تقول الباحثة التونسية في قضايا المرأة والإسلاميات د. اقبال الغربي إن المساواة في الإرث هي المسألة الأكثر إثارة للجدل من بين سلسلة من الإصلاحات التي اقترحتها لجنة الحريات الفردية والمساواة التابعة لرئاسة الجمهورية التونسية. وتطرقت في حديثها لـ “القدس العربي” إلى مجمل التحديات التي واجهت عمل اللجنة منذ تأسيسها مؤكدة على ضرورة وضع مقاربة جديدة للإصلاح الديني في عالمنا العربي. مشيرة إلى أن نوعية التعليم في مجتمعاتنا تنمي لدى الأفراد الفكر المنغلق الرافض للنسبية والتعدد. كما تحدثت عن دور المرأة في تونس والمشهد العام في ظل المسار الانتقالي نحو الديمقراطية. ود. اقبال الغربي حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة السوربون اختصاص علم نفس وانثروبولوجيا وهي أستاذة تعليم عالي في جامعة الزيتونة ومديرة قسم الحضارة الإسلامية فيها. ولها العديد من المؤلفات الجامعية المنشورة في باريس وفي تونس ضمن بيت الحكمة في مجال علم النفس الديني.
وفي ما يأتي نص الحوار:
*في البداية ما تقييمك للوضع في تونس بعد ثماني سنوات من “الثورة” وهل تعتبرين انها نجحت في تجربتها الانتقالية إلى الديمقراطية؟
**طبعا الديمقراطية ليست بالشيء السهل، فهي مسألة معقدة ومتعددة الأبعاد، ولكن يبدو ان تونس تسير خطوات هامة إلى الأمام، فهناك تركيز للمؤسسات والعقلية تغيرت من الاستبداد إلى الحرية وشعار “لا خوف بعد اليوم” أصبح حقيقة. اليوم كل الفئات الاجتماعية تستطيع ان تعبر عن مشاغلها ومشاكلها بكل حرية. وطبعا الديمقراطية لا يمكن اختزالها في العملية الانتخابية، فالديمقراطية ليست فقط انتخابات وتداول على السلطة بل هي ثورة ثقافية وتغيير في العقليات وترسيخ لمبدأ المواطنة. هذا المبدأ الهام الذي يعني ان يكون للمواطن ذات قانونية متعالية على كل الخصوصيات الدينية والجنسية والعرقية وان يكون الكل سواسية أمام القانون. من هنا فإن مبدأ المواطنة هو أساس الديمقراطية. أيضا الحريات الفردية وحقوق الأقليات، فهذا هو الوجه الآخر للديمقراطية، فالديمقراطية لا تختزل في الانتخابات.
*لكن نلمس ان هناك لبسا لدى بعض الأفراد بين الحرية والديمقراطية والفوضى وتمثل ذلك مثلا في فوضى الاضرابات والاعتصامات فماذا تقولين؟
**لا أعتقد ان هذا يمثل إشكالا، فثماني سنوات من عمر الشعوب هي فترة ضئيلة وهناك مسار بيداغوجي سنمر به والشعب التونسي سيتعلم شيئا فشيئا.
*وكيف ترين دور النخبة التونسية في هذا المسار الانتقالي وفي تدعيم الديمقراطية؟
**دور الانتلجنسيا محوري ومحدد في الانتقال الديمقراطي. المثقف تعريفا هو الذي يدافع عن الحقيقة ضد الأوهام والأساطير المؤسسة للأمة. هو الذي يدافع عن العقل ضد النقل، عن حرية التفكير ضد قيود التكفير، عن الحقوق الطبيعية وعن القيم الكونية ضد التقاليد والأعراف والخصوصيات المعادية لها. هو نصير الفرد ضد تسلط الجماعة. فهو على شاكلة فولتير خلال “قضية كالاس” و “زولا” خلال قضية “دريفوس” يجابه الإجماع الغبي بالتميز النقدي ويزعزع آليات التطبع داخل اللعبة الاجتماعية بالابتكار والتجديد. في التاريخ كان دور النخبة محوريا في التحركات الاجتماعية وفي الحوارات الفكرية وكان ذلك عالما محددا في الثورة الفرنسية وفي كل الثورات التي عرفها التاريخ. النخبة التونسية اليوم لا تضطلع بهذا الدور التاريخي لان المناخ العام لا يزال معاديا لحرية التفكير ولا يزال الفصل بين البحث العلمي والسلطة السياسية والدينية والاجتماعية غير واضح.
*وكيف ترين تمكين المرأة اليوم في تونس على المستوى السياسي خاصة؟
**في الحقيقة كانت الثورة فرصة تاريخية للمرأة التونسية ورأينا العديد من الجمعيات النسوية قامت خلالها المرأة التونسية بنشاطات هامة، وكان للمرأة في الفضاء العام ظهور ملفت. وهذا ليس بالغريب عن المجتمع لان لدينا تاريخ نسوي في تونس. لا ننسى أن الحركة الإصلاحية التونسية كانت مهمة جدا في التاريخ وان لدينا مخيال جمعي لعبت فيه المرأة دورا أساسيا من عليسة إلى أروى القيروانية وفاطمة الفهرية. إذ لدينا في المخيال الجمعي التونسي صور ونماذج نسائية كانت فاعلة في المجتمع وفي التاريخ وهذا تواصل بعد الثورة ولعبت المرأة أدوار مهمة جدا في التحول الديمقراطي.
*بدأتم منذ فترة العمل ضمن لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة التابعة لرئاسة الجمهورية من أجل مراجعة وإصلاح عديد القوانين المتعلقة في تونس، فأين وصلت مساعيكم وما التحديات التي واجهتكم؟
**لقد شرفني الرئيس الباجي قايد السبسي وهو أول رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية في تاريخ تونس، بتسميتي في لجنة الحريات الفردية خلال صيف 2017. ومهمة اللجنة الرئاسية هي مراجعة المنظومة القانونية التونسية التي أصبحت مُتعارِضة مع دستور الجمهورية الثانية، علماً أن هذا الدستور الجديد قد أقر المساواة التامة بين النساء والرجال ومنع التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد، أو العرق، أو الجنس طبقا لفلسفة حقوق الإنسان، وهو ما يستلزم ملائمة مختلف القوانين مع ما ورد في هذا الدستور.
وقد حرصنا منذ البداية مع كامل الفريق على تبني مقاربة تشاركية. فحرصت اللجنة على التشاور مع الخبراء في مجال القانون وعلماء الدين من كوادر وزارة الشؤون الدينية وأساتذة جامعة الزيتونة وكذلك ناشطي المجتمع المدني وأبرز وجوه الانتلجسيا التونسية.
وفي هذا السياق كانت المساواة في الإرث هي المسألة الأكثر إثارة للجدل من بين سلسلة من الإصلاحات التي اقترحتها لجنة الحريات الفردية والمساواة .
ويطمح مشروع القانون المعروض إقرار المساواة في الإرث كقاعدة عامة مع تمكين المواطنين الراغبين في الاستثناء منها، سواء لأسباب دينية أو شخصية أو غيرها، ذلك من خلال عقد لدى العدل أو وصية، حسب ما ينص عليه المقترح.
*أثار هذا المقترح جدلا كبيرا في الأوساط التونسية وحتى العربية فماذا تقولون؟
**لقد أثارت هذه المبادرة التشريعية جدلا شديداً ليس في تونس فحسب، بل في العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى وصل إلى درجة التظاهر والاحتجاج في الشوارع بتعلة أنها تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية وتزعزع ثوابت الأمة. لذلك سعى المناهضون لهذا المشروع إلى تشويه طبيعة المسألة فحولوها من مسألة عدل ومساواة اجتماعية إلى مسألة عقائدية بحتة .
فإذا كان هذا التعديل القانوني يفرض نفسه باسم الديمقراطية التي تعد مسألة المساواة التامة بين مواطنيها في الواجبات والحقوق إحدى ركائزها وحسب أحكام الدستور الجديد، باعتباره النص المؤسس للعقد الاجتماعي النّابع من الثّورة، فإنّ دراسة مدقّقة لتحوّلات المجتمع التّونسي، من شأنها أيضا أن تُقدّم حججا حاسمة دفاعا عن هذا التغيير التشريعي.
وبالفعل فان الديناميكية الاجتماعية قد أفرزت في المجتمع التونسي تحولات بنيوية وسوسيولوجية، أثرت على منظومة القيم وأنماط تمثلها ومسالك تطورها في الأوساط الاجتماعية.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن القانون التونسي يجبر المرأة على الإنفاق والمشاركة في تحمل أعباء أسرتها، بينما يعفيها الفقه الإسلامي من ذلك، فنحن أمام مفارقة قانونية.
وبالتالي فإن هذه المكانة الجديدة للمرأة التونسية تقتضي اليوم الاجتهاد في تفسير الأحكام القرآنية في اتجاه قراءة تحررية ومقاصدية تميز- كما قال المصلح الديني الطاهر الحداد -“بين ما جاء به الإسلام وما جاء من أجله”.
* ما هي الأسباب التي تدفع شبابنا للانضمام إلى الجماعات الإرهابية؟
**الأسباب متعددة ومعقدة ونذكر منها الفقر والتهميش. وهنا يؤكد علماء الاجتماع، والمحللون المتخصصون في دراسة الحركات الإسلامية، أن القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها الحركة التكفيرية الجهادية، غالبا ما تكون من الفئات الاجتماعية الفقيرة التي تعاني من تدني مستوى تعليمها، ومحدودية تكوينها الثقافي، ومن التهميش الاقتصادي. وفي مثل هذه البيئة الفقيرة والمهمشة، انبثقت الأصولية الجديدة.
لقد عرفت تونس حركة نزوح من الأرياف اقتلعت الآلاف من بيئتهم الأصلّية، الذين استقروا في الأحياء الشعبية الفقيرة في أحزمة المدن، عاجزين عن التحوّل إلى بروليتاريا صناعية بحكم عجز المنظومة الرأسمالية عن إدماجهم في دوائر اقتصادية عصرية، وعن تعويض آليات التضامن الآلي التقليدي بآليات التضامن العضوي والعصري التي وصفها لنا دوركايم، كما حدث في مرحلة “الثورة الصناعيّة” التي عرفتها الدول الرأسمالية الغربية (الضمان الاجتماعي المعمم ومأوى العجز ورياض الأطفال الدولية الخ…).
فالأجيال الجديدة للعائلات النازحة فقدت كلّ ارتباط بالعائلة الموسّعة، وتحديداً بالعشيرة والقبيلة التقليدية التي كانت تلعب دور الحماية والمساندة المادية والرمزية. وفي المقابل قوضت برامج التحرر الاقتصادي أنظمة الرعاية الاجتماعية القائمة وألغيت ضمانات التوظيف في القطاع العام من دون أن تقيم على أنقاضها بدائل إجرائية تحمي الفئات الهشة.
كما أدى انعدام الفرص الاقتصادية وضعف نظام الرعاية الاجتماعية إلى اللجوء إلى أطراف أخرى بديلة عن الدولة والقطاعات الاقتصادية القانونية. ونتيجةً لذلك تضاعف نمو اقتصاديات الظل الموازية وتفاقمت مشكلة البطالة بين الشباب حيث تصل نسبة العاطلين عن العمل منهم إلى 29 في المئة وكثيرون منهم حائزون على شهادات جامعية.
وفي دراسة المركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب، برز من خلال تحليل الملفات والوثائق القضائية أن سبعين في المئة – من عينة متكونة من ألف متهم- هم من العملة والتلاميذ ذوي المداخيل المحدودة .
هذه الشريحة الاجتماعية التي عجزت عن الاندماج في المجموعة الوطنية، وعن تبني قيم الحداثة، تبنت الفكر التكفيري كنتيجة منطقية لتنامي الشعور بالغبن الاجتماعي، والحقد الطبقي، والتهميش المستديم، يدفعها إليه غضبٌ عارمٌ من جرّاء حربها على المجتمع التونسي نفسه، وغياب أدنى شعور بالانتماء إلى الدولة التونسية التي عجزت عن احتوائها وتلبية حاجياتهم الأساسية.
ويؤكد الخبير الفرنسي في الجماعات الإسلامية فرحات كشوفار أن السمة المشتركة بين الجهاديين التكفيريين هي استبطان كراهية المجتمع والحقد عليه مع تلبس دور الضحية والقناعة باستحالة إمكانية اندماجهم في المعايير السائدة والقوالب المهيمنة أي عمل قار ومنزل وعائلة. فهم بالتالي يصنعون غلافا مقدسا يبررون به حقدهم وعنفهم ويسعون إلى القطيعة مع هذا المجتمع الذي أقصاهم.
كما نتحدث عن دور التحولات في علاقات الإنتاج، إذ تواجه الفئات الشبابية اليوم تحولات عالم الشغل الذي أصبح مرنا وأدى إلى بروز ما يسمى بالعمل الهش الذي يفضي إلى نوع من الهشاشة النفسية والعلائقية، حيث تعيش الفئات الشبابية تزامنا وتتابعا بين فترات البطالة وفترات العمل الهش غير المستقر الذي يعيق بناء مسار مهني واضح ومنزلة اجتماعية ثابتة. وكذلك يتزايد لدى الشباب التونسي الشعور بالإحباط، وخيبة الأمل، وانعدام المعنى وعدم الثقة في المؤسسات الرسمية نتيجة عجز سوق الشغل عن استيعاب خريجي الجامعات الذين يجدون أنفسهم في قلب تجربة البطالة التي يعيشونها بطريقة دراماتيكية.
فضبابية علاقات الإنتاج وتفاقم البطالة وآثارها النفسية المدمرة تحتم إيجاد استراتيجيات فردية للتمكن من إدارة حالة اليأس واللايقين إزاء المستقبل المجهول. وهنا تلعب استراتيجيا التكفير والجهاد أداة لتشكيل الذات وتأكيدها في الفضاء العام، بحثا عن الاعتراف الإيجابي وعن قيم ثابتة، ومتأكد منها وعن كرامة مفقودة وهوية جريحة.
ظاهرة الجهاد والتكفير التي تنخر مجتمعاتنا تعكس أيضا إقصاء جموع هائلة من مواطنينا من الحداثة السلعية. هذا الإقصاء يؤجج محنتها ويجعلها فريسة سهلة للحركات السياسية التي تتلاعب بمخاوفها وبإحباطاتها. هي كذلك نتيجة من نتائج تفكك المنظومة الرأسمالية التي عجزت عن إدارة تناقضاتها الهيكلية وأزماتها البنيوية.
*لكن العوامل المادية والاقتصادية ليست هي وحدها محددة في الانضمام للجماعات المتطرفة، ونحن نعلم أن عناصر من الجهاديين من طبقات ميسورة ولهم شهادات علمية عليا؟
**بالفعل لقد مثل انخراط الشباب المتعلم في الحركات المتطرفة ظاهرة أرقت الدارسين والمفكرين. وتوجد عوامل معرفية وسيكولوجية لفهم وتفهم هذه المفارقة العجيبة. فعلى المستوى المعرفي بيّن عالم النفس دانيال غولدمان أن الذكاء المجرد أي ذكاء الفيزيقيا والرياضيات له علاقة محدودة بالتفوق وبالاندماج. فهذه النوعية من الذكاء تساهم في 20 في المئة فقط من العوامل التي تحدد النجاح في الحياة. ومن العوامل المحددة في النجاح ملكة الذكاء الانفعالي أو العاطفي، أي قدرة الفرد على التحكم في انفعالاته وعلى مراقبة غرائزه ودوافعه البدائية والقدرة على تنظيم حالاته النفسية ومنعها من شل وتعطيل قدرته على التفكير العقلاني.
كما تساعد مهارة الذكاء الانفعالي الفرد على العمل الجماعي وعلى الشعور بالتعاطف مع الآخر لفهمه ولتفهم وجهة نظره.
ويبدو أن نمو وتطور الذكاء الاستنتاجي الافتراضي أي الذكاء المجرد يكون في بعض الأحيان على حساب تفتح الأنواع الأخرى للذكاء مثل الذكاء الجمالي والعاطفي والاجتماعي الضرورية لنحت شخصية متماسكة ومتوازنة.
ولعل هذا العامل المعرفي يفسر نسبيا انخراط بعض خريجي الكليات العلمية والتقنية في التنظيمات المتطرفة.
*فيما يتعلق بالمنظومة التعليمية والعلمية، ما هي النقائص التي تحول دون وجود سد فكري منيع للطلاب من موجة التطرف؟
**تتميز الدراسات العلمية في جامعاتنا بتغليب النقل على العقل. فالمنظومة التعليمية في بلداننا تدفع الطلبة إلى النظر إلى الأشياء من منظارين لا ثالث لهما، إما الصواب وإما الخطأ، حيث يستحيل وجود منطقة وسط. وهو ما يحد من قدرتهم على النقاش والجدل والشك والتشكيك وهو أيضا ما يخرب مهارات التفكير النقدي لديهم.
فالمعرفة العالمة أي المنتجة من طرف المختصين مرت بمسارات تاريخية طويلة وملابسات تشابكت خلالها فترات نجاح ولحظات إخفاق ونكوص مختلفة قبل أن تتحول إلى معرفة خالصة. وهذه المعرفة هي مادة جدلية معقدة ومتشعبة ومنفتحة وهي اليوم قائمة على الاحتمالات وعلى اللايقين وعلى تقبل التناقضات. ولا يقارب الطالب هذه المعرفة المرنة والديناميكية إلا في مرحلة الدراسات العليا. وفي إطار مدارسنا التقليدية تعالج هذه المعرفة عن طريق “النقل الديداكتيكي” لكي تصبح “معرفة قابلة للتدريس” فتتحول إلى مجموعة معارف رسمية مغلقة ومبسطة تمرر إلى الطلبة في المؤسسات التعليمية عن طريق المسلمات واليقينيات المطلقة. وتحدد هذه النوعية من التعليم البنية النفسية للأفراد فتنمي لديهم الفكر الوثوقي والمنغلق الرافض للنسبية والتعدد. وهذا ما يجعلهم ينجذبون إلى الأفكار الدوغمائية التي لا تقبل الشك في اليقينيات ولا التشكيك في المسلمات.
وفي بلداننا العربية تعاني البورجوازية الصغيرة والمتعلمة من الأزمات الاقتصادية التي حولتها إلى ضحية آليات إخضاع المعرفة إلى منطق الربح وقوانين التجارة الحرة ومتطلبات السوق.
فهذه الفئة المثقفة التي تعاني من انهيار منزلتها الاجتماعية ومن تدني رأسمالها الرمزي تعيش تناقضا بين صورتها المثالية عن ذاتها وبين واقعها المادي وإدراك الآخرين لها. فهي تتألم من عدم تطابق المواصفات العلمية والمهنية التي تحض بها مع وضعيتها الاجتماعية ومع الامتيازات الملازمة لها وأيضا من شيوع احتقار العلم والمعرفة مقابل الإعلاء من شأن المشهد والبزنس الوضيع.
وفي ظل الأزمات، وعندما تصبح توقعات الفرد المتعلقة بالدور الاجتماعي المتعارف عليه وبتصورات الآخرين إزاءه ملتبسة وغير واضحة، فهو يحيد عن القيم السائدة ويبحث عن ملاذه في الهوس الديني والصوفي. وهذا ما لاحظه ماكس فيبر عندما درس أتباع الجماعات الدينية المتكون من البورجوازية الصغيرة التي ألحقت بالبروليتاريا.
حيث ينقلب الجرح النرجسي أي الشعور العميق بالدونية والهوان بحيلة لا شعورية معروفة إلى شعور بالتعالي والتعاظم الديني والأخلاقي. لهذه الجموع المنكوبة تقدم التنظيمات المتشددة أجوبة بسيطة وسهلة وتتلاعب بمخاوفها وبطموحاتها وتوظف غضبها واحباطاتها.
من جهة أخرى، تؤكد بعض الدراسات أن الإرهاب يمثل سوقا اقتصادية جديدة تخضع لمنطق العرض والطلب والربح والخسارة.
وفي هذا السياق تسعى التنظيمات الإرهابية إلى تجنيد ذوي المؤهلات العلمية من تقنيين ومهندسين وذلك لضمان نجاعة عملياتها والرفع من مردوديتها. فالمختصون من الشعب العلمية يتمتعون بكفاءات عالية ومهارات تؤهلهم للقيام بالمهام العسكرية من تخطيط ودعاية إعلامية ومعلوماتية وصنع الأسلحة والمتفجرات الخ…
وفي المقابل ينخرط هؤلاء في المجموعات المتشددة للحصول على تحفيزات مادية ومزايا رمزية مغرية. فالانضمام للمنظمات المتشددة يسمح لهذه الكوادر بتبوء مناصب الصدارة والقيادة والشهرة الذي لا يوفرها لهم تقسيم العمل ضمن المنظومة الاقتصادية التقليدية.
وهذا ما لاحظه الخبراء الذين درسوا ظاهرة هجرة الشباب التونسي إلى “الدولة الإسلامية” داعش .
إذ تبين أن العديد من الكوادر التونسية كانت لهم وظائف ومهام عليا داخل التنظيم. وبالفعل فقد حرص “داعش” على الاستفادة من الكفاءات التونسية، فوجه جزءا منهم إلى الأنشطة الدعوية والتعليمية، التي برز فيها اسم أبو وقاص التونسي كأحد أشهر خبراء الدعاية والتحريض في التنظيم. كما شغل التونسيون في أجهزة الأمن الخارجي والاستعلامات، التي أشرف عليها أبو عبد الرحمان التونسي، الذي شغل أيضا خطة أمير الرقة.
كما نشط التونسيون في الأعمال الإدارية بل وفي المشاريع العسكرية ومنها مشروع الطائرات دون طيار، حيث يبرز اسم فاضل مينسي المكنى بأبو يسري التونسي. وهنا لم تغب التونسيات أيضا عن شغل مناصب في الصفوف الأولى، فلواء الخنساء، كان تحت إشراف تونسية تكنى بأم ريان، وهذا اللواء اهتم بتدريب وتدريس النساء كما وقع تكليف “ام هاجر التونسية” برئاسة ديوان التعليم والصحة.
*إلى أي مدى نحتاج اليوم في عالمنا العربي إلى حركة إصلاح دينية حقيقية في ظل غياب التسامح وتفشي العنف الديني والتطرف؟
**من الضروري اليوم إعادة النظر في العديد من القضايا في أرض الإسلام. وأذكر منها مسألة التمييز بين المؤمن والمواطن والفصل بين الدين والدولة والدين والبحث العلمي وأيضا حقوق الأقليات في الدول الإسلامية.
حركة الإصلاح الديني إذا تمكنت من مصالحة المسلمين مع القيم الكونية السائدة ومنظومة حقوق الإنسان سوف تخلص الإسلام من القراءات الرجعية. والإسلام بمبادئه السمحاء وبروحانيته الراقية التي تسعى إلى “أنسنة” العيش المشترك سيفتح طريقا جديدا يؤثر في مجرى التاريخ.