الباحث التونسي الأسعد الجموسي: الفن التجريدي بين الاستشراق الغربي والأصولية العربية

حجم الخط
0

نزار شقرون

ما يزال موضوع الاستشراق في الفن التشكيلي يثير البحث العلمي الدقيق في سياق نزع الهالة الغرائبية التي اجتاحت كتابات المستشرقين حين قاموا بمقاربة الفن العربي الإسلامي. ومما زاد الاستشراق غلوا تصديه لمسألة التأثر والتأثير بين الفن الغربي والفن العربي الإسلامي وهو مبحث قديم متجدد ويتطلب مزيدا من المقاربات والسندات العلمية والتنصل من المسحة الإيديولوجية. وضمن هذا الرهان ينخرط الكتاب الجديد للباحث التونسي الأسعد الجموسي الذي صدر باللغة الفرنسية عن دار الوسيطي للنشر (تونس 2007) وحمل عنوان: المسالك المتقاطعة للفن التجريدي.

ينطلق الباحث الأسعد الجموسي من مجموعة من البديهيات، من بينها أن القرن التاسع عشر شكل الرحم الأمومي للمتغيرات الجمالية في الفن الغربي، حيث حققت البحوث الفنية صداما مع القواعد الأكاديمية التي حافظت علي قوانين التصوير الكلاسيكي. كما شهد هذا القرن اجتياحا للحملات الاستعمارية في إفريقيا وآسيا وهو ما ولد اتساعا لرقعة المعرفة ودفع إلي تغلغل الاستشراق وهو ما ساعد أيضا علي استفادة الفنانين الأوروبيين من الإرث الفني لهذه المستعمرات.

في هذا السياق تحقق أيضا تواري النموذج المحاكاتي للرسم لينفتح الخط التجريدي الذي رده بعض المؤرخين والمنظرين إلي الأزمة التي بلغها الرسم الكلاسيكي حين كف عن بلورة الوظائف التصويرية للإبداع الفني وعجز عن الاستمرار في أن يكون مرآة للعالم. لكن هذه الأزمة لها أسبابها العميقة والسياقية أيضا، حيث يبين الأسعد الجموسي أن العامل السياقي له دوره في نشوء هذه الأزمة وفي تحقيق منعطف الفن منطلقا لتأكيد ذلك من فرضية أساسية قوامها أن التبادل بين الغرب والشرق ـ رغم حضوره تاريخيا قبل وبعد ظهور التيار التجريدي ـ قد يكون خلفية نظرية وإجرائية لتحقق مسار تجريدي في الفن الغربي. فلا شك أن الحضارات القديمة كالفرعونية والرافدية والإغريقية لعبت دورا مهما في تشكيل الرصيد المرجعي للفن الغربي بفضل تواتر البحوث الأركيولوجية كما أن المعطيات الجغراسياسية أكدت السمة التبادلية والتواصلية بين ثقافات شرقية وغربية وهو ما عضد إمكانية وجود تقاطعات وافتراقات واعية بين الفن في الشرق والفن الغربي عامة، عكست توزع الحوار والخلاف والتلاقح في زمنيات متباعدة.

إن وشائج عديدة ربطت الفن الغربي بالفن العربي الإسلامي، في تصور الجموسي، وهي وشائج عميقة أنتجت بدورها نوعا من التماثل بين الوضعية التي أفرزت البعد التجريدي العربي وصنوه الغربي، لكن الباحث يؤكد أن الدعامة الأساسية لهذه الوشائج تجسدت في الاتجاه الروحاني والصوفي الذي طبع أغلب أدبيات التجريديين أمثال كاندنسكي، ماليفيتش، موندريان وكلي. وقد مهد لهذه الأرضية كل من الرومنطيقية والرمزية اللذين يلتقيان بالنهج الصوفي المشرقي (العربي والفارسي). لكن هذا المولد ليس إلا تصورا واحدا لينابيع التجريدية ففي الاتجاه المعاكس نعثر علي مولد آخر للتجريدية، احتكم إلي تمثلات فنية مغايرة كالموسيقي والمعمار والتصميم الصناعي. ولا غرو فإن هذين الاتجاهين نهلا من ثمرة التقدم العلمي ومن سياق نزع القداسة المسيحية. وبدا منصب الفنان الغربي مستحدثا وخارجا عن الأبوة السابقة للكنيسة المسيحية أو للإيديولوجيات الرسمية. وقد ساهمت هذه المعطيات الواقعية في تحديد الخصائص الاجتماعية والثقافية التي ترعرع فيها الفن التجريدي الغربي والتي لا تماثل بالمرة الوضعيات الثقافية والاجتماعية التي ولدت التجريد في الفن العربي الإسلامي.

إن التباسا حادا شمل رؤية عملية تأثر وتأثير فن علي آخر. ومصدر هذا الالتباس العربي والغربي علي السواء هو طريقة النظر إلي الفن العربي الإسلامي ففي حين رأي النقاد العرب أن الفن العربي هو أصل التجربة الفنية التجريدية الغربية، اعتبر بعض المؤرخين الغربيين ومنهم غومبريتش أن الفن الإسلامي ليس إلا صيغة تزويقية. وقد ارتكزت مقولات الفريق الأول علي مقولات الهوية. إذ يري عفيف بهنسي ان الحديث عن حضور عربي في فن القرن العشرين له أهميته البالغة في بيان عالمية الفن العربي وضرورة النظر إليه بعين العصر، وإمكان تطويره علي ضوء هذا العصر، إن هذا الحضور العالمي للعرب هو درس بليغ للفنان العربي ودرس مفيد للفنان الغربي الذي يعتبر حتي اليوم أن الفنانين الأكثر شهرة والأكثر تأثيرا في بناء فن القرن العشرين كانوا من المستشرقين 1. ولعل عفيف بهنسي نموذج من نماذج الفكر الفني العربي الذي انصرف، حسب الجموسي، إلي النظر إلي العلاقة بين الشرق والغرب علي أساس صيغة عدائية وليست صيغة تبادل ثقافي وتمازج حي، هو مبدأ الفعل الإبداعي بين الحضارات. ومأتي هذه النظرة الشائعة هشاشة فهم الهوية الفنية وردها دائما إلي مفارقة بين أصالة وغرب مهيمن، وهو ما يسقطها أيضا في موقع التقوقع علي الذات دون اعتبار أن التحديث يناقض تقديس الإرث العربي الإسلامي ويقتضي مغامرة للفعل الوجودي في فضاء عالمي. غير أن عددا كبيرا من المثقفين العرب انتابتهم فوبيا الغزو الثقافي الغربي فنكصوا علي إرثهم معتبرين أي محاولة تحديثية نوعا من الهرطقة أو الانبتات. ويقف الجموسي حيال هذا الفريق موقف الرافض، فلقد اعتبر النقد العربي أن منبت التجريد هو التربة الفنية العربية ولذلك فعلي الفنان العربي العودة إلي جذوره بدل الانصراف إلي تقليد الغرب.

وفي الاتجاه نفسه يتصدي الباحث إلي الفريق الثاني ممثلا في الرؤية الغربية التي تري في الفن العربي الإسلامي فنا تزويقيا لا يرقي بالتالي إلي مصاف الفنون الأكاديمية التي لا تصنف الفن التزويقي في القائمة الرسمية. وهذا ما يجعل رؤية هذا الفريق تندرج ضمن القراءة الإيديولوجية المضادة إلا أن بعض الباحثين الغربيين حاول إنقاذ التصور الغربي برفع الحكم الدوني الذي صنف به المؤرخون الفن الإسلامي علي أساس كونه فنا تزويقيا، حيث نادي بابا دوبولو بضرورة إعادة النظر إلي الفنون اللاتشخيصية العربية الإسلامية خارج مقولة التزويق أو الزخرفة سيما بعد سنوات من اجتياح الفن التجريدي. إلا أن بابا دوبولو قد يسقط بدوره في فخ المركزية الأوروبية حيث لم يقع الانتباه إلي الفن الإسلامي إلا من خلال واجهة الفن التجريدي ولا يعني ذلك أن بابادوبولو لم ينصف الفن الإسلامي بل لعله منح تيار الأصالة العربية الآنف الذكر مستندات إضافية علي أهمية الفن العربي الإسلامي وتساويه مع المنظور الفني الجديد للفن الغربي المعاصر، حيث أكد علي رفض الفن الإسلامي للمحاكاة باعتبارها النموذج الأمثل للفن وهو ما يتطابق مع التصور الجمالي الحديث. ولكن هذا الموقف لا يرفع تورط القراءة في المنظور المركزي للثقافة الأوروبية بل يعمقها، إذ يستميت الباحث الغربي في تقدير كل إرث فني ماثلت خصائصه بعضا من النتائج التي توصل إليها الفن الغربي الحديث.

ولكن لماذا وضع الفن العربي الإسلامي في موضع التجاذب بين رؤية تأصيلية معطوبة ورؤية غربية انبهارية؟ أليس الافتقار إلي تحديد مفهومي للفن العربي الإسلامي هو الذي أفرز مثل هذا التجاذب، كأنما الفن العربي الإسلامي علي سرير بروكوست؟

لقد عاد الباحث الأسعد الجموسي إلي الجهاز الاصطلاحي العربي لمفهوم الفن عله يجد إشارات لمفهوم التجريد فعثر علي تعريفات للفن باعتباره تزويقا وزخرفة وقائما علي تقنيات الرقش والتوريق والتسطير والتشجير، فأدرك اللبس الاصطلاحي العربي، قياسا إلي وفرة المادة الاصطلاحية في الأدب مثلا، وهو ما أثر سلبا علي تشخيص الفن العربي، ناهيك عن أن عملية التحديد المفهومي لـ الفن العربي الإسلامي أو الفن الإسلامي اتصلت بالمعطي الجغراثقافي. لذلك جاء مفهوم التجريد متأخرا عن الفن الإسلامي ومتحيزا إلي القراءات الغربية التي لم تنظر إليه إلا من خلال مرتكزات التجريدية، بل إن القراءات العربية الحديثة اتخذت نفس الوجهة. وتكرست مقولة معرفة الذات من خلال زاوية الآخر وهو مطب استشراقي في أخلص مظاهره. ويلتقي الجموسي مع عبد الكبير الخطيبي الذي يعتبر أن التجريد في الفن العربي لا ينطلق من نفس الأسس الجمالية التي ينطلق منها التجريد في الفن الغربي. لكن هذا الإقرار بالتخالف لا يمنع الباحث من دراسة إمكانات وجود تنافذ بين الخطين التجريديين دون أن يكون الواحد أصلا للثاني فمنطق الأصل يرجح خطاب الهوية والمركزية في وقت واحد.

يورد الجموسي: انه لمن من دواعي الضرورة النظر في التمظهرات الشكلية غير التشخيصية وفي الأسس الفلسفية للفن العربي الإسلامي الحاضرة في المقترحات النظرية لكبار معلمي الفن التجريدي في الغرب، مثل ماليفيتش، كاندنسكي، كلي وموندريان 2 ويعد هذا التوجه خطا طريفا في البحث المقارني وقد سبق أن اعتمده شاكر لعيبي أيضا في كتابه خرافة الخصوصية في التشكيل العربي المعاصر.

وينطلق الأسعد الجموسي من خصائص الفن العربي الإسلامي مشددا علي تكوين المفردات إذ يخضع نظام الموتيفات إلي الخطوط والأشكال الهندسية والمفردات القائمة علي التوافقات الرياضية، وقد ظهرت هذه المفردات في أشكال عديدة وعلي محامل مختلفة، مبرزة التنوع والكثرة في الوحدة، فأمام عمل فني زخرفي لا يستطيع المشاهد أن يحقق بناظريه صورة كلية لما يري، وهو ما يدعوه إلي إدراك الصورة بشكل آخر أي بطريقة ذهنية وذاك هو ما أسسه البعد الروحي في التجربة الإسلامية.

إن إدراكا بهذا الشكل يطرح إشكالية تلقي العمل الفني من النظر بالعين المجردة إلي استخدام البصيرة ومن الإدراك العقلي إلي الإدراك الحدسي.

إلا أن الأسعد الجموسي يقر بأن التجريد في الفن الإسلامي يرجع إلي التجربة الغنوصية للمتصوفة المسلمين مثل ابن عربي وجلال الدين الرومي أو في أطروحات إخوان الصفا أو في التصوف السني للغزالي، فيورد تعريفات لمفهوم الجمال لديهم محاولا استخلاص المدار المعرفي العام الذي يشترك فيه أصحاب هذه التعريفات رغم اختلافاتهم، كأن التجربة الصوفية هي التعبير الأمثل عن التجريد في الفن. لهذا صرح الجموسي بأن هذه الأفكار تجد صداها بشكل غريب في مغامرة بعض الرسامين المؤسسين للتجريد الحديث، فيعقد انطلاقا من هذه الفرضية بحثا في أدبياتهم. يشرع الجموسي في استقراء تجربة الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش الذي يقر بانتفاء وجود الأشياء، فلا الخطوط ولا السطوح ولا الأحجام موجودة ولا شيء يخضع للقياس، لهذا انصرف ماليفيتش إلي بيان توحد الإنسان بالله وبالعالم بواسطة تجنب تشخيص الشيء أيا كانت طبيعته. وواصل كاندنسكي مسار التجريد في سياق رفض تشخيص الشيء واستبعاده من الفضاء التصويري، مناديا بضرورة ذوبان الشيء في الرسم. ويعني ذلك أنه لا يستبعده استبعادا تاما، إذ هناك فارق في النوع بين الإلغاء وبين حلول الشيء في العالم التصويري دون أن يكون طافيا ومرئيا علي سطح هذا العالم. لذلك فهو يميز نوعيا بين المهارة التقنية للرسام وبين قدرته الروحية علي اختراق سجف المرئيات من خلال تمكنه من شروط الضرورة الداخلية وهو ما أبداه كاندنسكي في كتابه الروحي في الفن وما شدد عليه في كتابه الثاني نقطة وخط علي سطح حيث انتهي إلي أن النقطة تفيد معني اللاوجود أي المعادل التجريدي للصفر الذي يسمح بالمرور من الداخل إلي الخارج. وتأتي هذه المضامين متشاكلة مع ما ذهب إليه المتصوفة المسلمون الذين يعتبرهم الجموسي متماثلين مع المتصوفة المسيحيين في مستوي تشبعهم من ينبوع واحد وليس بخاف أن المتصوفة المسلمين قد ورثوا التراث المسيحي والهليني، كما صرح الجموسي أن المقولة الأساسية لكاندنسكي وهي الضرورة الداخلية مبثوثة في كتابات بعض المتصوفة مثل الغزالي أو جلال الدين الرومي. لكن الجموسي يتفطن إلي أن هذا القول قد أخذ علي سبيل التشابه بين الفن التجريدي والفن العربي دون أن تثار مسألة الحوار ويمكن أن تسقط قراءات مثيلة حين تقع الإشارة إلي علاقة الفن الغربي بالفن ما قبل الكولومبي. ينفتح الكتاب في الأخير علي مشكلية المقاربة المقارنية ويومئ في ذلك إلي دعوة عبد الكبير الخطيبي للحوار بين الفن العربي والفن الغربي بعيدا عن المنظور الاستشراقي أو الأصولي العربي. كما يعكس الكتاب عامة الحاجة الملحة لإعادة البحث في خصوصية الفن العربي الإسلامي ويثير أسئلة دقيقة حول مدي تماسك الفرضية التي قام عليها وهي انبناء الفن العربي الإسلامي علي المرجعية الصوفية والحال أن التصوف مثل قطاعا هامشيا في الكر العربي وفي الحياة العربية أيضا، وهو أمر لا يبوئه منزلة بناء مشهدية بصرية. ولئن كان الكشف والحجب من العناصر الماثلة في الفكر الصوفي فإنها تجلت في الفن الإسلامي (المشربية والأرابسك عامة) لا من زاوية تأثيره المباشر في الثقافة البصرية الإسلامية ولكن ذلك يعود إلي قيام الفكر الإسلامي عامة علي هذه الثنائية وبالتالي لا يمكن أسر التجريد العربي الإسلامي برده إلي الأصول الصوفية. ولعل احترازنا يحتاج بدوره إلي فتح سجال حول الأصول المرجعية للتجريد الإسلامي والتي ردها أغلب الباحثين إلي المعارضة الشديدة للفن التشبيهي ومعاداة الصورة أساسا. شاعر وجامعي من تونس1 عفيف بهنسي: الحضور العربي في إبداعات الغرب خلال القرن العشرين- مجلة الوحدة- العدد 70/71 1990- ص.14.2 الأسعد الجموسي: المسالك المتقاطعة للفن التجريدي- ص33.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية