البحث عن الحقيقة: الاردن الى أين؟

حجم الخط
0

د. لبيب قمحاوي الكتابة في السياسة حاليا هي كالسباحة في مياه هائجة عكرة، خطر الغرق فيها شبه مضمون وامكانيه الرؤيا شبه معدومة. ما نحن بصدده قضايا تجاوزت حدود النظريات والتحاليل إلى واقع جديد يُسْعِْد البعض ويُخيف البعض الآخر ولكنه يضع المعظم في تساؤل قلق، إلى أين؟ وما هو المصير؟

تنتاب المجتمعات العربية الاصلاحية حاليا ظواهر متناقضة تدفع الجميع في اتجاهات قد تتقاطع حينا وقد تتضارب أحيانا أخرى. ففي حين ينادي الجميع بالديمقراطية كهدف نبيل وآليةٍ وحيدةٍ للتغيير والإصلاح والتعبير السلمي، فان نتائج الديمقراطية في المقابل، قد لا تحظى بنفس القدر من الإجماع والتأييد. وهنا يكمن جزء من المعضلة. فأساس الممارسة الديمقراطية الحقة والحُرة هو القبول بنتائجها. وإذا كانت تلك النتائج قد أدت، أو تؤدي، إلى تولي الحركات الاسلامية السلطة في بعض الدول مثلا فان ذلك يجب أن لا يشكل سببا للتشكيك في الديمقراطية. فالمطلوب حقيقة في مثل هذه الحالة ضمانات وضوابط من جميع الأطراف بالالتزام بأسس الدولة المدنية وكذلك الالتزام بالقاعدة الاساسية للديمقراطية والمتمثلة بحق الانتخاب والتداول السلمي للسلطة، وليس الهجوم على الديمقراطية والتشكيك بها باعتبارها خيارا قد يؤدي إلى استلام الحركات الاسلاميه للسلطة.

ومع ذلك يبقى الخوف قائما خصوصا بين أوساط العلمانيين سياسيا أو العلمانيين اجتماعيا. وفي كلا الحالتين نجد أن أكثر الأمور غرابة هي أن ذلك القطاع من الشعب الذي قاد مسيرة التغيير ودفع معظم الثمن من اجل ذلك، هم الذين انتهى بهم المطاف على حافة الطريق لم يحصدوا إلا القليل من نتائج الديمقراطية أو من ألقدرة على التأثير على تبعات تلك النتائج بل وعلى مستقبل الديمقراطية نفسها، وهي التي قاتلوا من اجلها وقدموا التضحيات من اجل ذلك.

أن قيادة العلمانيين ألعفوية وألجماهيرية لمسيرة التغيير كان يجب أن تعمل حسابا لحتمية انقلاب الأمور لصالح الحركات الاسلامية القابعة في كنف وضمير المجتمع السياسي بانتظار دورها وحصتها من المغانم السياسية وخصوصا وإنها الأكثر تنظيما والأكثر انتشارا في مجتمعاتها، وبعضها دفع ثمنا باهظا لذلك في حقبة الانظمة الاستبدادية خصوصا في دول مثل تونس ومصر وليبيا وسورية. وهكذا فان عدم قراءة الخارطة السياسية لكل مجتمع من مجتمعات التغيير بشكل دقيق وواقعي ربما يكون مسوؤلا عن مجموعة الصدمات والمشاعر المتضاربة التي رافقت نتائج الانتخابات في تلك المجتمعات. وعلى أي حال فنحن لسنا في صدد البكاء على ما كان أو الجري وراء سراب ما نحلم بأنه سيكون ولكننا في صد د التعامل مع واقع مرير وأمور سوف تتحقق بغض النظر عن موقفنا منها أو عواطفنا تجاهها. أن ما يجري على أرض الواقع في المجتمعات التي عاشت التغيير وما نتج عنه سوف يؤثر بشكل مباشر على ما يجري وسيجري في بقيه المجتمعات التي ما زالت تستشعر طريقها تجاه الإصلاح والتغيير خصوصا في سورية والأردن.

الدروس لا تتعلمها الشعوب فقط ولكن أيضا الانظمة والتي قد تكون أكثر براعة من شعوبها في الاستفادة من تلك الدروس والعزف على أوتارها بما قد يؤدي إلى تعزيز مكاسبها والحد من خسائرها. والنظام في الأردن يبدو أكثر براعة من غيره في ذلك، حيث انطلق من شرعية دستورية قوية ومعترف بها وأستغلها للتلاعب بالتناقضات داخل المجتمع الأردني لتعزيز مواقعه وتقليص الخيارات أمام خصومه المطالبين بالإصلاح الحقيقي إلى حد أصبحت فيه تلك الخيارات اقرب ما تكون إلى ألمحافظة على الأمر الواقع منها إلى الولوج في عملية إصلاح حقيقي.

هل نعود في حديثنا هذا إلى بعض المقولات ألشعبيية القديمة مثل إذا أردت إن تعرف ما يجري في الأردن فعليك أن تعرف ما يجري في سورية إلى أخر ذلك من مقولات، أم نكتفي بالقول إن النظام في الأردن يحاول القفز فوق الرمال والمستنقعات ويعوم في عواصف معظمها من صنعه ليس بهدف النجاة والاستمرار ولكن، وللعجب، بهدف تجنب الإصلاح الحقيقي واستحقاقاته، مفترضا أن البقاء والاستمرار أمرا مفروغا منه. إذا الحديث هو عن خيارات مغلوطة ومعكوسة وأهداف لا تتفق وسياق الأمور والتطورات في المنطقة. لقد اختار النظام الأردني أن يلبس كل أنواع العمامات والجلاليب من اجل ذلك. تارة مع العمامة امريكية، و تارةاخرى البريطانية واحيانا الاسرائيلية. وفي منعطفات اخرى يلبس الجلباب الاردني، واحيانا الجلباب الهاشمي ومؤخرا الجلباب الخليجي (ان صدقت الوالدة). وتارة يصفق مع سورية وتارة اخرى يصفق مع الجامعة العربية. هل كل هذا هو تخبط في تخبط، أم ذكاء مفرط يهدف إلى العزف على كافة الأوتار بهدف تحويل اللحن النشاز إلى إيقاع جميل؟

إن اعاده تأكيد الهوية الأردنية للبلد والنظام أصبح ضرورة هامة. وهذا التأكيد ليس موضوعا عاطفيا يحكمه مزاج شخص واحد. علينا أن نتفق أولا أن الهاشميين هم جزء من الاستحقاق الوطني الأردني وليس العكس بمعنى أن الأردن هو الأصل وهو بالتالي ليس تجسيدا للنظام الهاشمي أو ترجمه للاستحقاق الهاشمي. ومن هذا المنظور فان الأردن هو الأصل وليس الصورة ولكن الهاشميين هم احد مكونات الكيان الأردني باعتبارهم القيادة الشرعية الاردنية. وعلى هذا الأساس فان مصلحة الوطن الأردني هي التي يجب أن تسود وليس مصلحه النظام وذلك في حال وجود أي تناقض أو اختلاف بينهما. وعلى النظام بالتالي أن يسعى إلى أن يكون تجسيدا لإرادة الشعب وأماله وأن يبتعد عن السياسات والممارسات التي تهدف إلى تطويع الدولة والمجتمع ليكونا في خدمة النظام وأجنداته الخاصة، الخفية منها والمعلن سواء بسواء.

إن الركض في رمال متحركة أمر مستحيل وقاتل في نتائجه ومحاولات النظام المتكررة سواء المباشرة منها أو تلك القادمة من مؤسساته المختلفة، وخصوصا الأمنية منها، للالتفاف على إرادة الشعب الأردني والتلاعب بها ومحاولة إخضاعها لعمليات ابتزاز وتخويف مختلفة بهدف تحييدها أو إلغاء مطالبها، جزئيا أو كليا، هو أمر سيعود بالوبال على الوطن الأردني وقد يؤدي إلى تمزيقه بشكل يجعل أمر ابتلاعه من قبل الآخرين قضية سهلة. لا أحد يريد ذلك، ولا أحد سوف يسمح بذلك. مرة أخرى، الأولويات يجب أن توضع في سياقها السليم، مصلحة الوطن أولا وهي فوق مصلحة النظام، وشرعية النظام متفق عليها وهي مستمدة من قدرته على المحافظة على مصالح الوطن الأردني وتلبية طموحات الشعب الأردني. كلام هام ولا أعتقد أن هنالك من يختلف عليه باستثناء أولئك الذين يريدون اختزال وطن بأكمله في شخص واحد. وهذا ما حاول زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر القذافي وغيرهم فِْعْلَََهُ ودفعوا وجودهم ثمنا لذلك. وما ثورات الربيع العربي إلا على واقع الحال ذاك. ما يجري الآن في الأردن في غاية الخطورة. هنالك من يتلاعب بالوطن ومصالحه ومؤسساته ويضرب برغبات الشعب عرض الحائط في استهتار كامل أخذ يزداد وقاحة وعلنية.

هنالك على ما يبدو مخططا خفيا ابتدأت تظهر معالمه في محاولة لضرب وشل وإفشال ومن ثم إلغاء كل مظاهر الاحتجاج الشعبي باعتبارها استنفذت أغراضها. ومن أجل تحقيق ذلك، ابتدأنا نشاهد عمليات ضرب وفر ضد الحراك الشعبي تحت عناوين مختلفة حتى ولو كان ذلك على حساب الوحدة الوطنية. مخرجات لجنة الحوار الوطني المتواضعة هي الآن في العناية الفائقة، والإصلاحات الدستورية المتناقضة شلت الحياة السياسية في البلد، فلا نحن قادرون على حل البرلمان ولا نحن راغبون في بقائه. وبالتالي فان هذا البرلمان العجيب الغريب الذي خرج من رحم التزوير أصبح مناطا به الآن دسترة وقوننة الإصلاحات الدستورية والسياسية. حال عجيب غريب في الوقت الذي تتآمر فيه على الحكومة الحالية اجهزة مختلفة متطاحنة فيما بينها بهدف اضافة مزيد من التشتت والفوضى السياسية الداخلية وإلقاء اللوم في كل ذلك على الحركة الاصلاحية. إن التلاعب بمقدرات الوطن سوف تؤدي إلى كارثة خصوصا إذا ما نجح النظام تحييد أو وقف الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح، مما يستدعي ضرورة العمل على اعادة النشاط والفعالية إلى الحراك الشعبي الأردني، ووضع الشواخص التي تهدف إلى اعادة الأمور إلى مسارها الصحيح وإغلاق كافه التحويلات التي وضعها النظام في طريق الإصلاح بهدف تحويل الحراك الشعبي عن مساره الصحيح وزجه في قضايا ومشاكل مفتعله تحوله إلى طرف في نزاعات داخلية مختلفة ومختلقة.

النظام اختار ان يقرأ من كل رسائل النصح والإرشاد التي ترده من قيادات شعبية وحزبية ونقابية ومسؤولين ورؤساء حكومات سابقين الجمل والكلمات التي ترضيه حتى لو دفع به ذلك الى الخروج عن النص وهو بذلك اختار ان يقع في قبضة المجهول ناسياً أو متناسياً اننا جميعاً من التراب والى التراب نعود.’ كاتب واستاذ جامعي اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية