الاول في صف الاول !

حجم الخط
0

رياض بيدس في باريس سجلّتني الفارياقية (الكنية مأخوذة من الشدياق) في معهد الاليانس لادرس الفرنسية، اذ لا يعقل ان تأتي صديقاتها صحبة ازواجهم لزيارتنا وان يبذلوا كل ما لديهم من قوة ومعرفة للحديث بالانجليزية التي لا يجيدونها بحق، وليس تمثيلا او استعلاء، بل لجمال الفرنسة الطاغي، من اجلي انا. ذهبت الى الاليانس على مضض، لاني لا احب المدرسة، لا بل ان افظع كوابيسي تحصل عادة عندما ارى الى نفسي عائدا الى المدرسة الابتدائية. وهناك جاءت معلّمة كانت في اواخر الخمسينات من عمرها لتدريسنا اللغة. ورأت بحنكة ما بعدها اخرى ان تفعيل الصف يتم عبر مشاركة كل طالبين في الحوار (يا عيني على هيك حوار بالفرنسية !)، فكان حظي ان يكون برنارد الايرلندي اكبر من في الصف عمرا زميلا لي. كانت المعلّمة تنتقل في الصف بسرعة كبيرة كالفراشة، وكنا نشترك في كل ما تبتدعه قريحة تلك المعلّمة الصارمة. كان برنارد رسّاما اشبه بمتشرد مرّتب يأتي دائما الى الصف وهو يجر عربة ذات عجلتين تحتوي على رسومات قديمة وجديدة من اعماله، وكان لا يجد حرجا في عرضها اثناء الفر ص على الطلاب بمنتهى اللطف ويسمع آهات الاعجاب التي ترضي غروره الفنيّ وبعض الانتقادات. ذات مرة قال لي او بالاحرى قالت لي صديقته الفرنسية ان حلم برنارد ان يعمل في المونمارتر بدلا من ان يقف على رصيف في الحي اللاتيني عارضا لوحاته في انتظار مشتر من غايب علم الله. كانت صديقته اللطيفة الحبلى تعوّل على سرعة برنارد في اجادة الفرنسية، وهو الذي قضى سنوات طويلة في اميركا، ربما هربا من ايرلندا. كانت تودّع برنارد كما لو كان سيلوي عنق اللغة الفرنسية تماما مثلما كان يلوي عنق زجاجة الويسكي. لكن برنارد، والحقيقة تقال، كان اشد براعة في الفرشاة والويسكي. فما ان تعطينا المعلّمة فرضا حتى يأخذ برنارد يسألني انا الذي نادرا ما اعرف جوابا. فاميل صوب الشقيقين البرازيليين المتفوقين اللذين جاءا الى بلاد الفرنسيس وقد درسا اكثر من مساق لغة فرنسية في بلادهم مستعينا بهما. واشكر ربي ان الفارياقية لا ترافقني احيانا الى الاليانس من باب الاهتمام والفضول لتسمع لفظي ولغتي. يا للهول ! فمجرد الخيال يرعبني. وذات مرة ذهبت من المدرسة الى مقابلة صديقة فرنسية جميلة في مكتبها، فبادرتني بما هو عادي جدا في السلامات والتحيات الفرنسية، فوجدتني اتعثّر في كلماتها واكاد اقع على وجهي طبّا ولا افهم شيئا مما يجري على لسانها الذرب. وكيف لا، والفرنسية هي تلك اللغة الرهيفة التي يجب ان تصغي لها بكل حواسك وعقلك لتفهمها ؟ المهم اني لملمت حالي من الخزوة وتناولت معها طعام الغداء وانا العن في سري الفرنسية التي استصعبها وتعصى عليّ، كما لو انها كانت امرأة جميلة جدا تعاندني لتغيظني وتحرق دمي. في الصف، وخارج الصف في اثناء الحديث العادي، لا اعرف لماذا عندما كنت اسمع الفرنسية كنت فورا اشعر انه لكي افهم تلك اللغة الجميلة الرقيقة الناعمة الاشبه بامرأة هيفاء جذابة جدا تفور غنجا ودلالا وجنسا (تماما عكس الالمانية، الاشبه بخوار البقر، مهما حاول النمساويون ان يرقّقوها ويجملّوها) انه ينبغي عليّ ان ابذل جهدا كبيرا كبيرا جدا لكي اصطاد حروف الكلمة والجملة اصطيادا، تماما كما لو كنت احمل شبكة صيد فراشات مطاردا فراشات يجب ان اصطادها بمنتهى الحذر والمهارة لرقتها وجمالها وهشاشتها ورهافتها. وكم من فراشات فرنسات جميلات جدا سقطت صرعى في شبكتي الخرقاء. كنت اعزّي نفسي انا الثلاثينيّ ان العلم في الكبير مثل الدبّ في الحمير ! اما الوقت الذي كنت انتفّس فيه الصعداء انا وغيري من الطلاب الذين ينتظرون انتهاء الحصة بفارغ الصبر، كبرنارد والايراني الذي كان يحمرّ خجلا حين تطلب منه المعلّمة ان يعيد لفظ كلماته المبعثرة اشبه بالكلمات المتقاطعة وانا، كان عندما تطلق المعلّمة العنان للمسجّل ليغني لنا بعض الاغاني الفرنسية مثل ‘فوياج فوياج’ وغيرها. عندها كنا نسبح في فضاء اكثر رحابة وحنوّا. اما المعلّمة التي احبّت ان تمتحن قدرتنا على الكلام قبل انتهاء الدورة الاولى من اللغة، فانها طلبت مني ومن برنارد ان نقف قدام كل الصف وان نحكي بالفرنسية. لم يكن هناك اي مجال للتملّص. وقفنا وحكينا مع بعض، لكن المعلّمة لم تتمالك نفسها من لغتنا ولفظنا المريعين اللذين يبهدلان، فضحكت حتى سالت دموعها. وطبعا سال قلبي حزنا واسى وخجلا وتمنيت لو ان الدنيا انشقت وبلعتني. (يجب ان اذكر ان الفارياقية كانت ليلا تساعدني في حل الوظيفة، الى حد انها كانت تحل لي كل الوظيفة التي كنت اجدها صعبة. وما كنت اكاد انتهي من الوظيفة حتى اطلب من الفارياقية ان نتجوّل في باريس.) ما ان انتهت تلك الحصة الاشبه بالامتحان الكارثي حتى وجدت برنارد يدعوني بمنتهى الرواقة والهدوء، كأن شيئا لم يحدث، للانضمام الى مجموعته اللطيفة التي كان يدأب على الالتقاء بها بعد انتهاء الدوام للترويح عن النفس وما احوجنا الى الترويح عن النفس بعد الحصة الفرنسة ! فلقد كان من عادة برنارد ان يذهب الى المقصف وهو يجر عربته وهناك يستريح ويأنس الى الجلوس مع ايرلنديتين جميلتين نغشتين كانتا في مراحل متقدمة من الفرنسية والصفوف. وكان برنارد الهردبشت يمرّن معهما لغته القومية الغيلية، وخذ يا ضحك ! لا بل ان انجليزيتهما كانت مشوبة بلكنة غيلية. اصر برنارد ذاك اليوم ان اجلس معهم كما نفعل دائما، لكني رفضت لاني كنت اشعر ان الامتحان الشفهي قدام كل الصف كان فضيحة بجلاجل. فذهب برنارد الى المقهى بمنتهى الهدوء، وانا متأكد ان الضحك الايرلندي سينتشر في المقصف كما لو ان شيئا لم يحدث. وعدت انا الى البيت مفنوسا لا اريد الا النوم. من اين طلعت لي هذه اللغة الفرنسية الفراشية ؟! فرغم افتتاني بسماعها، كما لو كانوا يقولون شعرا امامي، الا ان اللفظ كان يجعلني محبطا جدا. بعد نهاية الدورة جلست المعلّمة مع كل واحد منا على حدة وقالت لكل طالب رأيها بلغته وكيف تطوّر. كنت اعتقد اني سأرسب. لكن المعلّمة فاجأتني حين اثنت على فرنسيتي (فرنسيتي ؟!) وبقدرة قادر رفعت الى الصف الثاني. عدت طائرا من الفرح واخبرت الفارياقية اني نجحت. بعد اسبوع، بدأت المرحلة الثانية وانا اشد ما اكون مللا وضجرا من الفرنسية. اخذت ارطن بالقليل من الفرنسية مجبرا وانا اتعذّب خاصة لاني كنت لا اقدر ان الثغ بالراء واطعج شفتيّ وارتكب الاخطاء العديدة. واعتقدت ان برنارد ترك الاليانس وكل باريس وعاد الى ايرلندا ليعيش بين ظهراني شعبه الاكثر مرحا وطيبة وعفوية. لكني ذات يوم وانا ارتشف قهوتي في المقصف رأيته على عادته يجر عربته بهدوء، فاقتربت منه وسلّمت عليه وسألته لماذا ترك المعهد. ضحك وقال ‘لم اترك.’ قلت له ‘اذن ؟’ فاطلق ضحكة وقال ‘نفس الصف. هذا ما تريده صديقتي وليس المعلّمة.’ ولان الايرلنديين الذين رأيتهم كانوا اصحاب نكتة عظيمة، فحسبت انه يمزح. لكنه اضاف بعد صمت وجدية :’كنت استطيع ان ارفع للمرحلة الثانية مع كتاب جديد سأملأه برسوم الكاريكاتيرات، لكن المعلّمة الطيبة وصديقتي الاطيب اقترحتا عليّ ان اتقوّى اكثر.’ في البداية لم اصدق. لكنه عندما اكدّ لي الامر شجعته على المضي على الدراسة، مع اني كنت اعرف سلفا ان المعلّمة ستشرح الدرس وهو سينغمس في رسم الكاريكاتيرات بلا كلل او ملل. بعد فترة تركت الاليانس غير آسف، وعدت الى تجوالي في باريس، واتعلّم ما استطيع تعلّمه بالحديث مع الفارياقية او صديقاتها. وعندما كنت اكون لوحدي كنت اضرب بالفرنسية عرض الحائط واتحدّث في معهد العالم العربي بالعربية على كيفي ومع الآخرين بالانجليزية، واذا ما اغلقت سبل اللغات كنت لا اجد ضررا في اللجوء الى الصمت. وذات مرة، وبعد شهرين وانا اتجوّل مررت قرب الاليانس، فقلت لنفسي ادخل واشرب فنجان قهوة هناك. جلست في المقصف اتأمل طلاب الفرنسية المجدين المجتهدين مسترسلا في افكاري عن الفرنسية الاشبه بالفراشات الجميلة التي يجب التقاطها بحذر لئلا تموت قبل ان تنطق بها، تناهي الى سمعي صوت مألوف يخاطبني بانجليزية ايرلندية :’كيف حالك ؟’ التفت الى الوراء، فرأيت برنارد يجلس الى طاولة متعبا. سألته عن حاله، فاجابني براحته المعهودة :’تمام’ بعدها قلت له ‘لا بد انك قطعت شوطا كبيرا في تعلّم الفرنسية ؟’ ضحك وقال وهو يرفع يديه للاعلى علامة الاستسلام :’ممتاز. الاول في صف الاول.’ لم افهم مزحته في البداية، لكنه بعد صمت قال مؤكدا :’الاول في صف الاول.’ استفسرت ‘ماذا تعني ؟!’ قال بمرحه الايرلندي المعهود :’اجرت لي صديقتي بعض الامتحانات في البيت، فاكتشفت اني لا اجيد شيئا مما في الفصل الاول.’ واعترضت تلك الصديقة انه لا يعقل ان يكون ابا لطفل فرنسي ولا يعرف الاساسيات، فاجبرته على ان يعيد صفه مرة اخرى.’ استغربت ‘كيف قبلت ؟’ قال ضاحكا ‘لذا اقول لك الاول في صف الاول.’ وذات ليلة من ليالي الصيف الخانقة طلبت من الفارياقية ان نتسلّق درجات المونمارتر القريبة من شقتنا ونسهر هناك. ففعلنا. كانت الساحة القريبة من ال ‘سكري كير’ تعج بالناس. تقدمنا في سيرنا ناحية الرسامين، فسمعت فجأة صوتا يناديني ‘ايها الفلسطيني.’ ايعقل هذا ؟! فانا لست في البلاد، ثم ان جورج الرسام زوج صديقة الفارياقية لا يعمل ليلا. التفت، فرأيت برنارد يقتعد مقعدا صغيرا ويضع لوحا كبيرا امامه. فوجئت، فسألته :’كيف وصلت الى هنا ؟!’ اجابني ضاحكا :’الاول في صف الاول.’ قلت له ‘عظيم ! لا بد انك في الاخير لويت عنق الفرنسية.’ اجابني ‘كادت تلوي عنقي انا، فتركت الاليانس غير آسف. لذا بقيت الاول.’ سألته ‘وكيف تحكي وتدبّر حالك هنا ؟!’ اجاب ‘قررت بمساعدة من صاحبتي ان اكون الاول هنا. شكرا للقديس باتريك الذي ساعدني.’ ‘اذن نجحت ؟’ قال ضاحكا ‘كل ما عليك ان تفعله هو ان تكون الاول في الصف الاول.’ وبنخوة واريحية اصر ان يرسمنا انا والفارياقية من دون مقابل. فكانت لوحة عظيمة زيّنت غرفة الصالون لفترة طويلة. سقى الله ايام باريس. (الجليل 19 آذار 2007)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية