الباحث الجزائري عبد المجيد بوقربة: كيف يجب أن ننتظم في التراث لكي نحقق الحداثة؟

حجم الخط
0

الباحث الجزائري عبد المجيد بوقربة: كيف يجب أن ننتظم في التراث لكي نحقق الحداثة؟

الباحث الجزائري عبد المجيد بوقربة: كيف يجب أن ننتظم في التراث لكي نحقق الحداثة؟الجزائر ـ القدس العربي : عبد المجيد بوقربة باحث جزائري في قضايا التراث والحداثة في الفكر العربي المعاصر، عصامي التكوين، وهذا ربما ما يجعله الي حد بعيد حرا في تفكيراته، وغير مرتبط بالمدرسية في قراءاته، أصدر كتابه الأول عن دار الطليعة ببيروت بعنوان الحداثة والتراث كما أصدر مؤخرا كتابه الثاني نحن والدولة وشارك في الكتب الجماعية التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، حول العرب والديمقراطية، ويحضر كتابا حول التأويل واشكالاته في التراث العربي. ما هي الأسباب والعوامل التي دفعتك للاهتمام بالمجال الفكري بشكل عام وقضايا التراث بشكل خاص؟ الحقيقة أن مسألة الاهتمام بالتراث بالنسبة اليّ تعود الي بداية تكويني الثقافي فقد شكل وجود مكتبة تراثية في بيت الوالد عندي الهاجس الأول الذي شرعت علي ضوئه في قراءة واكتشاف التراث فكانت هذه المرحلة عبارة عن تحصيل وجمع لمعلومات ومعطيات تدور كلها حول التراث في مختلف مستوياته وأبعاده سواء من الناحية التاريخية أو النصوصية أو من ناحية تراجم اعلامه …الخ، تم كانت المرحلة الثانية في مسار اهتمامي بالتراث، وهي المرحلة التي أصبح فيها التراث يكتسي في نظري بعدا اشكاليا له ارتباطاته بقضايا العصر الذي نعيش فيه واعني بها قضية الهوية والتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والموقف من الحداثة. كان كتابك الأول حول الحداثة والتراث مساءلة في قضايا مركزية في الفكر العربي المعاصر.ما هي نوعية الأسئلة التي شغلتك؟ وكيف يمكن تجاوز ثنائية الحداثة والتراث في رأيك؟ يمكن تلخيص القضايا التي حاولت معالجتها في كتابي الحداثة والتراث الصادر عن دار الطليعة بيروت سنة 1993 في ثلاثة نقط هي: أـ لماذا ظل الفكر العربي المعاصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، يعيش اشكالية النهضة علي أساس أنها مسألة اختيار بين نموذجين حضاريين متعارضين، يعبر عنها بعناوين وشعارات مختلفة تارة بالأصالة والمعاصرة وتارة ثانية بالحداثة والتراث وتارة ثالثة بـالتراث وتحديات العصر.ب ـ لماذا لم تنجح النهضة العربية الحديثة في تحقيق التجاوز النهضوي للماضي بطريقة دياليكتيكية نقدية من جهة، وفي استيعاب القيم الحقيقية للحداثة التي ظلت مفاهيمها تشكل بالنسبة لمجتمعاتنا حدودا نفسية وذهنية اخطر بكثير من الحدود التي اصطلحنا علي تسميتها بـالحدود القطرية حدودا جعلتنا عاجزين عن التكيف مع الأدوات والمفاتيح الأساسية للعصر الحديث من حيث مفهومات المجتمع المدني، المنهج العلمي، العقلانية، الدولة الحديثة، الديمقراطية …. الخ وفي نفس الوقت عرضي لاختلالات وأزمات ونكسات وردات بسبب وضعية اللاحسم التاريخي والسياسي والحضاري في الخيارات الاجتماعية، مابين الاستبداد والحرية، الدين و الدولة، القومية والقطرية …..الخ. ج ـ إن مشروع النهضة العربية الحديثة لم يكن في الأصل نتاج تطور اجتماعي داخلي ينطوي علي خيار محدد و ثابت ومجمع عليه، وانما كان في الواقع تعبيرا عن صدمة عنيفة شهدتها المجتمعات العربية بسبب المواجهة التاريخية غير المتكافئة بين أوروبا والعالم العربي خلال حملة نابليون بونابرت علي مصر سنة .1798 هذه الصدمة تركت في الوعي العربي حالة من الارتباك والحيرة، هي التي تفسر في نظري وضعية التجاذب الحضاري بين التراثي والعصري التي لا يزال يتخبط فيها العرب منذ دخولهم العصر الحديث. هذه هي ابرز الاشكاليات التي حاولت معالجتها في كتابي الحداثة والتراث ، ويبقي الشق الأخير من سؤلكم وهو: كيف يمكن تجاوز ثنائية الحداثة والتراث في الفكر العربي المعاصر؟ان المخرج الوحيد من ثنائية الحداثة والتراث في الفكر العربي المعاصر يتطلب في نظري التحرر أولا من المضامين الايديولوجية التي تحملها في أذهاننا اليوم هاتان الكلمتان، وذلك عن طريق تشريحهما تشريحاً دقيقاً يخلصهما من عناصر التزييف التي تجعلهما يبدوان علي صعيد الواقع الثقافي العربي في صورة زوج تقابلي بين التراث والحداثة أو الأصالة والمعاصرة، مما يجعل المشكل الذي يعانيه الفكر هو مشكل الاختيار بين الأمرين: إما الحداثة وإما التراث؟ والحقيقة أن هذا المشكل هو مشكل زائف لأنه نتاج تصور خاطئ لكلا المفهومين الحداثة والتراث، ولتجاوز هذه الثنائية يجب البدء بتصحيح هذين المفهومين، بحيث يغدو الرهان المطروح بإلحاح وجدية أمام مجتمعاتنا في لحظة التحول الراهنة هو: كيف نرسخ كيان الدولة أولا؟ ثم كيف نقوم بتغييرها بالديمقراطية ثانيا؟ اعتقد أن قراءة الجابري للتراث تشكل نقلة نوعية في الساحة الثقافية العربية المعاصرة، فهي قد خطت بالتراث خطوة هامة من مجال التحليل الايديولوجي الي مجال الدراسة الابستمولوجية التي تعد سمة من سمات البحث العلمي الحديث ومكسباً من مكتسباته المنهجية. ومن مزايا المنهج الابستمولوجي انه يتعدي التحليل الايديولوجي القائم علي فحص الأفكار والتصورات أي المعارف و النظريات والمذاهب، الي فحص الانتاج المعرفي وآليات التفكير. والجابري باستخدامه لهذا المنهج الابستمولوجي في مقاربته للتراث العربي الاسلامي، فانه في الحقيقة قد دشن منحي جديداً في مجال البحث التراثي لم تألفه الساحة الثقافية العربية من قبل. كما انه انشأ خطاباً تكشف عن لغة جديدة وطريقة مغايرة في الطرح والمعالجة، لذلك أستطيع التأكيد علي أن القراءة المستندة الي المنهج الابستمولوجي تظل في اعتقادي لحد الآن هي الطريقة الوحيدة الناجعة في مجال التعامل مع التراث. ما هي في تصورك الطريقة الحيوية لاعادة بعث الاجتهاد من جديد خاصة وان الاسلام صار يقرأ بصورة حرفية مع التوجهات السلفية السائدة؟ وهل يمكن تحديث القراءة للاسلام راهناً؟ تحديث القراءة للاسلام أو فتح باب الاجتهاد، شعار طرح ولا يزال يطرح من قبل الرافضين للتغريب، الداعين الي التجديد من داخل منظومة الفكر الاسلامي منذ بداية النهضة العربية الحديثة في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وبالرغم من مرور كل هذه السنوات، فان العالم الاسلامي لم يشهد الي حد الساعة ظهور فقهاء مجددين تتوافر فيهم الشروط الضرورية للممارسة الاجتهادية بالكيفية الصحيحة التي تقتضيها متطلبات العصر، ذلك أن انغلاق باب الاجتهاد وسيطرة روح التقليد والجمود علي مدارس الفقه الاسلامي، ترجع في نظري الي أن الاجتهاد بالأسلوب القديم قد استنفد جميع امكانيات التطور الذاتي ولم يعد هناك مجال للمزيد من الاجتهاد بأسلوب القياس البياني الذي ارسي قواعده علماء الأصول وبناء عليه فان أي دعوة للتجديد داخل الفكر الاسلامي، اذا لم تبدأ بتغيير القواعد الابستمولوجية القديمة بقواعد جديدة أكثر مواكبة لظروف العصر، فانها ستظل مجرد محاولة يائسة لا فائدة ترجي منها. وهذا ما نقوله الآن هو فعلا ما سبق أن أعلنه منذ قرون احد ابرز علماء الأصول في الأندلس الامام الشاطبي الفقيه المالكي المتوفي سنة 790 هـ، الذي دعا الي تأسيس فقه جديد يقوم علي مراعاة مقاصد الشريعة، أي اعتبار المصلحة هي المرجع الأول والأخير عند تطبيق أحكام الشريعة. في كتابك الثاني قاربت مسألة الدولة والديمقراطية، لماذا هذه المواضيع حالياً؟ لقد سبق أن بينت في كتابي (نحن والدولة) الصادر سنة 2005 عن منشورات الاختلاف أن الرهان المطروح بإلحاح و جدية امام مجتمعاتنا في لحظة التحول الراهنة هو: كيف نرسخ كيان الدولة أولا؟ ثم كيف نقوم بتغييرها بالديمقراطية ثانيا؟ حيث أكدت أن الاخلال بأحد شرطي هذا الرهان، شرط بناء الدولة وشرط تغييرها بالديمقراطية، هو الذي يهيئ الأجواء في مجتمعاتنا الي الارتداد الي أسباب الفتنة والخلاف التي لا يوقفها الا العنف والاستبداد، كما حدث في الجزائر، فنخسر بالتالي رهان الديمقراطية اليوم كما خسر أسلافنا رهان الشوري بالأمس. علي مادا تشتغل راهنا؟ وهل تعتقد في اعادة قراءة الماضي حلا، أم في التحرر منه تماماً، أم في البحث عن أسئلة مرتبطة بوضعنا الحالي؟ حاليا اشتغل بالقراءة في نص ألف ليلة وليلة، فهو يمثل في اعتقادي أحسن وسيلة للولوج الي المناطق العاتمة في العقل العربي لتسليط الضوء عليها من خلال الكشف عن الهواجس التي تستبطن كيان هذا العقل، هواجس الجنس والدين والمرأة والقدر والسلطة. وهي قضايا لا تزال تحتل مركز الجدل في الراهن العربي. هل تري وجود لحرك كتابة فكرية في الجزائر أم لا؟ من وجهة نظري تفتقر الجزائر لحركة كتابة فكرية تؤشر لحضور انتلجانسيا جزائرية حديثة، تعمل كمجموعة اجتماعية منسجمة ومؤثرة تقوم بالانتاج المعرفي والابداع العلمي وتملك ميادين عملها ومؤسساتها المادية وأجهزتها الثقافية المستقلة وتعبر عن مواقفها الفكرية والأدبية والفنية من قضايا الدين والهوية والديمقراطية، وتطرح رؤاها النظرية لهذه القضايا، انطلاقا من حاضرها وخصوصية مجتمعها دون ارتهان أو تبعية لقطبي المركز المزدوج أوروبا بالنسبة للفرونكفونيين والمشرق العربي بالنسبة للمعربين حيث أن لهذا الغياب أسبابه التاريخية التي يرجع بعضها الي الماضي أي الي ما عانته الجزائر عبر تاريخها الطويل من اختلاط و تنوع و اختلاف المراجع الاثنية و الدينية واللغوية ، بينما يعود بعضها الآخر الي ظروف تكون فئة المثقفين أنفسهم في الجزائر وطبيعة علاقتهم بالسلطة وعجزهم الدائم عن التبلور كنخبة فكرية ومستقلة بامكانها أن تلعب دوراً مؤثراً في المجال الاجتماعي. ما هي مشاريعك المستقبلية؟ أستطيع تلخيص مشاريعي الثقافية في المستقبل القريب في سؤال واحد هو: لماذا لم تقم الابستمولوجية السنية عبر التاريخ الاسلامي بتقنين التأويل ضمن نظرية أصولة سنية، كما فعلت مع الاجتهاد، بحيث تتجاوز أزمة الأسس التي شهدها علم الكلام، بنفس الكيفية التي تجاوزت بها أزمة الأسس في الفقه.التقاه: بشير مفتي0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية