البحث عن القاميش

كان الجو مثقلا بالأتربة في ذلك الشهر الذي يأتي من دون اسم ولا وقت. إذ يحضر فإن السكون يتحرك. تصعد البوادي الى السماء، تنشأ منها خيوط المطر، ليست خيوطا بل زوابع متأهبة تنظر الى الشوارع الخالية ومراكز منتصف المدينة التي لم تعد تدور إلا لتذهب هباء وضياعا..
– أيها الرجل الطيب، هل تدلني إلى المدينة، أين هو مكانها؟
– هل ترى أيها الشاب ذاك الجبل الكبير..(ينحني نحوه ويضع يده على كتفه ويزم عينيه. يشير باصبع واحدة نحو البعيد متابعا) نعم نعم، هل تراها إن كان مكانها عند السفح. ثم المدينة آه أيتها المدينة! يدمدم بلغة التراسل والخبو اللاواعي الذي لا يترك رأسه يهدأ، يدمدم بخفة في أعماق نفسه قائلا لذكرى بعيدة أن تعود وتحضر، قائلا بحب وضعف في باطنه عنفوان وقوة، يدمدم قائلا: أمينة أمينة! ثم يستيقظ من الحلم ويقول للشاب بصوت جهوري:
أيام الشتاء، بصوت جهوري: وي، كنا نصطاد العصافير، الكبيرة، الزرازير، إذ تحط على هضبة الثلج ناحيتنا نسقط عليها المناخل والآنيات. يذكرني ذاك، من دون أي رابط به، بسفر برلك، يذكرني بالأغاني وبحلقات الصبايا والشباب، على صوت الطبل والمزمار- تنبعث رائحة الكلونيا، الرخيصة المثارة بفعل ضربات الكهرباء، كعب «الكتشي»، الهواء على الأرض فيها خصوبة، تبغ مشبع، وهواء، بهدو مصاب بلوثة.
طيب، لقد عرفت أين مكانها، أيها الناعس، شكرا.
لكن، أيها الشاب، لا يظهر ذلك المكان وأنت تحث نحوه الخطى إلا ليختفي ويتبدا، كما لو أنه سراب وماء بعيدة… كما لو أنه حبيبة!
سوف انتبه الى هذا– قربانك- شكرا مرة أخرى.
تلف فوق رأسها عمامة، كانت تتخفى بمظهر شاب يسأل، إلا أنها ليست سوى امرأة متنكرة، عزيزة وقد أذلها الزمن، تقف في وجه المدينة التي بدأت الآن بالهبوط، نحو الأزل، في أعماقها، وتردد في كل خطوة أين هي.
مرت من جانبها سيارة مسرعة، حمراء، سميرة، عالية، بحيث لا تلتقط عيناها الواسعتان المسافرين فيها، مسرعة ترفع يدها: تمهلي أيتها المسافرة أنتِ فأنا أيضا أريد المدينة.
ضحكت قهقهـةً مسروقة، كأنها: وي.. وركي أين إنتي بشأن الله، أي مكان وأي مدينة تقصدي!
تتردد الأغاني: ضلالي ضلالي.. رموش عينيك الحلوين…. سهوب برية ومجرى نهر رأس العين. للذكرى. تدمدم هذه الأشياء في رأسها، الأحرف تتخالط ويذهب قلبها حتى أنها لا تعرف كيف تداري اللوعة والحزن الكامد الذي جعلها تقطع الفيافي من أجل كلمة أو من أجل وصول أو من أجل رؤية وجه.
كنا نقطع هذه البوادي، يقول، بثلاثة أيام، لكن كما ترى أيها الشاب، بالطرومبيل مايلزم – زْيْ – قد – ساعة وْيْ أو ساعتين بالمقدار ونصل.
تبعها الرجل، فهو أيضا يريد أي مكان، أي مكان يضع فيه رحاله.
قالت له: أراك ورائي لماذا؟
والله قربان هالوجه الحلو، الله ماخلق هيكي شب بعيون كحيلة….ثم حين تمعن في الوجه، تمعن فيه، تذكر ما تذكر، فجعلته الذكرى يجلس أرضه مرددا بشهقات: أنا قلت سأعود سأعود لكن مافي صبر، لم تصبر، أحرقت العود وجعلت منه شهابا لكل متطفل.
ماكان اسمها:
أمينة، واخ واخ،
يترنح مثل عربة مضى على خشبها ثمانون عاما – وهي تبتسم نحوه ولا تكاد تسخر منه – عجلاتها ناحية زريبة، عربة تبن مثقل بماء الرشح وتفوح منه رائحة قديمة لبيوت مهجورة.
لقد تحسست هذا الأسم، أمينة! هل كان اسمها أمينة. لكن لم تسأله، شدت الخمرة حول رأسها وكأن ما أصابها دوار سفن ترفع أمواجها عاليا: إذ قصتك أيها الرجل هي قصتي. أنا أيضا مهزوز مثلك.
هل كنت تحب مثلي أيها الشاب؟! يتابع قائلا ولا ينتظر إجابة منه، يقول: بالتلاق بالتلاتة ماكان حدا يحب متلي، بس بالنهاية … وَايْ..هي ماكانت…
لماذا تحلف بالطلاق إن لم تتزوجها؟!
أجاب من دون أن ينتبه الى محتوى السؤال ومن أين لها أن تعرف:
أقصد بالطلاق طلاق حبنا، الحب الذي لا يتزوج، لأن الزواج يفسده.
اتركني أمشي نحو النهاية إذن، كما قلت لك، أبحث عن مكان وقد دللتني عليه وهو ليبدو هناك. رميتا حجر!
حين شعرت بأنها وحيدة، وليس أحد حولها ولا من يراقبها، نزعت عنها العمامة والتخفي تحت وجه رجل، تركت شعرها أن يسرح خطوة تتبع خطوة، يطير بلمسات البنان، فيتناثر مثل شجر مابعد العصر، بعد الآذان الرومانسي الذي يأخذ المرء حين يسمعه مائة عام الى الوراء بل أجيال مؤلفة، حين الخريف، لأن القلب لم يعد – هكذا تقول- ينبض وقد جفت مآقي العيون.
نظرت من خلال زوايا الضوء المتغلغلة الخافتة الخارجة من ظلمة بئر، بئر الزمن، وطحالب عشب تطفو تحت قدميها أن تتعالق في محنتها أو أن تدلها على الطريق لا أن تمعنها في الشرك، أين هي إذن حين يداهمها الليل تنتقل الخطى نحو هناك والخيال لن يتركها تذوب أمام عينيها لأن المدينة مدينتها وهي رمية حجر عنها، وتحت الجبل الغامر القديم.
تبعها الرجل، فبهت حين رأى الريح والهيام وغيمة فوقها، جلس أرضه لا يبكي بل عينان مفتوحتان على وسعهما لا يصدق (الما هي) ويرتعش من الخشية التي أصابته. يسأل بصوت عال يرتعد من أنتِ وماذا وأي مدينة تريدين؟
كانت القاميش.
حين سمع ذلك الأسم جرى دمعه، بعد أن هدأ واطمأن، جرى دمعه، أمينة واخ واخ، أمينتي واخ. ينوح معه غراب في الأفق البعيد عند السهول لامتدادها غير المنقطع التي في تلك البراري يجعل تتبعها، المدينة، سهل كما الماء. كل مرة، يحط الغراب فوق جدر عالية معزولة.
اقتربت منه تمسه بأصابع ضوئية، أحيانا لا وجود لها، تتفرق وتخبو، ثم تعود قوية محسوسة على صفحة وجهه تسري ذكريات أمينة وهو يشهق قائلا: هي وي القاميش كانت ..هي وي إنت…. ثم لا تستطيع أن تفقه حرفا آخر مما يقوله لأنه يغيب كعادته يتكلم بالسريانية والآشورية واللغات القديمة التي سجنتها الأعماق في كهف المجهول.
عليها أن تتركه كما كل مرة. تلك الفيافي الليلية التي تغطيها غيوم المطر، يظهر فيها من وقت إلى آخر قمر راحل في سيارة حمراء مسرعا كي يصل. تسمع نواحه من بعيد. الصدى يضرب الجبل ويعود أدراجه الى أعمدة المدينة، يسقط ويسيل.
وهي كأنها تصل.

٭ نبتة القاميش، نسبة إليها سميت مدينة القامشلي السورية.

حسين سليمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية