عزت القمحاوي
أخيراً مات الباشا. وهذا الخبر لايهم أحداً، علي الرغم من أنه حظي بجنازة معقولة كما جرت العادة في الريف، حيث لم يزل إيقاع الزمن يسمح بالوداع الدافئ. كانت للباشا طلة أرستقراطية تحت قناع البؤس الذي سقط علي وجهه كغمامة لاتكف عن التبشير بالانزياح. قامة مديدة، قوام نحيف، بشرة بيضاء لم تلوحها شمس القري، وعيون خضراء له ولأطفاله وزوجته، حتي أنهم يبدون أسرة من المستوطنين نسيها استعمار مر بقريتنا! صورته التي تزيح ما عداها من الذاكرة تصوره في جلسته المستريحة، متكئا علي كومة التراب أمام مكتب البريد، وحيداً صامتاً متفكراً، ، أو بين قلة من أصدقاء عاطلين يلعبون السيجة (وهي لون من شطرنج متوارث عن الفراعنة، بيادقه من الحجر والطوب النيئ يتناقلها اللاعبون بين عدد من الحفر تقوم مقام رقعة الشطرنج). إذا جاء أحدهم يسأل عن خطاب ينتظره يشير إليه بأنفة إلي كومة الخطابات علي طاولة المكتب ليذهب ويبحث بنفسه، وكان هذا تطورا كبيراً وأقصي ترويض للرجل وصلت إليه مصلحة البريد بعد عدد من التحقيقات والجزاءات الإدارية التي تعرض لها بسبب إلقائه الرسائل في الشارع بدلا من توزيعها علي أصحابها في بيوتهم! ما حاجتكم أنتم للاتصال بالعالم؟ هكذا كان يرد علي احتجاجات المحتجين، مؤكدا لهم أنهم سيفقدون السلام والتسامح مع بؤسهم إذا ما عرفوا ما يجري هنالك في المدن، بعيدا عن زرائب المواشي وشقاء الحصيد. وكان الآخرون يعتبرون أنه البائس وليسوا هم البؤساء، ويقولون إنه كان بإمكانه أن ينعم بالأمان في وظيفته ويجني أرباحا مضاعفة من القروش التي يمكن أن يمنحوه إياها لو تواضع وقام بتوصيل الخطابات إلي المنازل. ولكنهم كانوا يعرفون أن قوة لن تستطيع أن تقنعه بالانضباط، لأن الله اختاره من بين اخوته وأبناء عمومته، لينفذ فيه انتقامه من جبروت الجد الذي كان من كبار ملاك الأرض، قبل أن يبدد النعمة بسفه وجحود، حتي أنه كان يحلو له إنضاج فنجان قهوته علي نار أوراق النقد التي يشعل إحداها من الأخري في فرندة السراي علي مرأي من المارة الفقراء! ولم تكن وظيفة ساعي البريد التي حصل عليها بتدخل من أصدقاء العائلة الوظيفة الأولي للرجل، بل الأخيرة وقد وصلها بعد عديد من وظائف صغيرة طردته في ملابسات طريفة، وآخرها كانت وظيفة محصل في أتوبيس عام. كان يستطيع بشخصيته القوية أن يقنع السائق بالتوقف أطول من اللازم في هذه المحطة أو تلك، لأن أحد معارفه أرسل صبياً يستمهله حتي يفرغ من غدائه. كما كان من غير الممكن أن يسمح للسائق برفض دعوة علي كوب شاي وشيشة وفص أفيون من صاحب مقهي علي الطريق. فإذا احتج أحد الركاب صرخ فيه: مالك؟! جري لك إيه، وراءك الجلسة؟! (أي أنه ليس قاضيا بمحكمة ليعطي لنفسه وللوقت هذه الأهمية!). وهكذا ضرب انتظام الخط الذي يربط عدداً كبيراً من القري والمدن الصغيرة بالقاهرة؛ لم يعد أحد يعرف متي يأتي ومتي يمضي الأتوبيس. ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، بل تخطاه إلي أن جعل الشركة تقدم مرغمة علي عمل الخير! كان يحتل المقعد الأول كراكب مميز، يواصل سخريته من الركاب المتهيبين الذين يستقل بعضهم الأتوبيس للمرة الأولي في حياته. وإذا ناداه أحدهم ليدفع له يستمهله مرة وأخري قبل أن يزعق فيه نافد الصبر: هي الفلوس بتقرّصك؟! . وبعد فترة من الذهاب والإياب المجاني للأتوبيس تصور المسؤولون عن شركة النقل أن الناس كفت عن السفر علي ذلك الخط، لكن مفتشا صعد إلي الأتوبيس الممتلئ بالمسافرين واكتشف أن السر يكمن في المحصل الأرستقراطي المتأفف الذي لا يريد أن يغادر مقعده، فصدر قرار فوري بطرده من الخدمة. بعد ذلك عمل فراشاً في مدرسة، فعاملاً بالجمعية الزراعية، قبل أن يلتحق بالبريد الذي عمّر فيه أكثر من كل الوظائف الأخري التي جربها بفضل تسامح أهل القرية الذين يعرفونه جيدا ويتفكهون بنوادره؛ لكن صبر الحكومة ليس كصبر جيرانه من أهل قريته، كما أنها لا تعرف شيئا عن الجد مشعل النقود لكي تترفق بعزيز القوم الذي ذل. كان الباشا الفقير، بالنسبة للحكومة مجرد موظف متسيب يعيش الحياة بخفة لا تحتملها اللوائح، فتم طرده ليضطر لتعلم حرفة تمثل أقسي هجاء لوسامته وأناقته وأصله ومحتده؛ أتقن إصلاح مواقد الكيروسين التي تعمل بضغط الهواء، وانتظم في عمله بتبتل مدهش، محتملاً سحابة الكربون فوق سحابة البؤس علي وجهه الذي استحال بياضه سواداً. مع ذلك فإن الحياة التي عاندها طويلا منحت نفسها الحق في معاندته هذه المرة، فما أن رضي الباشا بقدره حتي امتلأت القري بمواقد من الصين تعمل بضفائر من الخيط، ولا تحتاج إلي جهود الباشا الإصلاحية! طلقته زوجته واستقرت في بيت رجل ميسور لا ينجب، في شراكة بالمال من جهته والبنين من جهتها، وصار الباشا وحيداً، يأكل كلما تذكره قريب أو صاحب، يغيب طويلاً ويظهر فجأة ثم يختفي من جديد، من دون أن يعرف أحد إلي أين يذهب ومن أين يعود، لكنه ذهب هذه المرة من دون عودة، لكن مكانه صار معلوماً.