الاوروبيون وسطاء مرغوبون جدا خصوصا في عهد تغيير السياسة الامريكية
علي اسرائيل أن تقبل المبادرة الاوروبية الاخيرة مع بعض التحفظاتالاوروبيون وسطاء مرغوبون جدا خصوصا في عهد تغيير السياسة الامريكية يبدو ان التخوف الاسرائيلي من المبادرات الدولية لحل الصراع مع العالم العربي ميزة قد جُبلنَا عليها. العالم وخصوصا اوروبا هم في نظرنا معادون لاسرائيل. وكل مؤتمر دولي لن يكون الا كمينا سيسعي اعداؤها من خلاله الي فرض تسوية تتعارض مع مصالحنا الوجودية.الخوف غريب بصورة خاصة في ظل حقيقة أن اسرائيل غارقة في صراع دموي ليس له اي حل ـ لا سياسيا ولا عسكريا بالتأكيد. أرض المعركة ـ في لبنان ضد حزب الله وفي غزة ضد حماس ـ لا تسمح باحراز انتصارات سهلة كما كان في السابق أو التوصل الي حسم قاطع. في كلتا الحالتين اتاحت الحكومات المجال للجيش حتي يحرز النصر الا أنه لم ينجح في هذه المهمة.ما هو المخرج الذي تقترحه الحكومة من هذه الورطة؟ وزيرة الخارجية تقترح التحدث مع المعتدلين في السلطة الفلسطينية. من المقلق ان نفكر انها لا تعرف ان المسافة بين المعتدلين والمتطرفين قليلة جدا وان المعتدلين سيسعون الي اقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 تكون القدس عاصمة لها والي حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين. المعتدلون في نهاية المطاف يريدون تسوية علي اساس المبادرة السعودية. ليست هناك امكانية اخري لاجراء المفاوضات مع المعتدلين مع استبعاد المتطرفين الذين اصبحوا اليوم علي رأس الحكومة المنتخبة. كل مفاوضات ستجري مع محمود عباس ستتم من خلال النظر الي ما يمكن أن توافق عليه حماس. في هذا المفهوم ليس هناك فرق بين عباس الديمقراطي وياسر عرفات الديكتاتور. كلاهما تطلع دائما الي اتفاق يرتكز علي الاجماع الفلسطيني الداخلي ويحول دون التدهور نحو الحرب الاهلية. أي أن المفاوضات مع المعتدلين هي في الواقع مفاوضات غير مباشرة مع المتطرفين ايضا.يحدونا الامل أن يقوم أحد مستشاري رئيس الوزراء بالتوضيح له انه رغم أن عباس سيفاجأ بالتأكيد الي اي مدي يمكنه ان يصل ومع ذلك لن يكون ذلك كافيا للالتقاء مع الحد الادني الفلسطيني. أي أن اقصي ما يمكنه تقديمه لعباس هو اقل من الحد الادني في الطرف الاخر. اسرائيل تعود الي نقطة البداية حيث صواريخ القسام التي لا تتوقف وتهريبات السلاح الكثيفة استعدادا لجولة اخري من الحرب والتي لن يكون فيها حسم نهائي مرة اخري وهي بدورها أيضا لن تغير الثمن المعروف مسبقا للتسوية. لذلك من الصعب فهم الرفض المتعجرف والمتهور للمبادرة الاوروبية المنادية بارسال قوة دولية الي غزة وعقد مؤتمر دولي للتسوية الاقليمية بعد ذلك. هذه القوة اتاحت لاسرائيل مخرجا من الغرق مرة اخري في الحرب الاخيرة. المبادرة الاوروبية هي تجسيد لشعور متزايد بان الاستراتيجية احادية الجانب ـ التي اتبعتها اسرائيل في المناطق وامريكا في العراق ـ قد أعلنت افلاسها. اما خريطة الطريق فقد فقدت علاقتها بمجريات الاحداث وأصبحت غير ذات صلة. الولايات المتحدة تقف علي ما يبدو علي اعتاب تغيير جوهري في الاتجاه في سياستها في هذه المنطقة. ليس هناك خطأ أكبر من التشبث بالقديم في عهد التجديد والتغير. ان واصلت اسرائيل جمودها ـ فسيبادر الاخرون بدلا عنها. المبادرة الاوروبية ليست مستبعدة حتي وان كانت بحاجة الي تنقيح واعداد اضافي. فكرة القوة الدولية في غزة صحيحة ولكن شريطة أن تكون في اطار تسوية سياسية متفق عليها. مثل هذا الاطار ليس قائما اليوم والدول لن تقوم بارسال جنودها الي ارض المعركة الدموية التي تسودها الفوضي من دون تفويض واضح.المؤتمر الدولي ايضا هو مسألة مرغوبة ولكن شريطة ان يعقد علي اساس برنامج متفق عليه. اسرائيل ستكون محقة ان رفضت المشاركة في مؤتمر مفتوح يُسمح فيه بتقديم اي اقتراح كان. ولكن الامور ستكون مغايرة ان عقد المؤتمر الدولي علي أساس مشروعي السلام ـ كدرع واقية من المبادرات المعادية ـ مشروع كلينتون الذي وافقت عليه اسرائيل في حينه وخطة السلام السعودية. تسوية السلام الاسرائيلية ـ الفلسطينية تقع بين هاتين المبادرتين. ان كانت حكومة اسرائيل تنوي حقا التفاوض مع المعتدلين وليس مع المتطرفين فان المؤتمر الدولي بناء علي هذا المسار هو فرصة سانحة لذلك. المؤتمر سيستبعد حماس الا ان قبلت برامج السلام المذكورة كأساس للمفاوضات. كما أنه سيضفي الشرعية علي اتفاق السلام حتي وان عارضتها حماس. المغزي الحقيقي لمبادرة السلام السعودية يكمن في أنها انتزعت من الفلسطينيين احكار الحسم في قضية انهاء الصراع.الا ان المبادرة الجديدة لا يمكن ان تحلق عاليا الا ان تم تنسيقها مع الولايات المتحدة. الموافقة الامريكية ـ الاوروبية وحدها علي استراتيجية مشتركة هي التي تنطوي علي احتمالية ممكنة لانطلاقة سياسية كبري. تغيير الاتجاه المتوقع في السياسة الامريكية قد يؤدي الي احياء التحالف العابر للمحيطات بين القارتين والذي تصدع في بغداد. وان كانت تِركة بوش الاب ستنهض حية عبر تقرير بيكر المتوقع صدوره عما قريب ـ فليس من المستبعد حينئذ ان يدركوا في واشنطن مرة اخري ان بغداد والقدس هما مسألتان متداخلتان. والكل يذكر ان نفس الائتلاف الذي قاتل في بغداد في عام 1991 هو الذي جاء بعد ذلك فورا الي مدريد لتحريك المـؤتمر الدولي للسلام في الشرق الاوسط.شلومو بن عاميكاتب في الصحيفة(هآرتس) 22/11/2006