الايدز… وصمتي التي لا تنمحي

حجم الخط
0

إذا وصلت رسالتي هذه إليكم فلا تعتقدوا أنها رسالتي الأولى، إنها السابعة أو الثامنة وربما كانت تاسع رسالة، فلطالما كتبت الرسائل إليكم دون أن أتمكن من إرسالهاô ليس لرغبة مني في عدم إرسالها، لكن أسباباً وأحكاماً أشد من إرادتي أدت إلى إعدام تلك الرسائل….
فرسالتي الأولى لم أرسلها لأنها ذابت بين يدي بفعل الدمع الهاطل عليها مدراراً من عيني…رسالتي الثانية لم أرسلها لأني يئست منكم.. يئست أن يفعل أحد منكم لأجلي شيئا.
رسالتي الثالثة لم أكتبها لأن شعوراً بالقهر في داخلي أغلق كل شيء.. شل تفكيري وجمد قدرتي على كتابة شيء.
رسالتي الرابعة لم أكتبها لأن شعوراً بالظلمة في أعماق نفسي أغلق عيني وحجب ناظري فانعدمت قدرتي على رؤية شيء.
رسالتي الخامسة لم أرسلها لأنها تلوثت بدمي الذي تعتبرونه نجساً.
رسالتي السادسة لم تستطع أوراقها احتمال غضبي عليكم وعلى الآخرين وحتى على نفسي.. فتمزقت وتناثرت كلماتها .
رسالتي السابعة لم أرسلها لأنها لم تكن سوى لون أسود يجلل صفحة بيضاء، وذلك ليس بغريب عن إنسان يعيش حياة لا بارقة أمل فيها.
ورسالتي الثامنة أحرقتها أمي في لحظة يأس.
لست الوحيد الذي يكتب رسائل ولا يرسلها. فمن هم في مثل حالي لا يأتي ساعي البريد الى بيوتهم.
لكن هذه المرة قررت أن أكتب رسالتي.. فقرروا أنتم أن تستمعوا إلى كلماتي… فإذا لم تفعلوا فإني حارق رسائلي كما أحرق نيرون مدينته؟
بدايتي ستكون بالسلام عليكم.. فأنا منكم… أعيش معكم وتحيتي السلام- تحية الإسلام- والسلام هو الأمان… أعطيكم الأمان، فهل تعطونني إياه؟ أنا واحد من هذا المجتمع واحد منكم، لا أحقد عليكم ولا أكره منكم أحداً، أحبكم… أحب الأطفال في مثل سني، أحب من يكبرني من الشباب وأتشبه بهم، فلماذا تبتعدون عني…. أمد لكم يدي مسلماً فتجتنبني أياديكم، فقط لجهلكم أن دائي لا ينتقل بالسلام، فأمي التي أعيش معها بمرضي هذا منذ عشرة أعوام، تعانقني وأقبلها دون أن تصاب بالمرض، وأنجبت لي منذ أيام شقيقاً غير مصاب.
إني أبادركم السلام فاستجيبوا لي، احتضنوني بينكم حتى لا يصيبني اليأس… إنكم برفضكم السلام الذي أبادركم به تعلنون الحرب علي وعلى أمثالي، وتنبذونني وتنبذونهم لتضعونا في الزاوية الضيقة الحادة لنختنق بين مستقيمين بل بين سقمين سُقم المرض وسقم المعاناة من الوحدة.. فلا أجد إلا أن أحصر نفسي داخل تلك الزاوية الحادة أداري العار الذي تصموني به.
عندما بلغت السادسة من عمري ذهبت الى المدرسة، لم أكن أعرف في ذلك الوقت حقيقة مرضي. لاحظت في اليوم الأول أن جميع الأطفال يسيرون ويلعبون في جماعات إلا أنا.. حاولت أن أقترب منهم فابتعدوا عني. عندما عدت الى البيت سألت أمي عن سبب ذلك فأشاحت بوجهها عني وانهمرت الدموع على خديها… عندما سألت والدي تنهد ثم قال: الله يجازي اللي كان السبب.
لم أجد جواباً لسؤالي، لكن و ببراءة الأطفال ذهبت فى اليوم الثاني إلى المدرسة وحاولت الانخراط في إحدى المجموعات لكنهم انصرفوا عني، حتى صديقي الذي دعاني إلى تقاسم الإفطار معه بالأمس رأيته اليوم يتجنبني… عندما سألته عن السبب أخبرني أن أمه قد طلبت منه عدم الاقتراب مني.
كنت أتمتع بإصرار شديد لأن أحلامي كانت كبيرة وطموحاتي كانت عظيمة، ذلك الإصرار دفعني إلى الدخول للعب كرة القدم مع أطفال فصلي، لكن أحدهم دفعني خارجاً فسقطت وجرحت يدي اليمنى وأخذ الدم ينزف منها. تجمع التلاميذ حولي وكذلك المدرسات والناظرة دون أن يقترب أحد منهم لمساعدتي. وحده البستاني تقدم ورفعني وضمد جرحي.. ثلاثة أشهر قضيتها بالمدرسة كانت كافية لأدرك حقيقتي.. ليس حقيقة مرضي، فذلك كان أكبر من عقلي الصغير… لكن حديث المدرسات والتلاميذ فيما بينهم أوصلني إلى بعض الأفكار عني والتي لم ولن تفارقني أبداً فأنا طفل منبوذ وخطر عند بعضهم بل ونجس عند البعض الآخر، واعتبرني آخرون أنني نتيجة اللعنة الإلهية وأشياء أخرى لم أفهمها فى ذلك الوقت.
كبرت وكبرت مأساتي معي… كنت آوي إلى الفراش مبكراً فأضع الغطاء على وجهي لأبكي وأبكي وأبكي لعل الدموع تمحو خطيئتي، فهلا ذرفتم دمعة لأجلي لعل دموعكم تمحو خطيئتكم اتجاهي.
كان أخي الصغير يشرب من ذات الكوب الذي أشرب منه ويأكل بملعقتي أحياناً ولم يصب بالمرض، أما أقاربنا عندما يزوروننا فلم يكونوا ليأكلوا عندنا شيئاً. بل كانوا يتجنبون لمس ألعابي وأي شيء يخصني، ثم تقلصت زياراتهم حتى تلاشت كلياً.
عندما أُجرح كانت تُعلن حالة الطوارئ في البيت، فإذا ذهبت إلى المستشفى كانت تتغير الوجوه ويبدأ الهمس بين الممرضات. لم أتمتع بالحياة الطبيعية قط، ولم يكن مرضي بأشد إيلاماً لي بالقدر الذي كان يؤلمني تعاملكم معي.
ماذا أريد؟؟؟
أنا قوي…. أستطيع مواجهة مرضي بكل صبر وثباتة جأش، لأنه واقع ويجب إن أتعايش مع هذا الواقع الذي وجدت نفسي فيه أو وضعني الآخر فيه. لكن هل أستطيع أن أكون قوياً كل الوقت.. إنني استمد قوتي من قوتكم إن وجدت…لكنكم وبكل أسف مازلتم ضعفاء.. نعم ضعفاء بجهلكم ولن تستمدوا القوة إلا بالمعرفة… معرفة طبيعة مرض لا ينتقل إليكم إذا صافحتموني أو عانقتموني أو قبلـــتموني… لا ينتقل إليكم إذا جلستم معي وتحدثتم إلي….. لا ينتقل إليكم إذا شاركتموني الطعام…لا ينتقل إليكم إذا استعملتم دورة المياه التي استعملها ولا ينتقل إليكم إذا استعملتم فراشي أو ألعابي.
إذا تعلمتم الطريقة السليمة لتقديم الإسعافات الأولية لمريض الإيدز فلن تهرعوا أو تجزعوا كلما رأيتموني جريحاً… إن مرض الإيدز لا ينتقل إلا عن طريق الممارسة الجنسية مع شخص مصاب أو نقل دم من شخص مصاب أو استعمال أدوات مشتركة كالحقن وأدوات الحلاقة.
إذا عرفتم كل هذا اكتسبتم القوة.. وفي ذلك الوقت سأجد أياديكم تمتد إلى يدي لتنتشلني من عتمة الوحدة وتعينني على مواجهة المرض ـ حتى أودعكم في سلام ـ فليكن شعاركم دائماً لا للتمييز فى معاملة مرضى الإيدز.
الاسم:- لن أقول لكم من أنا حتى لا تقتلوني وأنا حي بابتعادكم عني وعزلي عنكم ووضعي في الزاوية الضيقة.
العنوان: أنا بينكم.. لن أظهر عليكم لأني صرت أخشى معاملتكم السيئة لي.. فابحثوا عني…ضموني إليكم…احتضنوني لأن احتضاني وتقبيلي لن ينقل المرض إليكم.
رقم البطاقة الشخصية:- لا بطاقة لدي لأني لم أتجاوز العشر سنوات بعد، وحتى عندما يصل عمري الثامنة عشرة فلن استخرج بطاقة شخصية لأنكم ستكشفونني وعندها لا أدري كيف ستتصرفون معي. لكن ومهما كنتم كراماً معي فلن تزوجوني الفتاة التي أحب.

د.حمد الرقعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية