البحث عن مسار جديد في السباق الى الديمقراطية

حجم الخط
0

الكوزموبولتانية نظرية رجعية تدعو إلى نبذ المشاعر الوطنية والثقافة الوطنية والتراث الوطني باسم وحدة الجنس البشري، وتعكس الكوزمو بولتانية طموح المستعمرين خلال الحقب الثلاث الاستعمار المباشر (الكولونالية ) والاستعمار غير المباشر (الامبريالية) والشراكة الديمقراطية أو الامبريالية الجديدة التي نعيشها الآن كآخر مراحل الرأسمالية الاحتكارية العابرة للقارات..
لقد ادت الكوزموبولتانية تحت شعارات الشيوعية الدولية ‘يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة أتحدوا’ إلى هيمنة الاتحاد السوفييتي السابق على نصف دول العالم، وكانت أكثر مسخاً للدول التي كانت تدور في فلك ما يعرف بحلف وارسو.. المانيا الشرقية وبولندا والمجر ورومانيا وتشيكو سلفاكيا ويوغسلافيا.. طُمست هوية هذه الشعوب الوطنية وشرد مفكروها ومثقفوها ونهب تراثها.. وأغرقت في الفقر.. ولكن عندما انهار جدار برلين وذهبت السكرة وجاءت الفكرة، استعادت هذه الدول سيادتها وخصوصيتها وحدودها الجغرافية.. بعضها نهض بسرعة الصاروخ وتمكن من تأهيل نفسه وشعبه بمقاييس أوروبا الجديدة، ودخل نادي الكبار في الاتحاد الأوروبي، بينما البعض الآخر لم يصمد وخرجت النزاعات القائمة على الهويات الصغرى التي لم تفلح الشيوعية الدولية في إزالتها.. بعضها أعاد لحمة الوطن والبعض تفككك.. كأعراض لنهاية هذه الكوزموبولتانية والوطنية العالمية الزائفة..
أما في منطقة الشرق الأوسط الذي استورد منها نموذج الدولة المركزية المهيمنة، مصر والدويلات التي تدور في فلكها، تماما كما هو حال حلف وارسو. جاءت الشعارات القومية العروبية عبر أبواق إذاعة صوت العرب في 1953 لتلغي الحدود الجغرافية للدول العربية والخصوصية لكل دولة عربية، بل سعت لإسقاط الأنظمة الملكية التقليدية بالقوة وسببت الآلام وتشريد الشعوب وانتشار الانقلابات من المحيط إلى الخليج، وتكرست ثقافة الزعيم والقائد الضرورة ودولة (المشروع ) والحروب العبثية والنزوح.. حتى ذبلت هذه الشعارات القومية بشقيها البعثي والناصري مع تقادم الزمن، وخفت بريقها لتعود نفس هذه الايديولوجيات العابرة للحدود في إطار ديني اسلاموي عبر تنظيم ‘القاعدة’ من ناحية، والاخوان المسلمين من ناحية أخرى وبأحلام طوباوية بعودة الخلافة وعودة عقارب الزمن إلى الوراء إلى المركز القديم، وهيمنة تركيا على الوطن العربي والاستعمار الإقطاعي المجرب وبإعادة تدوير مشروع الإخوان المسلمين في ما يعرف بالربيع العربي. وعادت الحروب المميتة والنزوح والمعاناة.. وبرزت النزاعات القائمة على الهويات الصغرى في الدولة القطرية.. والصراعات المذهبية التاريخية التي تهدد الحدود الجغرافية المقدسة للدولة القطرية، كلا على حدة.. وضعفت المشاعر الوطنية وبثت الكراهية بين أبناء الوطن الواحد..
هذه هي الكوزموبولتانية بوجــــوهها المتعـــــددة أو ما نسمــيه مجازاً بطــــموحات زهــــرة عباد الشمس.. تشرئب في غرور فريد لتعانق الشمس، فتفارق جذورها المياه.. وتذبل وتموت وتتـــيبس وتتفتت.
حتى نتفادى هذا المصير المشؤوم.. على كل دولة عربية أن ترفع هذا القيد عن عنقها الممتد لستة عقود وتبحث عن مسار جديد في سباق المسافات الطويلة إلى الديمقراطية، تعبر فقط عن خصوصيتها الثقافية والتراثية والتاريخية، سواء كانت ملكية أو جمهورية ليس المهم (نوع) النظام، بل المهم (طبيعة) النظام.. وان تقوم أسس الوحدة بين الدول في التنوع والمصالح الاقتصادية، كما هي تجربة الاتحاد الأوروبي 1990 بوضع صورة قياسية، تسعى لها كل الدول وفقا لظروفها الموضوعية من دون استنساخ مخل لتجارب الآخرين أو هيمنة المركز على الهامش ونموذج جامعة الدول العربية الفاشل من 1946.. وكما يقول أخواننا المصريين (ما فيش حد أحسن من حد)..
انظروا إلى الامارات العربية اليوم مقارنة بليبيا.. والسعودية مقارنة بالعراق وكلها دول نفطية.. مع العلم إننا نعيش اليوم في عصر العلم والمعلومات. وان الاستقرار وديمومة السلام لا تعتمد على النفط ولا الأجهزة الأمنية.. بل (الديمقراطية التوافقية) بكل اكسسواراتها المعاصرة من فصل بين السلطات وتداول سلمي للسلطة ودولة مدنية لامركزية حقيقية خالية من النزاعات على الهويات الصغرى الناجمة عن التهميش.. بسبب الملة أو العرق أو المذهب… أو النظام المركزي السقيم.. والحديث ذو شجون…

‘ كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية