تونس- “القدس العربي”: حذر الباحث السوري الدكتور طلال مصطفى، مدير قسم التقارير في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، من “صدام اجتماعي” بين أربعة أجيال مختلفة ثقافيا وأيديولوجيا ودينيا في سوريا، داعيا الإدارة السورية إلى اتخاذ إجراءات تستند إلى العدالة والمساواة واحترام التنوع الطائفي والإثني، وذلك لمنع الصدام الاجتماعي وضمان مراعاة حقوق جميع الطوائف والفئات الاجتماعية في البلاد.
مصطفى: “يجب إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية بحيث تصبح مؤسسات وطنية تخدم جميع المواطنين وضمان استقلالية القضاء وعدم تسييسه”
وقال مصطفى، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “قضية التعايش بين الأجيال السورية المختلفة التي عاشت تجارب اجتماعية وسياسية متنوعة ستكون تحديًا حقيقيًا في مرحلة بناء الدولة وإعادة البناء المجتمعي، وهذا يستدعي البحث في عوامل مركبة لها دور فاعل، على غرار التجارب السياسية والاجتماعية المختلفة.
“فالجيل الذي عاش تحت حكم الأسد تأثر بالسلطوية والخوف السياسي، وقد يميل إلى الحذر أو القبول بالواقع القائم. بينما اعتاد الجيل الذي عاش في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد (المحررة) على ثقافة وإيديولوجية إسلامية سلفية بالعموم، بينما اكتسب الجيل الذي نشأ في تركيا عادات مجتمعات محافظة دينيًا وعلمانية في مؤسساتها كدولة، وربما تأثر بالخطاب الديني أو العلماني التركي. أما الجيل الذي عاش في أوروبا فتأثر بالقيم الغربية، مثل الحرية الفردية والمساواة بين الجنسين، وقد يواجه صعوبة في التكيف مع الأعراف التقليدية”.
كما كشف مصطفى عن اختلافات ثقافية كبيرة بين الأجيال الأربعة المذكورة آنفا، حيث “تعكس هذه الأجيال المتعددة تجارب ثقافية متباينة، ما قد يؤدي إلى سوء فهم أو نزاعات اجتماعية تتعلق بالقيم والسلوكيات، فضلا عن أن التباينات في الرؤية السياسية قد تؤدي إلى نزاعات حول كيفية إدارة الدولة والمجتمع بعد المرحلة الانتقالية. وهناك أيضا اختلافات في أولويات القضايا، مثل حقوق المرأة، والتعليم، والدين في السياسة، قد تسبب صراعات اجتماعية وسياسية”.
مصطفى: “الجيل الذي عاش تحت حكم الأسد تأثر بالسلطوية والخوف السياسي، في حين تشبّع الجيل الذي عاش في أوروبا بقيم الحرية والمساواة”
وتحدث عن إمكانية نشوب “صراع اجتماعي” بسبب “الاختلافات العميقة في القيم التي قد تؤدي إلى نزاعات بين الجيل “المنفتح” القادم من أوروبا والجيل الأكثر محافظة من تركيا أو إدلب. وهناك خطر في أن تؤدي الفروقات إلى تعزيز الهويات الفرعية (الدينية أو الطائفية) على حساب الهوية الوطنية السورية، ما يزيد من احتمالات التوتر. وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السوريون، قد تكون المنافسة على الموارد والخدمات عاملاً يزيد من الاحتقان الاجتماعي”.
ولتمكين التعايش بين الأجيال المذكورة، اقترح مصطفى أن يتم التركيز على “بناء هوية سورية وطنية جامعة تستند إلى القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع كل السوريين، وإنشاء فضاءات حوارية بين هذه الأجيال المختلفة لتبادل وجهات النظر وتعزيز التفاهم، إضافة إلى البرامج التعليمية التي تعزز قيم المواطنة، والتسامح، وقبول التنوع الثقافي والديني”.
مصطفى: “على الإدارة الجديدة صياغة دستور عصري يعكس التعددية السورية ويحترم حقوق جميع الطوائف والقوميات”
وأضاف: “كما يمكن للمجتمع المدني والمؤسسات الدينية المعتدلة أن تلعب دورًا في التوفيق بين الأجيال وتخفيف الاحتقان. ويجب أن يتم توفير فرص متكافئة للجميع تسهم في تقليل التوترات الاجتماعية”.
من جهة أخرى، توقع مصطفى أن نشهد ظواهر اجتماعية “شاذة” أو غير مألوفة في سوريا “كما يحدث عادة في المجتمعات الخارجة من الحروب أو الدول التي تمرّ بمرحلة فشل وظيفي. فهذه الظواهر تكون غالبًا نتيجة للاختلالات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية التي تخلفها الحروب”.
وأوضح هذه الظواهر بقوله: “قد يكون هناك انتشار للعنف المجتمعي نتيجة الصراعات الطويلة وتراكم الأحقاد، واستخدام العنف وسيلة لحل النزاعات الفردية أو الجماعية المتراكمة والمركبة. فضلا عن ضعف الأواصر الأسرية والعائلية بسبب التهجير والانقسامات، وفقدان الثقة بين الأفراد والجماعات نتيجة للتجارب القاسية أثناء الحرب، إضافة إلى ازدياد الجرائم مثل السرقة والاتجار بالبشر والمخدرات نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام القانون”.
كما حذر من “تراجع القيم المجتمعية والأخلاقية بسبب الظروف القاسية. واستغلال الجماعات المتشددة لحالة الفوضى لنشر أفكارها، واتجاه بعض الأفراد إلى التطرف كرد فعل على صدمة الحرب أو ضعف المؤسسات، وارتفاع معدلات الاكتئاب، والقلق، واضطرابات ما بعد الصدمة”.
مصطفى: “الاختلافات العميقة في القيم قد تؤدي إلى نزاعات بين الجيل المنفتح القادم من أوروبا والجيل الأكثر محافظة في تركيا وإدلب”
وفسر مصطفى أسباب بروز هذه الظواهر بقوله: “غياب القانون والنظام يؤدي إلى فراغ تستغله الجماعات الخارجة عن القانون. كما أن الحروب الطويلة تترك آثارًا نفسية عميقة تؤثر على سلوك الأفراد. كما يزيد ارتفاع معدلات الفقر والبطالة من الانحرافات السلوكية والجريمة، فضلا عن تفكك المجتمعات التقليدية وظهور مجتمعات جديدة غير متجانسة. كما أن مشاعر الظلم والرغبة في الانتقام تؤجج النزاعات المجتمعية”.
وحول كيفية التعامل مع هذه الظواهر، دعا مصطفى إلى “تعزيز سيادة القانون والعمل على بناء نظام قضائي قوي وعادل. ومعالجة مظالم الماضي وتطبيق العدالة بشكل يطمئن الجميع، وإنشاء مراكز لمعالجة الصدمات النفسية وتقديم الدعم النفسي للمجتمع، وتكريس قيم المواطنة والعدالة والمساواة لتجاوز العصبيات والهويات الفرعية، وتقديم برامج اقتصادية مستدامة لتوفير فرص عمل وتحسين المستوى المعيشي، وتفعيل دور المجتمع المدني، ودعم المبادرات المحلية التي تعزز التعايش والتماسك الاجتماعي”.
كما دعا مصطفى الإدارة السورية الجديدة إلى اتخاذ إجراءات تستند إلى العدالة والمساواة واحترام التنوع الطائفي والإثني وذلك لمنع الصدام الاجتماعي وضمان مراعاة حقوق جميع الطوائف والفئات الاجتماعية في البلاد.
ومن بين هذه الإجراءات “صياغة دستور عصري جديد شامل يعكس التعددية السورية، ويحترم حقوق جميع الطوائف والقوميات، والتأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية، بحيث تكون الحقوق والواجبات مرتبطة بالفرد لا بانتمائه الطائفي أو العرقي، وترسيخ فكرة المساواة والعدالة في النظام السياسي والقانوني. وتطبيق العدالة الانتقالية من خلال إنشاء هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية تهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وتقديم تعويضات للضحايا، وضمان إعادة الحقوق المسلوبة”.
كما دعا إلى بناء مؤسسات دولة محايدة، عبر “إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية بحيث تصبح مؤسسات وطنية تخدم جميع المواطنين، وضمان استقلالية القضاء وعدم تسييسه. وتعزيز حقوق الأقليات الثقافية والدينية وحمايتها، وضمان تمثيلها في مؤسسات الدولة، وإطلاق برامج المصالحة المجتمعية، عبر تنظيم حوارات وطنية تضم جميع الطوائف والمكونات لتعزيز التفاهم وتخفيف التوترات، وإنشاء برامج مجتمعية مشتركة تعزز العمل الجماعي بين مختلف الفئات، وإصلاح المناهج التعليمية، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تأثر بسبب النزوح والهجرة، وإصدار قوانين تعاقب على التحريض على الكراهية والعنف الطائفي، وإطلاق حملات إعلامية تدعو للتعايش والتسامح”.