الباحث المغربي عبد الهادي مزراري: احتجاجات «جيل زد» في المغرب حملت رسالة… والرسالة وصلت

حاوره: عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

يشهد المغرب، منذ بضعة أسابيع، متغيّرات اجتماعية وسياسية، سِمتها الأساس ظهور حركة احتجاجية شبابية تطلق على نفسها «جيل زِدْ 212»، خرجت من رحم الواقع الرقمي لتضع قضايا الصحة والتعليم والعيش الكريم في صلب النقاش العمومي، مطالبةً بجعل هذه القضايا من الأولويات المستعجلة التي تستدعي تدخلا حازما من لدن الدولة لتدارك النقص الحاصل.
هذا المنعطف البارز في المشهد السياسي والاجتماعي المغربي، بما يحمله من تعبيرات احتجاجية سلمية (رغم بعض لحظات العنف والتخريب النادرة التي جرى تطويقها في وقت يسير) فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحركة الشبابية الجديدة، وآليات تعبيرها، وأشكال تواصلها، ومدى قدرتها على فرض القضايا المشار إليها على الأجندة الوطنية؛ خاصة بعدما رفع «جيل زد 212» سقف المطالب لحد الدعوة إلى إسقاط حكومة عزيز أخنوش، بعدما لم يتبقّ من ولايتها سوى عام واحد.
في هذا الصدد، تحاور «القدس العربي» عبد الهادي مزراري، الكاتب الصحافي والباحث في القضايا المغربية، الذي يبسط قراءته الفاحصة لهذه الحركة الشبابية، على مستويات متعددة: النشأة، الأهداف، الوسائل، التحديات، آفاق المستقبل… حديث يلامس جوانب من الواقع الاجتماعي والسياسي لمغرب اليوم، ويطرح تساؤلات حول دور الدولة والأحزاب والإعلام والمجتمع في التعامل مع حراك يتجاوز التقليدي، ويعيد تشكيل مفهوم الاحتجاج السلمي.
وفي ما يلي نص الحوار:
○ كيف تنظر إلى السياق الذي ظهرت فيه حركة «جيل زد»؟
• ظهرت حركة «جيل زد» في سياق تطورات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، عرفتها المجتمعات البشرية، خلال العقود الثلاثة الماضية، وأحدثت فيها تكنولوجيا الاتصال والتواصل انقلابا جذريا في شخصية جيل بأكمله.
قد تختلف الخلفيات الثقافية والفكرية والدينية وحتى السياسية بين أفراد هذه الحركة، ولكنّ هناك قاسمًا مشتركًا واحدًا لديهم هو الشعور بالانتماء إلى «القوقعة» التي ولدوا فيها، ونشأوا على مبادئها، وتربوا على لغتها، ألا وهي «التواصل الرقمي»، الذي من خاصياته توفير الكم الهائل من المعلومات، والاستجابة السريعة للطلب، والتفاعل مع المعطيات، والمشاركة في صنع الحدث، والتجول الحر بلا حدود ولا قيود عبر عالم صار فعلا قرية كوكبية زجاجية بامتياز.
لم يكن من إطار أمثل لجمع أفراد هذه الحركة وتسميتها أكثر من اختيار عامل السن لها، الذي تم توظيفه بشكل ذكي في جعلهم يشعرون بخاصية «الوحدة والتضامن»، ولذلك جرى تأطيرها بين عامي 1997 و2010، وهي الحقبة التي تطور فيها استخدام الإنترنت بشكل أكبر عبر العالم.
من جهة أخرى، جاءت حركة «جيل زد» كرد فعل للاحتجاج على أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهي حركة لا تملك قائدا معينا، ولا ميثاقا يحدد مبادئها ولا أهدافها، ولا تتوفر على إطار مرخص للعمل، ولكنها تفرض نفسها من خلال استخدام الإنترنت، واستغلال شبكات التواصل الاجتماعي، وقد تمكنت من نقل المعارضة من العالم الافتراضي إلى الواقع عبر دعوات التظاهر والاحتجاج.

محاكمة إعلامية

○ وما قراءتك للمطالب التي رفعتها والمتعلقة أساسا بالصحة والتعليم والعيش الكريم؟
• تعتبر المطالبة بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم ومحاربة الفساد وتوفير العيش الكريم، مطالب شعبية بامتياز، ولا توجد أجندة حزب سياسي ولا جمعية مدنية ولا نقابة عمالية في المجتمع تخلو من التأكيد على تحقيق هذه المطالب.
لكن، بسبب فشل المبادرات التي استخدمت على مر عقود في تحقيق هذه المطالب، تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن «المطالبة بالإصلاح» تم استخدامها فقط كشعار خادع للوصول إلى السلطة، ومن ثم إعادة تدوير الفساد.
لذلك، تناوبت على المسؤولية أطراف كثيرة، ولكنها لم تكن صادقة في تحقيق الإصلاح المطلوب. واليوم، مع رفع شعار الإصلاح بواسطة حركة «جيل زد» يبدو أن الجهات المسؤولة تعرضت لصدمة كبيرة، لأن محاكمتها تجري إعلاميا بشكل مفضوح في فضاء رقمي خارج حدود السيطرة.
من جهة أخرى، يصعب القول إن مطالب الحركة اجتماعية تقتصر على إصلاح التعليم والصحة، ولكنها أصبحت بأبعاد سياسية تطال الدعوة إلى إقالة الحكومة وحلّ الأحزاب السياسية، وبقدر ما تبدو هذه الأهداف مقبولة شعبيا إلا أنها ممزوجة بدعوات متطرفة، بعضها طوباوي والبعض الآخر يهدف إلى التخريب وبث الرعب في المجتمع.
بصفة عامة، يجري تحرير مطالب حركة «جيل زد» في غرفة مظلمة ومن قبل أشخاص ملثمين يشكّلون الصف الأول في الحركة ولا يعرف أحد من يكون الآخر على وجه الدقة. بينما يظهر في الصف الثاني شباب آخر في الميدان.
○ ما دلالات صيغة الأشكال الاحتجاجية التي اتخذها هذا الحراك الشبابي؟
• اتخذ الحراك الشعبي عدة أشكال على مستويات مختلفة، عندما تم نقل المعارضة من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، خرج إلى الشوارع والساحات آلاف الأشخاص، نظموا وقفات ومسيرات ورفعوا يافطات تهم المطالبة بإصلاح التعليم والصحة ومحاربة الفساد، لكن لم يكن الأمر يقتصر على «جيل زد»، أصبحنا أمام فئات من مختلف الأعمار حتى الأطفال، ومن مستويات مختلفة، ومن طبقات اجتماعية مختلفة.
ولأن التظاهر مفتوح وحر، تم رفع شعارات تجاوزت المطالبة بإصلاح التعليم والصحة، وشاهدنا عبارات واستمعنا لتصريحات تهم احتياجات الأفراد ومشاكلهم وآراءهم المختلفة.
حاولت جهات الركوب على الحدث، ولهذا كانت ألوان الحراك بأطياف مختلفة، إسلاميون، يساريون، علمانيون، والأكثر تطرفا هو أعمال الشغب التي وقعت في بعض المدن وخدشت الشعار السلمي للحراك، لكن تم تدارك الأمور في ما بعد.
في النهاية، أكدت الاحتجاجات من خلال الأجواء التي مرت فيها حالة التطبيع مع المظاهرات في المغرب، وإذا استثنينا حالة التشنج مع قوات الأمن التي حدثت في اليومين الأولين، وكذلك أعمال العنف والتخريب، يمكن القول إن الاحتجاجات حملت الرسالة والرسالة وصلت.

بين القول والفعل

○ وهل انسجم تعاطي الفاعلين الحكوميين مع الانتظارات المطلوبة من وراء هذه الحركة ومطالبها؟
• على مستوى الفاعلين الحكوميين، لا بد أن نميز بين التجاوب بالقول والتجاوب بالفعل.
في ما يتعلق بالتعاطي مع مطالب الحركة يمكن القول، سجلنا تفاعلا فوريا مع الاحتجاجات، حيث عقدت الأحزاب المشكّلة للحكومة اجتماعا طارئا وأعلنت تفهمها لمطالب الحركة، وأكدت سعيها لتحقيق المطالب.
لكن على مستوى الفعل، يصعب التصرف في الدقيقة 90 من عمر المقابلة. هذه الحكومة على موعد مع الانتخابات في 2026 التي نحن على مشارف استقبالها، ونستبعد أن تقوم بإصلاح جذري لقطاعي الصحة والتعليم، كل ما يمكن لها أن تفعله إذا استمرت في السلطة هو تركيز الاهتمام على القطاعات ذات الصبغة الاجتماعية والاهتمام بها أكثر في أفق إعداد منظومة جديدة للحَوْكَمة تُعيد بناء كل الأمور من جديد.
○ كيف استطاعت شبكات التواصل الاجتماعي أن تبتكر صيغا جديدة للتفاعل بين نشطاء الحركة وتيسير التعبئة والحشد للحركات الاحتجاجية على مستوى أقاليم المغرب ككل؟
• تعتبر شبكات التواصل الاجتماعي أكثر وسائل التواصل تطورا في تاريخ البشرية، إلى جانب تطبيقات ومواقع رقمية أخرى، فهي تجاوزت كل الحدود وحطمت كل الجدران، وجعلت الأشخاص يتقابلون ويتناظرون ويخططون ويتاجرون، إنها تارة أشبه بقاعة اجتماع كبيرة، وتارة سوقا عملاقا، وأحيانا مركزا للتخطيط والتنظير، وآونة فضاء للتعارف وقضاء المآرب.
كل هذه الوظائف التي توفرها شبكات التواصل الاجتماعي ظلّت تشتغل منذ سنوات وأصبحت ملاذا لعشرات ملايين الأشخاص، وليس في المغرب وحده، بل في مختلف ربوع المعمورة، وتعتبر أفضل قناة يمكن استثمارها للتخاطب والتواصل والحشد والتوجيه، إنها تشكل أحزابا ومنظمات وهيئات بديلة لما هو موجود على أرض الواقع.
بطبيعة الحال، استغلتها حركة «جيل زد» بشكل ذكي، سواء تعلق بشقها السلمي، أو كذلك من قبل الشق العنيف، هناك قاعدة ذهبية تسير غرفة العمليات التي تطلق منها النداءات إلى الجماهير، وهذه القاعدة هي «من يسيطر على الحديث، يسيطر على الواقع».
من ثم، سهل على الحركة تسيير قطاعات بشرية واسعة في أماكن مختلفة لا ترتبط بها بأي علاقة سوى الشعار الذي تم رفعه وتم إيصاله بكل قوة إلى المجتمع ووجد صداه بامتياز.
○ ما تقييمك للتحول اللافت في الإعلام العمومي ـ لا سيما القنوات التلفزيونية والإذاعية ـ في التعامل مع هذا المنعطف الجديد، إذ اتسمت بالجرأة في نقد الجهاز التنفيذي؟
• دأب الرأي العام في المغرب على اعتبار الإعلام العمومي جهازا في خدمة السلطة التنفيذية، يقوم بتغطية الأنشطة الحكومية وإبراز مواطن النجاح في عملها، والدعاية لبرامجها، لكن حدث فجأة ما يستدعي طرح السؤال، كيف انقلب الإعلام العمومي على الحكومة خلال احتجاجات حركة «جيل زد»؟
كان من المفروض أن يأخذ الإعلام العمومي مسافة بينه وبين السلطة التنفيذية من زمان، ولكنه ظلّ لصيقا بها، وهذا من بين الأسباب التي أدت إلى عزوف الرأي العام عن الإعلام العمومي وهروبها إلى إعلام مواقع التواصل الاجتماعي.
من دون شك، حصل تدخل من جهة ما لتصحيح مسار الإعلام العمومي خاصة في هذه الظرفية الصعبة والمعقدة، ولذلك رأينا وزراء ضيوفا على نشرات الأخبار وفي لقاءات حوارية وبحضور شباب انهالوا عليهم بأسئلة لم يجدوا أجوبة لبعضها.
إنني أعتبر ذلك مؤشرا على تحول مهم وربما هو رسالة مشفرة تنبئ بما سيحدث من تغييرات في المنظور القريب.

لا مكان لمغرب يسير بسرعتين

○ شهد المغرب على امتداد تاريخه المعاصر، منذ الاستقلال إلى الآن، عدة حركات احتجاجية، من بينها محطة ما يطلق عليه «سنوات الرصاص»، مرورا بمحطة بداية الثمانينيات والمتعلقة بالاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها فاس والدار البيضاء بالخصوص، وصولاً إلى حركة 20 فبراير 2011. عبر هذا المسار، كيف تنظر إلى خصوصية حركة «جيل زد» وتميزها؟
• كل حركة احتجاجية من الحركات التي ذكرتم وقعت في تاريخ معين في ظروف معينة، قد تكون بينها قواسم مشتركة، ولكنها تختلف من حيث الدوافع وكذلك من حيث الأهداف. ولكل حركة احتجاجية خصوصيتها التي لا تتأثر فقط بالعوامل الوطنية للبلاد، ولكن أيضا بالعوامل الإقليمية والدولية.
على ذكر المسار الطويل لهذه الحركات الاحتجاجية، نسجل أن المحتجين تغيروا والأهداف تغيرت، واستقرت الأمور عند المطالب ذات الطابع الاجتماعي التي هي لبّ المسألة.
مع حركة «جيل زد» لا نفرق بين مطالبها حول الصحة والتعليم وبين ما تضمنته الخطب الملكية في مناسبات كثيرة ندد فيها الملك محمد السادس بالوضع القائم في كثير من القطاعات خاصة الاجتماعية منها.
نذكر على سبيل المثال خطاب الذكرى 26 للعرش، عندما قال جلالته ردا على تردي الأوضاع الاجتماعية خاصة في المناطق الهشة: «لا يتماشى مع تصورنا لمغرب اليوم، ولا مع جهودنا في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية. فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين».
في النهاية، أعتقد أن حركة «جيل زد» تجد اليوم الطريق المناسب لتلبية المطالب الشعبية العادلة.
○ هناك من يطالب بأن تتخذ الحركة إطارا مؤسساتيا، إما بتكوين جمعية أو منظمة، أو بانضمام أعضائها في أحزاب معينة، حتى يمكن مخاطبتها، بينما ترفض الحركة ذلك، وتعلن رفضها حتى تحديد شخص مخاطب أو قائد لها. ماذا يعني ذلك في نظركم؟
• تحتاج الحركة إلى قيادة، والقيادة تحتاج إلى إطار، وسيكون من العبث أن تطلق جهة ما وثيقة للمطالبة بالإصلاح ولا تتوفر على تنظيم يمثلها.
هناك بعض الأفكار الطوباوية في تصرفات الحركة، ولكن أعتقد أن الأمور ستنضح مع مرور الوقت، لكن لا يجب أن نضيع هذه الشحنة الهائلة من الرغبة في الإصلاح التي يتحدث عنها الجميع قيادة وحكومة وأحزابا وجمعيات.
لا بد من إيجاد طريقة لتنزيل خطة الإصلاح الشاملة تأخذ بعين الاعتبار كافة المطالب. وإذا كانت الحركة ترفض الانخراط في العمل السياسي سواء بالانضمام إلى أحزاب معينة أو من خلال تأسيسها لحزب سياسي، فإنها ستظل بعيدة عن الممارسة السياسية.
من جهة أخرى، لا يستسيغ أن نطلق الحركة دعوات للإصلاح من دون المشاركة في العملية الإصلاحية. لكن لحسن الحظ أن الحركة تتوجه الآن بمطالبها إلى الملك ولا تجد نفسها في فراغ سياسي، وهو ما يمكن أن يشكل حلا لتصحيح الأوضاع.
○ وماذا عن الاستجابة المجتمعية عامة لدى مختلف أطياف المجتمع لهذه الحركة؟
• وجد المجتمع ضالته في هذه الحركة، لأنها عزفت على الوتر الحساس بكل تلقائية وبأعلى صوتها، خاصة في ظل ضعف الثقة بالفاعلين السياسيين وتراجع دور الأحزاب السياسية، وطغيان المصالح الشخصية على حساب المصالح العامة.
إنها تردد أصداء المجتمع، وتدق ناقوسا لا بد من التفاعل مع نقراته، ولذلك نرى أن الاستجابة المجتمعية وصلت حتى إلى الحكومة التي هي موضوع الاتهام، حيث أبدت تجاوبها قولا مع مطالب الحركة كما سبق أن أشرت إلى ذلك.
○ وكيف تستشرف آفاقها؟
• كما سبق أن قلت لكم، إن الحركة تتوجه بمطالبها إلى ملك البلاد، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي، وأعتقد أن رسالتها تم التقاطها، وهذا يشكل نسبة مهمة من الحل. لكن، أعود وأكرر لا بد من إطار تنظيمي لهذه الحركة حتى تكون مطالبها مقبولة، وتكون هي أيضا موجودة بروحها الإصلاحية ضمن الفاعلين الأساسيين في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية