البابا.. وسيناريو الإلهاء المتعمد

حجم الخط
0

البابا.. وسيناريو الإلهاء المتعمد

اكرام يوسفالبابا.. وسيناريو الإلهاء المتعمدعندما قامت هوجة الادانات والاستنكارات لتصريحات البابا بنديكت السادس عشر ـ والتي أقل ما يقال عنها انها نابعة عن جهل وغباء معا ـ تذكرت فرح العمدة الذي يدعي له كل أهل القرية .. فينشغلون بمجاملة العمدة رقصا وزمرا، والانكباب علي أطايب الطعام الخاص بمثل هذه الأفراح تاركين بيوتهم ليعبث فيها لصوص من قري أخري..وتذكرت أيضا ما كتبته من قبل عن لعبة كان الكبار يلعبونها معنا ونحن صغار ـ لا أعتقد أنها تجدي مع صغار اليوم بما يمتلكون من دهاء لم نكن نملكه ـ عندما نتشبث بشيء ما من أشياء الكبار ولا نريد أن نتركه.. فاذا بشخص كبير يقول للطفل بص شوف العصفورة! ليلتفت الطفل الي حيث أشار الكبير ويتلهي لحظة عما في يده وتكون هذه اللحظة كافية لأن يلتقط الكبير الغرض المطلوب ويخفيه عن عين الصغير.. ولأنني لم أعد أخجل من اتهامي بالايمان بنظرية المؤامرة.. خاصة بعدما أفصحت قوي الاستعمار العالمي عما تحيكه لنا من مؤامرة في وضح النهار ـ ولا تحاك بليل ـ وقال القوم بملء أفواههم انهم يسعون لاعادة رسم خريطة المنطقة وتشكيل ما أسموه مرة الشرق الأوسط الكبير ومرة أخري الشرق الأوسط الجديد..أجد نفسي في غير حاجة لانتقاء الكلمات المخففة لأقول ان ما فعله هذا البابا لا يخرج في نظري عن سيناريو مكرر داخل سياق واحد؛ هو افتعال ضجة عاطفية وانفعالية بين حين وآخر كلما كان القوم بصدد تنفيذ جانب من أجندتهم الرامية في نهاية الأمر للسيطرة علي كل مقدراتنا وثرواتنا ..وتثبيت أقدامهم في موقعنا الاستراتيجي الذي كان نعمة من الله فأحلناه ـ بغفلتنا واستغفالنا معا ـ الي نقمة ووبال. وأظن ـ وبعض الظن من حسن الفطن ـ أن من كتبوا خطبة البابا الأخيرة لم يكونوا بعيدين عن هذا المخطط ـ علي الأقل كأدوات؛ ان أردنا حسن الظن بشخص البابا نفسه واعتبرناه غير مشارك ـ ولننظر معا بهدوء الي بعض الملابسات: قيلت الخطبة يوم الخميس. ويعرف جميع من في الأرض أن اليوم التالي له يوم عيد بالنسبة للمسلمين في سائر أرجاء المعمورة، يقيمون فيه صلاتهم الجامعة التي يكونون فيها أقرب ما يكونون الي ذروة الاحساس بالانتماء الديني والرغبة في التقرب الي الله.. ويصبح للعبارات الحماسية في خطبة الجمعة فعل السحر في قلوب المؤمنين، فتلهب مشاعر الغيرة علي العقيدة والرغبة الصادقة في الجهاد والفداء.. ولا شك أن ما قيل من عبارات استفزازية ومستنكرة في خطبة البابا ـ سواء كانت عن جهل وغباء وحسن نية من بيندكت؛ وتواطؤ كتبة الخطبة، أو عن تواطؤ الجميع ـ لم يكن مستغربا معه أن تثور ثائرة ملايين المسلمين في كل أصقاع الأرض الذين حركتهم غضبتهم للدين وعاطفتهم المتأججة لاتخاذ مواقف انفعالية في معظمها، تراوحت بين ادانة واستنكار ومطالبة باعتذار، الي دعوات للقصاص؛ وصلت ببعض المهووسين الي دعوات لاغتيال البابا، واشعال حرائق في كنائس وبيوت عبادة يذكر فيها اسم الله. وجري ذلك حتي في الأراضي التي باركها الله حول المسجد الأقصي، وحيث كان لكنيسة المهد موقفها المشهود يوم حمت المناضلين الذين استجاروا بها ورفضت تسليمهم لأعدائهم، وتحملت في سبيل ذلك القصف. ورغم البيانات القوية والنبيلة التي صدرت عن رموز مسيحية مثل الأب عطا الله حنا في فلسطين والذي قال بصوت جهوري جاد سمعه كل من تابع الأحداث علي شاشة الجزيرة نحن نرفض أي اهانة للاسلام والمسلمين من أي جهة كانت، ونطالب الفاتيكان بتوضيح وكرر نيافته ما نعلمه جميعا من أن هناك مخططات تستهدف اذكاء الفتنة بين أبناء الوطن الواحد لتفتيت جهود المدافعين عن هذا الوطن، ورغم تصريحات مماثلة من زعماء الكنــــائس الشرقية؛ مما دفع رجال الفاتيكان لمحاولة الالتفاف علي سقطة البابا، ولكن دون اعتذار صريح، مما يعني أن تستمر الهوجة فترة أطول، تفعل فيها سياسة فرق تسد أفاعيلها بين أبناء الوطن الواحد. لم تكن عبارة بوش عن الحرب الصليبية زلة لسان.. ولم يكن صامويل هنتنغتون يبحر في سماء الفذلكة الفكرية عندما تحدث عن صراع الحضارات ولا فوكوياما عند حديثه عن نهاية التاريخ.. ولم يكن البابا بالسذاجة التي يريدون تصويرها لنا عندما خطب عشية يوم الجمعة مهاجما عقيدة أكثر من مليار انسان علي هذه الأرض، معظمهم يعيشون ـ بالمصادفة ـ في مواقع استراتيجية تضمن سهولة وصول ذراع العسكرية الأمريكية والصهيونية الي من تسميهم محور الشر في كوريا الشمالية وايران.. وتضمن الوقوف بوجه العملاق القادم والذي يشكل خطرا قادما من الشرق اسمه الصين؛ فضلا عن وضع القدم في أماكن تطل عن كثب علي الدولتين النوويتين في شرق آسيا الهند وباكستان وفضلا عن هذا الموقع الاستراتيجي هناك الثروات الطبيعية الضخمة التي تضمن السيطرة علي منابعها استمرار بقاء الاحتكارات العالمية الضخمة .. واستمرار تدفق الثروات علي جيوب القوي الصهيوأمريكية، التي تسيطر ـ بالمصادفة أيضا ـ علي معظم هذه الاحتكارات ان لم تكن جميعها. لا أعتقد أنني أبالغ في الخيال عندما أري أن ما حدث يوم الخميس الماضي مقصود منه جر المسلمين والعرب بالتحديد الي معركة حماسية يستنفذون فيها طاقاتهم، وتصرفهم عن الانتباه لما يخطط لهم بالفعل علي أرض الواقع.. ولذلك لا أصدق أبدا فكرة الحرب علي الدين التي نجحوا في ترويجها بيننا.فقوي الاستعمار لا تهمها الأديان.. أي أديان!.. ولا تهدف للتبشير بأي دين لتحارب دينا آخر.. ولا أدل علي ذلك من أن أصحاب الدين الأقل عددا في العالم .. والذين لا يبذلون أي جهد للتبشير به.. بل ان عقيدتهم لا تقبل المتحول لديانتهم ان لم تكن أمه علي نفس الدين.. هم أصحاب السيطرة الفعلية علي الساحة العالمية.. هي بالفعل ليست حربا دينية!.. ولكنها حرب للسيطرة والهيمنة .. غير أن القوم تلمسوا فينا النقطة التي يمكن أن تثيرنا وتدفعنا لاستنزاف قوانا وانفعالاتنا..وتصرف أنظارنا عن أجندات تنفذ علي الأرض.. هناك مخططات لتصفية القضايا الفلسطينية واللبنانية والعراقية.وتمهيد الطريق لظهور الشرق الأوسط الجديد بزعامة الكيان الصهيوني.. ومطلوب منا جميعا أن نتخلي عن الهوية العربية ـ بالتحديد ـ حتي نصبح كلنا سواء ..لا فرق بين عربي وصهيوني.. نتفق جميعا في أن هويتنا شرق أوسطية والطريق الأسهل لتنفيذ هذه الأجندة بهدوء ودون ممانعة..هو شغل العرب ـ المعروفين بأنهم عاطفيون وتجذبهم المعارك الانفعالية ـ بفتن طائفية بين مســــلمين ومسيحيين وبين شيعة وسنة وفتن عرقية بين أكراد وعرب وتركمان ونوبيين وأمازيغ.ہ كاتبة صحافية ومترجمة مصرية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية