‘لا تفعل. فكر فقط’؛ تلك هي إحدى عبارات الفليسوف المعاصر سلافوك جيجك، المتحمس لفكرة أن القرن الواحد والعشرين لا بد له من تفكير أكثر قبل أي فعل (وبدل أي ‘نشاط سياسي مزيف’)، على عكس القرن العشرين الذي اشتهرت فيه الفكرة الماركسية بأن الفلاسفة أمضوا وقتاً طويلاً في تأويل العالم، وقد حان الوقت لتغييره. في كتابه حول العنف، يقول إن علينا دائماً أن نتعلم ونتعلم ونتعلم، كما فعل لينين بعد بداية الحرب العالمية الأولى في 1914، إذ انعزل في مكان وحيد في سويسرا، وفكر وقرأ منطق هيغل، ‘وهذا ما يجب أن نفعله اليوم حين نجد أنفسنا معرضين لوابل من صور العنف في الإعلام’. من السهل جداً انتقاد جيجك، الذي يراه تشومسكي أقرب إلى ممثل بارع منه إلى مفكر حقيقي. على أن هذه الفكرة، حول موقع الفكر الآن من التغيير، تتطلب التوقف عندها لأمرين: الأول أن أكبر تغيير في القرن الواحد والعشرين في العالم العربي إلى الآن قد بدأ بفعلٍ نشهد نتائجه كل يوم، أعني الثورات العربية التي لم تسبقها أي نظرية فكرية سياسية واضحة المعالم على الإطلاق؛ والثاني فكرة تأتي من مقارنة سهلة: إن أعظم ثورة عربية في التاريخ شابهت بعضَ تفاصيلها عزلةُ لينين، وسبق أو لازَم الفعلَ السياسي التحرري فيها نص ذهب أبعد من الرغبة في التغيير السياسي والاجتماعي، وكانت ملازمة غيرت في تاريخ العالم الكثير الكثير. كانت ملاحظة استفزت عندي في وقتها الجدل المتجدد حول ثنائية الفكر والفعل. كان ذلك بعد أشهر قليلة من بدايات ثورتي تونس ومصر، حين التقيت بزميلي عالم اللغة العريق نهاد الموسى، وبدل الخوض في أي نقاش سياسي، نبه بمزيج ذكي بين الهزل والجد إلى همزة القطع فوق الألف في كلمة ‘ارحل’ في إحدى اللافتات المرفوعة في ميدان التحرير التي كانت تتداولها وسائل الإعلام كل يوم. ‘ارحَل’ هي بلا همزة قطع على الألف، لا فوقها ولا تحتها، والقاعدة يفتَرَض أنها أُشبعَت تدريساً في المراحل الابتدائية. لم تكن الأخطاء الفادحة جديدة عليه؛ إذ كاد ألا يعود مستغرَباً أن طلبة جامعيين يكتبون ‘لاكِن’ بدل ‘لكن’، و’أيظَن’ بدل ‘أيضاً’، و’كنتي’ بدل ‘كنتِ’، وقد حاول كثيراً حين ترأس قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية إحداث فارق ما، حد كتابة لوحات بخط يده حول الأخطاء الشائعة بشغفٍ حقيقي كبير. وقت ملاحظته حول الهمزة، شيء مني وجد فيها وتوقيتها ترفاً لغوياً لا يحتمله الموقف، وليس أولوية أمام عظمة ما يحدث، لكن جزءا آخر كبيراً مني كانت تحاكيه مسألة الهمزة بامتياز، وإن لم أكن أجرؤ على التعبير عنه وسط حمى سعادة القطيع، وأنا منه: السعادة لأن شيئاً ما كان يبدو مستحيلاً غدا ممكناً، وربما كان ذلك مقدمة لكل المستحيلات. لكني كنت كأستاذي، وما زلت، أعتبر الاستخدام الصحيح للغة دليلاً على ثقافة الإنسان، وإن كان بعيداً جداً عن أن يكون دليلاً وحيداً، طالماً أن هناك الكثير من ‘الغباء الفصيح’ الذي تمن به علينا وسائل الإعلام كل يوم. مع ذلك، تبقى اللغة دليلاً على ثقافة أو اطلاع ما، لأن الأمر يحتاج بعض القراءة والرغبة في التعلم، ستقود إلى الابتعاد عن الخطأ وهذا كل ما في الأمر. بدت نتيجة هذا التداعي في ذهني هكذا، حشد يخطئ باستمرار في اللغة ليس مثقفاً بالحد الأدنى، والحرية بلا ثقافة شيء فارغ رديء. كنت قادرة على تخيل فداحة الهمزة بالنسبة للموسى، بعد عمر أمضاه في الدفاع عن الفصيحة حد استخدامها في سوق الخضار، وحد الإيمان بأن التحول إليها من العامية ممكن. ليست مسائل الإملاء ترفاً كاملاً، إذ كانت الهمزة تؤذيني أنا أيضاً حد الصميم، بقدر ما تؤذيني رسالة قصيرة كُتبت فيها ‘أنتِ’ بالياء. لكن لكي أتسامح مع أخطاء الآخرين وكيلا أحدد الفكر كله باللغة، أقول غالباً إن لي حظا لم يكن لغيري، أني ابنة اثنين لا يلحنان في اللغة، درسهما في الستينيات، بالمناسبة، نهاد الموسى. سمحت لي جرأته في إبداء استيائه بأن أتجرأ وأضيق وأفكر، رغم الموقف الذي يقدم فيه أي متظاهر ‘يفعَل’ على كل من سواه ممن ‘يفكر’. فكرت في أمور أخرى هي في غاية الفداحة عندي؛ أمور ليست بعيدة أبداً عن عالم اللغة، وأعني المفاهيم. فأنا لا أستطيع إلا أن أضيق أحياناً بشعارات تحمل كلمات ‘الحرية’ و’العدالة’ يحملها ويصدح بها من لم يفكر معظمهم يوماً في معناها، ويستخدمها استخداماً مبنياً على إحساس بديهي مشترك، بلا فكر، بلا نظرية، بلا شيء سوى بعض الكلام السريع عبر مواقع التواصل وسواها، وبعضه الكثير مكتوب بمنطق مشوه ولغة رديئة، والنتيجة انفصام وتشوه في الممارسات الواقعية تحت مسميات الحرية والعدالة، لكن طالما أن الشعارات والهمزات تأتي بنتائج بعضها جيد فلِمَ أسمح لنفسي بهذا الضيق المترف؟ ما الذي سيفيد الجوعى والمظلومين ومن يرزحون تحت شبح القصف وذل اللجوء، هنا والآن، البحث الفلسفي في الحرية وأخواتها وتصحيح أخطاء اللغة؟ كما أن الكلام الكثير في الإعلام عن تاريخ الثورة الفرنسية وكيف سبقتها نهضة فكرية كان في معظمة اجترار واستنساخ للفكرة ذاتها أثار فيّ السخط والاشمئزاز. مع ذلك، ولأسباب سأحاول الكتابة عنها في المقالات القادمة، ما زلت مصرة على ما يمكن وصفه بالـ’ترف الضروري’، للمفارقة؛ على ضرورة البحث والنقاش في مفهوم الحرية ضمن مفاهيم كثيرة، فلسفية وسياسية، مهما كانت حاجات المرحلة الراهنة تبدو أكثر إلحاحاً من أن تحتمل الصبر على الفكرة، بل إنني، فوق ذلك، أراه ترفاً ضرورياً الآن أن يُبحث حتى في تصورات الحرية في الشعر والأدب إذا ما أردنا الغوص حقاً في مسألة حرية الفرد، من وجهة نظره لا من وجهة نظر المجتمع وتنظيمه فقط. في الشعر أشياء سيتعلم منها المفكرون والمنظرون الكثير، وقد تحمس لهذه الفكرة تحديداً الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، صاحب ‘روح العلم الجديدة’ الذي كتب في فلسفة العلوم وفي الشعر معاً. أذكر ذات مرة، وسط ضيق أبدي من بلاد وصف شوارعها أدونيس: ‘هل تَعبتَ، يا امرأَ القيس، من السير في تلك الشوارع التي شَقها الغيب؟ ما أَبرعَها في فَن الاقتفاء، ما أَنْبَهَ جُدْرانَها في التنصت. كلما حاولتَ أن تعانق امرأةً، يسألك حارسٌ: هل استأذَنْت السماء؟’ أذكر أني قرأت هذي السطور لعالم عريق آخر في الأدب، هو أبي، فذكر لي بيت سويد بن أبي كاهل اليشكري، الجاهلي المخضرم: ‘كيف باستقرار حر ساخطٍ/ ببلادٍ ليس فيها متسَع’. قال لي إن صحراء الجزيرة العربية بأكملها كانت أمام ذلك الشاعر، ومع ذلك لم يجد متسعاً: و’هكذا أنتِ’. فكرت في معنى ‘الحر’ و’المتسع’. أعرف أن البداوة قد اعتبرت بحد ذاتها حرية في وجه الدولة، والصعلكة في وجه القبيلة، وأن المتسع ليس فيزيائياً بالضرورة، وأن مفهوم الحرية معقد معقد، فردياً ومجتمعياً. كم لا بد من قراءة أكثر، وتعلم وتعلم وتعلم، علنا نتجاوز همزة القطع إلى نظرية في الحرية قد تساعد شعوباً بدأت بالفعل بالمطالبة بها، وأسقطت مستعمرين ومستبدين، لكنها ما تزال تترنح سياسيا واجتماعياً وفردياً وتعاني من غياب للحرية بمعناها المدني (ومن هنا العنف المستمر الذي يبرر للسلطة الحلول الأمنية)، لأن فكراً لم يسبق فيرسخ الأسس الفلسفية الضرورية لمفاهيم المواطنة والديمقراطية والعلمانية والمدنية ـ بل والدولة ـ وهي كلها أسس مجالها الأساسي الفلسفة، من أول كلمة في الميتافيزيقيا إلى آخر كلمة في الفلسفة السياسية، مروراً بالطبع بفلسفة الفن والجمال، حيث هناك جل ما يخص حقاً الإنسان. ليس هذا ترفاً أبداً، ولو كان، فهو مرة أخرى، ترف ضروري. في الفكرة ذاتها، حول الترف، وحول الفكر والعمل، فقرة مهمة في كتاب عبدالله العروي ‘مفهوم الحرية’ لا بد من تأملها، رغم ما يبدو في ظاهرها من مبالغة مستفزة: ‘إن البحث الفلسفي في الحرية تافه جداً لأنه لا يبرهن ولا يمكن أن يبرهن بحال، على الحرية الواقعية. يحس القارئ العربي في الظروف القاسية الراهنة أن التحليلات الفلسفية لا تساوي شيئاً. كل من ظن أنه رسخ قواعد الحرية في العالم الملموس بمجرد أنه تصورها وحدها يستحق بالفعل السخرية والاستهزاء. لكن الفيلسوف الذي يعتبر عمله مدخلاً لدراسة طرق الإبداع والتغيير يستحق بالعكس التقدير والتشجيع. إن التوضيح الفلسفي يثبت مدى قدرتنا على تمثل الحرية حينما نعي حق الوعي أن تحليل المفاهيم هو وسيلة لتنوير الذهن وتقويم المنطق نكون قد قطعنا شوطاً بعيدا نحو التقريب بين الفكر والعمل’. الكتاب يوضح ما يقصده، فالعروي يناقش المفارقة في كون أي نظرية في الحرية لا يمكن لها أن ‘تنفي ذاتها’ و’تأخذ الحرية شعاراً بديهياً’، لكنها مع ذلك، كي تتحقق، لا بد لها أن تُعقل، ‘ولكي تُعقَل يحب أن تُطلَق’. المفارقة إذن أن الحرية بمعنى الليبرالية المطبقة سياسيا واجتماعيا لا بد منها من أجل التفكير في نظرية في الحرية قد لا تتفق مع ما هو مطبق، وحسب هذا الرأي تكون الثورات العربية بكل شعاراتها وأخطائها اللغوية والفكرية، قد مهدت الطريق أمام استفزاز سؤال نظري قد لا تقود نتائجه إلى ضمان وجود الحرية في المجتمع والدولة كما يرى العروي. ولهذا يقول إن نظرية الحرية هي ‘في غاية الأهمية وفي نفس الوقت في غاية التفاهة’. لا أحد يملك إجابات أو خريطة للطريق بعد، لأن الأسئلة الأساسية لم تطرَح، وهو تماماً ما عبر عنه جيجك في إصراره على دور الفلسفة اليوم واعتبارها خطاباً ملحاً لكونها تقبل إعادة النظر في كل شيء. فإذا كان الشيوعيون والاشتراكيون في الولايات المتحدة يتلعثمون عندما تسألهم الرأسمالية عن نموذجهم البديل كما يقول جيجك، لا بد لهم الآن من التفكير، والتفكير فقط. ربما لا بد لنا من ذلك أيضاً: من أن نصر على أن نجد طريقة لترسيخ الرغبة في التفكير والبحث والمعرفة، في مؤسسات التعليم قبل غيرها، ولو بدا ذلك حلماً رومانسيا كحلم نهاد الموسى بالتحول إلى الفصيحة. هناك دماء في سوريا ومصر والعراق وهناك فلسطين وهناك وهناك، ولا بد من فعل، إذ لن يفيد الآن الشعر والفكر لاجئين سوريين يموتون من البرد. لكن غياب النظرية يساهم في العجز: في عجز شعوب تريد حياة أفضل لها ولأشقائها، لكنها لا تعرف من أين تبدأ التفكير في كل ما يلزم لحياة أفضل، لا لحل أزمة مؤقتة سيقرر مصيرها مثلاً، على مستوى ‘الفعل’، مؤتمر جنيف 2 و’القوى الإقليمية’ المشاركة فيه. قد تبدو قرارات المؤتمر أهم مرحلياً من أي شيء آخر، وقد يبدو التفكير في المفاهيم ترفاً لكنه، مرة ثالثة، ترف ضروري.