الجزائر ـ “القدس العربي”: أصدر الباحث ابراهيم أحمد كتابه الأول بعنوان اشكالية الوجود والتقنية عند مارتن هيدجر عن منشورات الدار العربية للعلوم بلبنان، ومنشورات الاختلاف بالجزائر. بهذه المناسبة كان لنا معه هذا اللقاء: ما هي الاشكالية التي يعالجها الكتاب؟ العشرون هو عصر الاختلاف والامتلاء الفكري والمادي، داخل كل بنيات الفكري الغربي، انه فكر حاول أن يؤسس لكل التناقضات من أجل تحقيق الوحدة، لكن عادة ما كانت عناصر غير متجانسة، هي التي تفكك هذا الانسجام، وذلك طبعا مرجعه الي تلك الممارسات التي طبعت جوهر الفكر الغربي الحداثي، والتي كانت رموزه وتجلياته تأخذ طابعا تراجيديا مأسويا أكثر مما هو طمأنينة، فمن موت الانسان، الي العنصرية، فالاغتراب ثم اللاانسانية، والفردانية شكَل ابيستمي قيم هذا العصر، والذات الانسانية التي تحياه، والتي تأكدت من خلال مجموعة من الأنسقة الفلسفية، التي حاولت أن تفكر وتعيد النظر في كل مرجعيات وممارسات الفكر الغربي، ورموزه وفي هذا المجال يأتي حضور هيدجر كسلطة فلسفية معرفية، حاولت البحث عن وعي جديد من خلال الدازاين وعلاقته بالوجود، دون أن نهمل أو نقصي اختلافية هذا الفكر في أسسه وقواعده (كأطره النظرية والاجرائية). هذه المرجعية لم تكن واحدة، بل تنوعت بتنوع الاشكاليات، وبالدرجة الأولي بتنوع السؤال الفلسفي فمن وضعية منطقية مع برتراند راسل و توماس مور و رايل في بريطانيا الي مدارس لغوية مع فنغنشتاين في النمسا وكذا كارناب و شليك و آير، الي فينومينولوجية ادموندهوسرل، واتباعه من الوجوديين أمثال جون بول سارتر، ميرلوبونتي، آلبيركامي، سورين كيركيغارد، كارل ياسبرز دون أن ننسي مارتن هيدجر وبنيوية مع كل من ليفي ستراوس، جاك دريدا، جاك لاكان، ميشال فوكو، جيل دولاز، جان بياجي، وماركسية مثلها لوكاتش و غرامشي و غلفانو، وحدسية مع كروتشي، بالاضافة الي فلاسفة العلم المعروفين مثل ريشمباخ و هازنبارج و كوهن، فاير و آبلد، هاري، باسكار و أنشتاين وغيرهم كثيروننعتقد بضرورة التركيز علي وضرورة تفسير العضوية الفكرية الحديثة، من دون تغليب طرف علي آخر، أي بوصفها عضـوية متحركة تسجنـــها التناقضات البنيوية، اذ نري أن آليات الانحطاط وآليات التطور تتشابك في فكر القرن العشرين بصورة عضوية تجعل من الصعب الفصل بينهما فهي تفعل فعلها في المفكر الواحد والنص الواحدوينبغي هنا أن نلقي المزيد من الضوء حول مفهوم انحطاط الفكر فالفـكــر يكون صاعدا حين يسعي في آلياته الداخلية الي تملك الواقـــــع وامكاناته من أجل تغييره وتطويره واعــــــادة خلقه علي مستويات أعلي، أي حين يحمل قوي الفـــعل والنشــاط، ويسندها ويرسخ الايمان فيها وفي مقـــــدمتها العلــــــم، وعليـــــه فانه يكون صاعدا اذا كان صورة متــناهية للعقــــلانية العلمية، أي اذا كان يهدف الي تعزيز الأرضية الفلسفية التي يفترضها العلم ويفترضها كونه المعرفة الرئيسية بصدد العالم فاذا نزع الفكر الفلسفي الي تحطيم مقومات العقلانية العلمية بالمعني المطروح، فقد بعده التقدمي ودوره الصاعد وأضحي متحطما، بمعني آخر: اذا اتخذ الفكر الفلسفي السائد موقعا في مجابهة قوي الحركة أو التقدم، وفي مقدمتها العقلانية العلمية من أجل تقييدها وتحديدها لاعلان نهايتها، أضحي معاديا للانسان في حريته وتقدمه.
وهذا ما سيتجلي في تنكر الفكر الغربي المعاصر لتراثه الذي ازدهر في القرن الثامن عشر، وبالتدقيق في عصر التنوير علي يد مفكري البرجوازية الأوروبية، ووصل قمته في منتصف القرن التاسع عشر عند مفكري البروليتاريا الأوروبية الثورية (ماركس وانجلز) بالتحديد، وفي هجومه الصارخ علي هذا التراث وما يحمله من قيم، وفي محاولته لتصفية هذا التراث، بل وتصفية ارهاصاته الأوروبية والاغريقية كما حاول أن يفعل مارتن هيدجر، والذي هو محور تحليلنا وتفكيرنا في هذا الكتاب الا أن مثل هذه المحاولة ستشكل بالطبع خطورة لا مثيل لها في تاريخ الفلسفة، والذي سيشكل بهذا الفكر اللاعقلاني كذلك أداة ناجعة في أيدي الدولة المستبدة، ومثقفيها لعدم العقل النظري نفسه، أي تصفية ممارسة الفكر الفلسفي والنظري في الوقت نفسه. لماذ الاهتمام اليوم بمارتن هيدجر والفلسفة الوجودية في هذه الفترة بالذات؟ تتجلي أهمية هذه الفلسفـة أولا في عمـقها وفي جدة تناولها للعديد من القضايا الفلسفــية التقليدية، كالحقيقــــة، والماهيــة، والتاريخ والانســان بالاضافة الي كونها محاولة جدية لتشــخيص الحاضر أو الحداثة عبر مختلف مكوناته كالعلـــم والتقــــنية كما أنها تتضمن محاولة لتفسير غائي أو قـــدري لكل التاريخ الغربي تفسيرا يجمع حلقاته المتنوعة ومكوناته المتناثرة في اتجاه تحقيق التقنية واستكمال السيطرة علي الانسان والطبيعة.
ولهذا السبب المرجعي أبينا إلا أن نبحث ونكتشف سر هذه الفلسفة التي يعتبرها الكثير من النقاد بأنها الفلسفة الصماء، لكنها فلسفة تعلمنا فن اللغة أكثر مما أنتجه الفكر الانساني تقريبا منذ وعيه علي التأمل والتفلسف، ولم نرد أن نقرأ مثل هذه الفلسفات قراءة كلاسيكية لا من أجل الثناء أو الانغلاق وذلك حتي لا يتعدي علينا الأمر أن يكون عملنا هذا مجرد تلخيص وحصر للكيفيات التي نظر بها ذلك المفكــر الي نفسه، وقــوفا عند المنابع التي نهل منها، والأصول التي تفرع منها، بل سنحاول قراءة فلسفة هيدجر في طرحه لاشكالية الوجود والتقـــــنية قراءة ابستيمية نقدية وذلك حتي يرتقي هذا العمل الي المستوي الفلسفي المطلوب وحتي تكون قراءتنا هذه واضحة ومفهومة، وخاصة أن فكر هيدجر الفلسفي يبدو ولأول وهلة جد معقد سنحاول تأويل خطابه من مجرد تقرير ووصف الي مستوي النقد والتمحيص، وسوف نركز علي أن يكون سؤالنا حيا دائما وفق طرحه الفلسفي. ما هي مشاريعك المستقبلية؟ لقد انتهينا مؤخرا من تأليف كتاب ثانٍ حول الفيلسوف نفسه أي حول مارتن هيدجر ولكن هذه المرة حول اشكالية الانطولوجيا واللغة، وهو كتاب في الحقيقة مكمل للجزء الأول؛ ونحن اليوم في صدد تحضير كتاب آخر يقارب مسألة العولمة واشكالية نهايتها في الخطاب الفكري الغربي.
التقاه: بشير مفتي