الأبعاد‭ ‬السياسية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والحربية‭ ‬والمالية‭. ‬وقد‭ ‬تحوّل‭ ‬الحزب‭ ‬الشيعي‭ ‬بموجب‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ذراع‭ ‬ضارب‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬يملك‭ ‬وحده‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬وتحرير‭ ‬الجنوب‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬السلاحَ‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬اللبنانية‭ ‬ويستطيع‭ ‬بموجب‭ ‬قوّته‭ ‬العسكرية‭ (‬والتنظيمية‭) ‬ونتيجة‭ ‬الديموغرافيا‭ ‬المذهبية‭ ‬الداعمة‭ ‬له،‭ ‬فرضَ‭ ‬أكثر‭ ‬شروطه‭ ‬على‭ ‬منافسيه‭ ‬المحليّين‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وعلى‭ ‬ربط‭ ‬لبنان‭ ‬مباشرة‭ ‬بصراعات‭ ‬المنطقة‭ ‬المحتدمة‭ ‬وفق‭ ‬عناوين‭ ‬وشروط‭ ‬إيرانية،‭ ‬كما‭ ‬الحال‭ ‬منذ‭ ‬اندفاعه‭ ‬نحو‭ ‬الحرب‭ ‬السورية‭ ‬العام‭ ‬2012،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭.‬

يكفي‭ ‬التوقّف‭ ‬عند‭ ‬أزمتي‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنفايات‭ ‬المستمرّتين‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاهتراء‭ ‬الذي‭ ‬يُصيب‭ ‬الإدارة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اللبنانية‭ ‬ومن‭ ‬خلفها‭ ‬المسؤولين‭ ‬السياسيّين‭ ‬عنها

أزمة‭ ‬اقتصاد‭ ‬وخدمات

لا‭ ‬عجب‭ ‬والحال‭ ‬السياسي‭ ‬متردٍّ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬أن‭ ‬يتردّى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بدوره‭ ‬وأن‭ ‬تتدهور‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬البلد،‭ ‬وأن‭ ‬يُفاقم‭ ‬الصراع‭ ‬الطاحن‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬الأزمات‭ ‬جميعها،‭ ‬إن‭ ‬بسبب‭ ‬الانقسام‭ ‬اللبناني‭ ‬تجاهه‭ ‬وانخراط‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬أتونه،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬آثاره‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬والسياحة‭ ‬وتصدير‭ ‬المنتجات‭ ‬الزراعية‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.‬

لكنّ‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المسبّبات‭ ‬الأولى‭ ‬للتردّي‭ ‬تُحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬الزبائنية‭ ‬ضمن‭ ‬مؤسّسات‭ ‬الدولة‭ ‬وإلى‭ ‬المحاصصة‭ ‬الطائفية‭ ‬داخل‭ ‬إداراتها،‭ ‬وإلى‭ ‬رفض‭ ‬النُخب‭ ‬السياسية‭ ‬المهيمنة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬كلّ‭ ‬إصلاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتعديل‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬المعتمدة‭.‬

يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬تراجع‭ ‬سلطة‭ ‬القضاء‭ ‬واستقلاليّته‭ ‬وانخراط‭ ‬الوزراء‭ ‬والنوّاب‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصفقات‭ ‬التي‭ ‬كثُر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الهدر‭ ‬والفساد‭ ‬فيها‭ ‬كرّسا‭ ‬التردّي‭ ‬هذا،‭ ‬وصارت‭ ‬الفضائح‭ ‬تتوالى‭ ‬دون‭ ‬متابعة‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬محاسبة‭ ‬للمتورّطين‭ ‬فيها‭. ‬ويكفي‭ ‬التوقّف‭ ‬عند‭ ‬أزمتي‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنفايات‭ ‬المستمرّتين‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاهتراء‭ ‬الذي‭ ‬يُصيب‭ ‬الإدارة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اللبنانية‭ ‬ومن‭ ‬خلفها‭ ‬المسؤولين‭ ‬السياسيّين‭ ‬عنها‭. ‬فرغم‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬المُنفقة‭ ‬على‭ ‬مؤسسة‭ ‬كهرباء‭ ‬لبنان‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1992،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬تقنين‭ ‬التغذية‭ ‬الكهربائية‭ ‬قائماً‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬واقتصاد‭ ‬المولّدات‭ ‬الموازي‭ ‬وتلويثه‭ ‬البيئي‭ ‬والصوتي‭ ‬مسيطراً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المناطق‭. ‬ورغم‭ ‬مئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬المصروفة‭ ‬لإدارة‭ ‬النفايات‭ ‬ورفعها‭ ‬ومعالجتها،‭ ‬تتواصل‭ ‬الأزمات‭ ‬وتُعتمد‭ ‬أبشع‭ ‬الأساليب‭ ‬من‭ ‬حرق‭ ‬وطمر‭ ‬ورمي‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬الشاطئ‭ ‬اللبناني‭ ‬المُنتهك‭ ‬أصلاً‭ ‬بالتعدّيات‭ ‬ملوّثاً‭ ‬ومثله‭ ‬الثروة‭ ‬السمكية‭ ‬المهدّدة‭ ‬بالانحسار‭.‬

عنصرية‭ ‬ورقابة

ولمواجهة‭ ‬تصاعد‭ ‬الانتقادات‭ ‬لهذا‭ ‬التردّي‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬الاجتماع‭ ‬اللبناني،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬المدوّنات‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وما‭ ‬تُتيحه‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬أخبار‭ ‬ومعلومات،‭ ‬يعمد‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬الترهيب‭ ‬والقمع‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬ومجموعات،‭ ‬ويحرّكون‭ ‬ضدّهم‭ ‬أجهزة‭ ‬أمنية‭ ‬وقضائية‭ ‬مطعوناً‭ ‬في‭ ‬صدقيّتها‭ ‬ونزاهة‭ ‬عملها،‭ ‬ويتواطؤون‭ ‬مع‭ ‬هيئات‭ ‬دينية‭ ‬لتقليص‭ ‬مساحات‭ ‬التعبير‭ ‬العام‭ ‬والتضييق‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬على‭ ‬الناشطين‭ ‬فيها‭. ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬يعمدون‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬خطاب‭ ‬كراهية‭ ‬عنصرية‭ ‬ضد‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬والفلسطينيين‭ (‬وضد‭ ‬العاملات‭ ‬والعمّال‭ ‬الأجانب‭) ‬لتحميلهم‭ ‬مسؤولية‭ ‬تراجع‭ ‬الأوضاع‭ ‬المعيشية‭ ‬والخدماتية،‭ ‬فيردّد‭ ‬بُلهاءٌ‭ ‬خطابهم‭ ‬ويحوّله‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬انحطاط‭ ‬المشهد‭ ‬اللبناني‭ ‬العام‭.‬

بهذا،‭ ‬يصل‭ ‬التردّي‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬هي‭ ‬بالفعل‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المقبل‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬سيحمل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يُغيّر‭ ‬الأحوال‭ ‬جذرياً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬يعدّلها‭.‬

لحسن‭ ‬الحظّ‭ ‬أن‭ ‬البلد‭ ‬لم‭ ‬ينفجر‭ ‬بعدُ‭ ‬وأن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬محميّة‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬المديد‭. ‬ولذلك‭ ‬أسبابٌ‭ ‬تستحقّ‭ ‬مستقبلاً‭ ‬التوقّف‭ ‬عندها‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية