تعتبر الباحثة التونسية في الحضارة الإسلامية د. ناجية الوريمي بوعجيلة أن ملف الحريّات في تونس ليس مرتبطا بهذه الجهة أو تلك، بهذا الطرف أو ذاك، لأنّه ليس مجرّد مبادرة فرديّة أو فئويّة معزولة، تنقضي إذا ما انقضى أصحابها، بل هو ما تقتضيه دستوريّة القوانين في البلاد. وتشير في حديثها لـ”القدس العربي” إلى أن المجتمع العربي ما زال يعاني من تبعات بداية خاطئة في مسار التحديث منذ القرن التاسع عشر، وهي بداية اقترنت بما سُمّي بعصر النهضة، حين فوجئ العرب بحداثة غربيّة وافدة. وقالت إن الثقافة العربيّة، ككلّ الثقافات العريقة، تُطرَح فيها بحدّة إشكاليّة العلاقة بين التراث والحداثة، لأنّها محكومة تاريخيّا وحضاريّا بمنطق الاستمرار. وتضيف أن الدولة الحديثة في العالم العربي ما زالت تشهد أزمات متتالية لأنّ أسسها غير واضحة. فهي خليط متنافر من المفاهيم والمقوّمات. يشار إلى أن الباحثة والمفكرة بوعجيلة هي أستاذة التعليم العالي في المعهد العالي للعلوم الإنسانيّة، في جامعة تونس المنار. مارست التدريس والبحث العلميّ والتأطير في الجامعة التونسيّة. في اختصاص الحضارة العربيّة الإسلامية. وأشرفت على عدد هامّ من الأطروحات ورسائل الماجستير. وشاركت في أنشطة وحدات البحث الجامعيّة المختصّة في قضايا الحضارة العربيّة الإسلامية. ولها إقامتان علميّتان في فرنسا بدعوة من مدير الدراسات بالمدرسة التطبيقيّة للدراسات العليا في السربون.
ولها العديد من الكتب المطبوعة والمقالات والبحوث المنشورة ضمن أعمال جماعيّة، وفي دوريّات علميّة مختصّة. وفي ما يأتي نص الحوار:
*لنبدأ من ملف الحريات والمساواة في الإرث في تونس، كيف تفسرين الجدل الدائر بشأنه خاصة بعد التغيير الحاصل في المشهد السياسي وأين وصلت مسيرة حقوق المرأة؟
**ملف الحريّات في تونس ليس مرتبطا بهذه الجهة أو تلك، بهذا الطرف أو ذاك، لأنّه ليس مجرّد مبادرة فرديّة أو فئويّة معزولة، تنقضي إذا ما انقضى أصحابها، بل هو ما تقتضيه دستوريّة القوانين في البلاد. أعني القوانين المتعلّقة بالحريّات اليوم والجاري العمل بها في حاجة إلى تعديل ليتماشى ودستور 2014 الذي صادقت عليه كلّ الأحزاب، ورضيت به كلّ الأطراف. وهو ينصّ على أصول كلّ الحريّات تقريبا.
*كيف تستشرفين مسار الانتقال الديمقراطي والسياسي في تونس في ظل الصعوبات الراهنة؟ وهل سيتخطى المجتمع التونسي الأزمة التي يعيشها؟
**أنّ تونس ما زالت تتحمّل تبعات الديمقراطيّة التمثيليّة القائمة على معيار “الكمّ” أو “العدد” وهذا المعيار يتحوّل إلى مصدر مشاكل خطيرة أحيانا في مجتمع ما زال يعاني من الفقر ومن محدوديّة الثقافة في الوقت نفسه. لأنّ توظيف المال من ناحية، وتوظيف العاطفة الدينيّة أو الجهويّة أو حتّى القبليّة، من ناحية ثانية، من أبرز آليّات الاستقطاب الانتخابي. في نظري لا بدّ من التفكير في ما يسمّيه بعض المنظّرين في الفلسفة السياسيّة هابرماس، الديمقراطيّة التداولية القائمة أساسا على أخلاقيّة الحوار – أو نظريّة الفعل التواصليّ- ممثّلة في المواطن الفاعل الذي يشارك غيره في رأيه في ضرب مما يمكن أن نسميه “التفكير معا” بهدف اتّخاذ القرارات العامّة المتعلّقة بالشأن العامّ. وهو تداول للآراء يوجّهه الحوار المدعم بالحجج، والحرص على توفير الخير للجميع. وهذا ما يمكن أن يخلّص كلّ الأطراف الحزبية وغير الحزبيّة من براثن الانغلاق والثبات على المعطى الأيديولوجي ليقربّها من وجهة النظر العامّة.
*ذكرت سابقا ان الانسداد التاريخي الراهن، هو نَتاج تقصير الفكر العربي المعاصر في تحمل مسؤولياته الفكرية، في إرساء علاقة نقدية واعية بالماضي، والتراث، فهل توضحين ذلك؟
**المجتمع العربي ما زال يعاني من تبعات بداية خاطئة في مسار التحديث منذ القرن التاسع عشر، وربّما قبل ذلك. هي بداية اقترنت بما سُمّي بعصر النهضة، حين فوجئ العرب بحداثة غربيّة وافدة، نبّهتهم إلى أنّهم لم يعودوا “خير أمّة أخرجت للناس”. وكانت ردّة فعلهم مرتبكة، مجانبة لشرط التقدّم اللازم لمجتمعٍ قضى قرونا في الانحطاط، وهو شرط نقد الماضي قبل التفكير في مشاريع البناء والتحديث. لأنّ الحداثة لا تُبنى في أرضيّة تنشز عنها أو لا تتفاعل معها إيجابيّا. والعرب لم ينقدوا ماضيهم لأنّ رهانهم حينذاك هو كيف يحمون هويّتهم من مخاطر الذوبان في هويّة “الآخر الغازي”. وتحوّل الماضي بكلّ عناصره إلى مكوّن أساسيّ من هويّتهم، بل ربّما أصبح هويّتهم في حدّ ذاتها. وهكذا تعطّلت عمليّة النقد إلى أجل غير مسمّى، متسببة بذلك في تعثّر عمليّة التحديث، باعتبار أنّ أفكارا كثيرة منافية لروح العصر، وعادات بالية، ظلّت تقف حائلا دون التطوير الجذريّ للواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي.
ونقد الماضي لا يعني القطع معه وإلغاءَه، فهذا غير ممكن لا نظريّا ولا عمليّا، بل يعني اتّخاذ مسافة منه، تسمح بتفكيكه بكلّ جرأة وشجاعة لإعادة امتلاكه امتلاكا نقديّا واعيا. عندها سنكتشف فيه القيم الإنسانيّة التي تدعم انخراطنا في منظومة القيم الكونيّة اليوم، وسنكتشف العقلانيّ الذي يمكن أن نستعين به في الردّ على كلّ الأطروحات التي تحتمي بالمقدّس لتمرير رؤى الجهل والتخلّف. وفشل الفكر العربي في نقد الماضي، ما زالت أصداؤه تتردّد إلى اليوم. إنّ الماضي “المتخيّل” في جانب هامّ منه، لا يزال يمارس سحره على نفوس خيّب آمالَها الواقعُ العربي، واستفزّها واقع العولمة المجحف، فانجذبت إلى دعوات ماضويّة، الهروب من مواجهة تحدّيات المستقبل حقيقتُها، والعنفُ في التعامل مع المختلف اختيارُها.
*تتحدّثين عن عمليّة التحديث، هلّا أوضحت لنا معنى الحداثة، وما علاقتها بالماضي أو بالتراث؟ وهل هناك إمكان لحداثة عربيّة؟
**الحداثة المعاصرة لها قيمها ومفاهيمها: هي مفاهيم العقلانيّة الديمقراطيّة ومسؤوليّة الفرد والنزعة الإنسانيّة، وهي قيم العدالة والمساواة والتسامح والحريّة وغيرها. وهذه كلّها معان تبلورت في نطاق الابستيميا الحديثة. وقد طرحها المفكّرون والفلاسفة باعتبارها حلولا لمشاكل الانتظام والتعايش داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات. لكن لا نتصوّر أنّ المفكّرين والفلاسفة القدامى لم يتوصّلوا إلى ما يقرب من هذه الحلول، أو على الأقلّ ما يمثّل درجة دنيا من درجاتها. فنحن نجد في حصيلة كلّ تجربة إنسانيّة خطابات تنهض بهذه الدلالات. واستحضارها اليوم يمكن أن يرسّخ هذه القيم في الضمائر ويقدّم رصيدا معنويّا رمزيّا صالحا للتطوير وللتأصيل. والتراث العربي لم يخلُ من هذا الرصيد، لا في مستوى المواقف والتصوّرات العقليّة التي حققت مكاسب معرفيّة وكرّست فهما مقاصديّا للدين، ولا في مستوى القيم التي آمنت بالإنسان. ومن المفيد الكشف عنه اليوم، ليس في إطار تمجيديّ ينسب إلى الذات وإلى الماضي فضل الأسبقيّة والألمعيّة في كلّ شيء، ولكن في إطار نقديّ نقف فيه على أوجه التواصل والانقطاع، ويكون مساعدا على ترسيخ الوعي بالتاريخ، وبتاريخ المفاهيم تحديدا، وهما مقوّم من مقوّمات التحديث.
ثمّ إنّ في كلّ حداثة جانبين: هناك جانب كونيّ هو قاسم مشترك بينها وبين سائر الحداثات الماضية أو المعاصرة، وجانب آخر خصوصيّ يمثل روح مجتمعها وتاريخه وطموحاته وفنونه إلخ.. والنموذج الثقافي الغربي ليس بالضرورة ضدّا للحداثة العربيّة. إنّه في المرحلة الراهنة مَعين انطلاقتنا المعرفيّة إن كنّا نريد أن نواصل من حيث انتهى الآخرون، ومعين الصياغة التنظيريّة للقيم الكونيّة التي ليس لأي مجتمع أو حداثة أن تظلّ في نشاز عنها اليوم. أمّا غير هذا وذاك، فيظلّ خاصّا به وبالمجتمع الذي يمثّله. والنموذج الثقافي العربي إن كان المقصود به تطوير هذا الجانب الخصوصيّ، فهذا مشروع، بل واجب في كلّ مجتمع من باب التشريع للتعدّديّة والحقّ في الاختلاف داخل الدائرة الإنسانيّة الموسّعة، أمّا إن كان المقصود به رفضا كلّيّا لأيّ نمط ثقافي أجنبيّ، فقط لأنّه أجنبيّ، والانغلاق على الذات، فهذا اختيارٌ ولّى زمانه.
والجدير بالملاحظة أنّ الثقافة العربيّة- ككلّ الثقافات العريقة- تُطرَح فيها بحدّة إشكاليّة العلاقة بين التراث والحداثة، لأنّها محكومة تاريخيّا وحضاريّا بمنطق الاستمرار، ولأنّ للسياق التاريخيّ الذي يحكم كلّ ثقافة، من حيث ثراء تراثها الحضاريّ وتنوّعه، دورًا لا يمكن تجاهله في تصوّر البدائل التحديثيّة، وفي إثبات قدرة تلك الثقافة على النجاح مادّيّا ومعنويّا. فالثقافة القويّة بتراثها تكون أكثر قدرة على التفاعل إيجابيّا مع مكتسبات الحضارة الكونيّة من حيث الانخراط فيها انخراطا قابلا لأن يتجاوز “الاستهلاك” إلى الإضافة والإثراء.
*كيف تفسرين موجة العنف الطائفي الذي تشهده المنطقة؟
**الدولة الحديثة في العالم العربي ما زالت تشهد أزمات متتالية لأنّ أسسها غير واضحة. هي خليط متنافر من المفاهيم والمقوّمات، ولم تقطع إلى اليوم- ونحن في القرن الحادي والعشرين- مع الموروث السياسي الذي كرّسته أنظمة الحكم التقليديّة والمستبدّة. لذلك ظلّت هذه الدولة متعثّرة- بل فاشلة في الكثير من الأحيان- في إقرار العدالة الاجتماعيّة والديمقراطيّة والتسامح بين طوائف المجتمع الدينيّة والمذهبيّة والعرقيّة. العدالة الاجتماعيّة والديمقراطيّة هما شرطان للقضاء على أسباب التنافر بين مكوّنات المجتمع الواحد. وبهما يتحقّق الاندماج الاجتماعي، وتغلب بفضلهما عاطفة المواطنة على أيّ عاطفة أخرى. والمواطنة ليست إلغاء للانتماءات الخاصّة والضيّقة: الدينيّة أو المذهبيّة أو غيرها، بل هي تجاوزٌ لها في سبيل الوصول إلى وعي اجتماعي مشترك يلحم صفوف الجميع ويوحّدها في إطار الدولة. وكلّ هذه الانتماءات تظلّ مكفولة بمبادئ الحريّات الفرديّة التي يجب أن يحميها القانون.
معظم السياسات العربيّة فاشلة في تكريس مفهوم المواطنة في إطار الدولة الحديثة، وواقع العالم العربي اليوم أكبر دليل على ذلك، ففي بعض الدول لم تكن مشاكل الصدام الطائفي أو المذهبي أو الديني تظهر للعلن بسبب تسلّط الأنظمة القائمة فيها و”كتمها” لعوامل التنافر المتأصّلة في المجتمع بمختلف مكوّناته. وبمجرّد أن انهارت هذه الأنظمة انهار معها الاستقرار والانسجام الاجتماعي الظاهريْن. ذلك ما أثبتته الحالات التي سقطت فيها نظم سياسيّة استبداديّة وانفجرت بعد سقوطها المشاكل الطائفيّة وغيرها، مثلما حدث في العراق واليمن وليبيا، ومثل ما يمكن أن يحدث في دول عربيّة أخرى، لأنّ الانتماء الحقيقيّ الذي كان يتحكّم في قسم هامّ من الوعي السياسيّ لدى رعايا تلك الدول، هو انتماء طائفيّ غَلَب- وظلّ غالبا- على الانتماء الوطنيّ. وهذا ما يفسّر موجة العنف الطائفي الذي تشهده المنطقة العربيّة اليوم، والخطير أنّ بعض الطوائف – في ظلّ غياب الدولة- تبحث عن فرص الظهور وتحقيق مكاسب خاصّة بها، حتّى وإن تحوّلت إلى ضحيّة للتحالفات الخارجيّة التي لا تعطي لها اعتبارا في ذاتها بل تتّخذها طريقا إلى التدخّل في شأن البلد وسيادته وتعقيد ازماته.
إنّ المطلوب من الدولة العربيّة الحديثة هو أن تراهن بشكل أساسيّ على إنشاء حسّ وطني عميق لدى مواطنيها، وهو الحسّ الذي سيقف في وجه الطائفيّة المتجدّدة، والذي يقوّيه العدل الاجتماعي الكفيل بترسيخ الانتماء إليها. والممارسة الديمقراطيّة ستُشعِر كلّ المواطنين بقيمتهم الاعتباريّة، لأنّهم يشاركون في الشأن العام وفي تحديد المصير، ولأنّهم أصبحوا “مسؤولين” بشكل من الأشكال. وعندما يترسّخ مفهوم المواطنة في المجال التداوليّ العربيّ، سياسيّا وثقافيّا واجتماعيّا، سيعطي معنى لوجود الإنسان العربي بصفته مواطنا فردا حرّا، يعمل من أجل البناء والاستقرار.
*ما أسباب انكفاء الفكر العربي عن تحليل الخطاب الديني وتحديثه؟
**هناك سببان في نظري يكمنان وراء هذا القصور في تحليل الخطاب الديني: واحد سياسيّ، والآخر معرفيّ. يتمثّل السبب السياسيّ في غياب مفهوم الحريّة من وعي المواطن العربي، ومن المجال التداولي. بينما الحريّة شرط ضروريّ للتفكير والإبداع والإضافة. ولست في حاجة هنا إلى التذكير بالمآسي التي حلّت بكلّ من تجرّأ ونقد الفكر الديني السائد سواء في القديم أو في الحديث، فمصيره يتراوح بين التكفير والمصادرة والاتّهام بالتآمر على الدين مع أطراف خارجيّة، إلى غير ذلك. وهذه مآلات لا أعتقد أنّها تشجّع على المضيّ قدما في تحليل الخطاب الديني وتحديثه. السبب الثاني معرفيّ، ويهمّ بضعف التكوين في المناهج اللازمة لتحليل الخطاب عموما. وهو تكوين موكول بدرجة أولى إلى المؤسّسات التعليميّة، من الأساسيّ إلى الثانويّ إلى العالي. لكنّ السائد فيها اليوم هو الطرق التلقينيّة التي لا تشجّع على اكتساب الفكر النقدي وإحكام مناهج التحليل والتعليل وإعادة التركيب. عقول الناشئة في العالم العربي اليوم يغلب عليها التسليم والاتّباع، ولا نجد لها أثرا يذكر في النقد والإبداع.
*ما أسباب تفشي الخطاب السلفي وتراجع الخطاب التنويري لدى بعض الفئات خاصة الشباب؟
**الذهنيّة العربيّة لا تزال واقعة تحت سلطة الماضي وعاجزة عن الانتماء الإيجابي إلى الحاضر، ولم تمرّ بعد إلى موقع المسيطِر على ماضيه المالك لحاضره. وهو ما أوضحه الفيلسوف ريكور من خلال تحديده لكيفيّتين من الوعي بالماضي: الأولى هي “الحزن” على الماضي بمعنى استمرار الارتباط والارتهان به إلى درجة فقدان الذات لاعتبارها وقيمتها في الحاضر، والثانية هي “الحداد” على الماضي بمعنى التخلّص شيئا فشيئا من هاجس استعادة وضعيّات ماضية للعيش فيها من جديد. والمسلمون اليوم مطالبون بأن يكفّوا عن الحزن على ماضيهم، أي أن يعوا أنّهم انفصلوا عنه زمنيّا، ليعوا أيضا قيمتَهم في الحاضر، وليصبحوا قادرين على إبداع الجديد في عمليّة جدليّة متواصلة لا تقطع مع الماضي، بل تتخذ منه مرتكزا رمزيّا للقفز نحو المستقبل. وعمليّات تشريح التراث- كما ذكرت سابقا- هي الكفيلة وحدها بالتمييز بين الظرفيّ الذي أدّى دورًا مَا، في فترةٍ مَا، وولّى زمانُه، فلا مجال لِلَيّ عنق التاريخ حتّى يُبعث فيه مرّة أخرى، وبين الإنسانيّ الدائم الذي يمكن أن يستمرّ متّخذا في كلّ مرحلة من مراحل التطوّر الحضاريّ شكلا مناسبا. وهذا الإنسانيّ الدائم، والذي كان فيه للحضارة العربيّة الإسلامية نصيب- ككلّ الحضارات- هو القيم الخالدة، والفهم المقاصدي للدين بطريقة يكون فيها عامل دعم للتطوّر المستمرّ، وترجيح كفّة العقل بما هو السبيل إلى التصحيح والتجاوز والبناء. فالمسألة إذن لا تخصّ الشباب فقط، بل هي ظاهرة شبه عامّة أكاد أقول اجتماعيّة. ولا ننسى أنّ الفشل في التحديث السياسيّ والاقتصاديّ، مع ما يفرزه من أزمات متتالية أكثر ضحاياها الشباب، يشجّع على استشراء هذه النزعة الماضويّة. والحلّ الثقافيّ النقديّ الذي تحدّثت عنه، يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع تكريس الديمقراطيّة والعدالة، والبناء الاقتصادي.
*ماذا عن كتابك الأخير “زعامة المرأة في الإسلام المبكر بين الخطاب العالمِ والخطاب الشفهي” وما أبرز ما جاء فيه؟
**أردت في هذا الكتاب أن أكشف عن سبب من أسباب الغياب الصارخ للمرأة العربيّة في مراكز السلطة واتّخاذ القرار، وهو السبب المتّصل بالعقليّة الاجتماعية السائدة التي تؤمن بالقصور البديهيّ للمرأة في هذا المجال. وحللّت الأسس التاريخيّة لهذه العقليّة، والتي تعود جذورها إلى فترات بعيدة، لا تزال أصداؤها تتردّد إلى اليوم، لأنّها التبست بالدين، وهو منها براء.
عبّرت عن هذه العقليّة الرواية التاريخيّة الرسميّة وهي جزء من منظومة ثقافيّة تبرّر أوضاعا معيّنة، للرجل فيها الأدوار القياديّة الفاعلة وللمرأة الأدوار التي لا تتجاوز “أنوثتها”. والمفهوم التقليديّ لعلم التاريخ في القديم، والمقترن بالعبرة والاعتبار، يجعل المشتغلين به يولون أهمّيّة خاصّة لكيفيّة تقديم الوقائع والتجارب التاريخيّة. فعدلوا عن تقديم تجارب الزعامة النسائيّة الناجحة فعلا، حتّى لا يستدلّ بها على قدرتها على المشاركة الفاعلة، وعلى أهليّتها للقيادة.
لذلك بيّنت كيف أخضع المؤرّخون الرسميّون الزعامات التي عرفها الإسلام المبكّر- وهو الفترة المرجعيّة التي تتسم “بحجّيّة” تاريخيّة خاصّة في الضمير الجمعيّ- لإعادة تشكيل تخدم القيم التي يدافعون عنها، وتصوغ مفهوما للزعامة يختزل تصوّرهم لضرورة احتكار الرجل للسلطة. وتجارب الزعامة النسائيّة الناجحة في الماضي- مثل زعامة عائشة، وزعامة سجاح، وزعامة الكاهنة- هي رصيد رمزيّ يسوّغ لثقافة التحديث الاجتماعي ردَّ كلّ ادّعاء قائم على عدم أهليّة المرأة للقيادة وتحمّل المسؤوليّات. فهو يبطل الاستشهاد بالتاريخ، أو بآراء الفقهاء القدامى، على أنّ القوم لا يفلحون إن هم ولّوا أمرهم امرأة، لأنّ هذا التاريخ وتلك الآراء لا تعدو أن تكون مجرّد تشكيل أيديولوجي للأحداث والوقائع، ومجرّد وجهات نظر لا علاقة لها “بالدين” أو “بالإرادة الإلهيّة” أو “بطبيعة المرأة” المنقوصة.
*ما تقييمك وقراءتك لمشاريع التغيير السياسي والثقافي في العالم العربي؟
**النموذج الثقافي العربي المؤهّل للإصلاح وللتغيير لا يزال إلى اليوم في حدود الأطروحات الأيديولوجيّة التي تبحث عن تقدّم يستجيب لمنطلقات إيديولوجيّة خاصّة بهذا الطرف أو ذاك، ولم يرتق بعدُ إلى بلورة الأسس والآليّات الفكريّة الكفيلة بإطلاق العقل العربي من عقاله، وذلك بنقد نُظم التفكير، وبلورة المفاهيم الجديدة القادرة على نقل الوعي بالوجود الإنسانيّ والطبيعيّ، من أرضيّته الكلاسيكيّة البائدة، إلى أفاق حديثة منفتحة على المستجدّات العلميّة في سائر حقول المعرفة. إنّ تأسيس عقل نقديّ لا يخضع لسلطة، إلّا سلطة تقديره المعلّل للأمور، هو الطريق إلى الخروج من الأزمة المزمنة التي يتخبّط فيها العالم العربي. ولا ننسى أنّ غياب العقل النقديّ، أو ضعفه، هو الذي يفسّر الانتشار الخطير لإيديولوجيّات سلفيّة مدمّرة للمجتمع وللمدنيّة، تحت مسمّى الالتزام بالدين والدفاع عن المقدّس.
*ما أبرز كتبك ومؤلفاتك المقبلة؟ وماذا شأن المستقبل العربي؟
**أنا منشغلة الآن بإتمام كتاب عن الفكر المالكي، أرجو أن يرى النور قريبا. وبودّي أن أختم هذا الحوار بالآتي: إنّ المستقبل الذي ينتظرنا، لن أقول فيه ما قاله المصلح ابن أبي الضياف بعد أن أدرك البون الشاسع بين واقع بلاده وواقع الدول المتقدّمة: “لله فينا علم غيب نحن صائرون إليه” بل أقول: نحن قادرون على إيجاد موطئ قدم في خريطة الحضارة الكونيّة، لأنّ مجرّد الوعي بالأزمة وبأسبابها، خطوة أساسيّة في طريق تجاوزها.