مسافر إلى أمريكا للمرة الثانية، المرة الأولى كانت قبل 33 عاماً، بالتمام والكمال، حيث ذهبت في حزيران وعدت في أيلول، وفي المرتين كان السفر إلى هناك من أجل فلسطين.
في الزيارة الأولى كان الهدف إقامة أمسيات شعرية وغنائية لصالح الانتفاضة الأولى، شملت الجولة 25 مدينة، وكانت نتائجها رائعة. «فرقة بلدنا» التي كتبت لها معظم أغنياتها، غنّت وقرأت الشعر.
تجربة غير عادية، كانت منظَّمة بشكل يدعو للإعجاب فعلاً، وكان هدفها عنصراً أساساً في تفهّم كل ما تعلق بتلك الجولة، مثل النوم في بيوت متعددة لأصدقاء أو متطوعين، لتخفيض النفقات من أجل عائد أفضل للرّحلة. ربما نمنا مرة أو اثنتين في فنادق، وكان السبب وجود من تبرع لذلك، أو لأن مؤتمراً استضافنا لتقديم نشاط ضمن برنامجه، وكان النشاط أصلاً في فندق.
ستبقى تلك الرحلة أطول رحلة قمت بها إلى أي مكان، وأوسع رحلة رأيت فيها هذا العدد الكبير من المدن، ومشيت في شوارعها، وتعرفت إلى كثير من ناسها.
أكثر ما يلفت النظر في ذلك السفر اللقاء بفلسطينيين هاجروا منذ زمن طويل إلى هناك، بسبب التهجير، أو بسبب العمل؛ يدهشك أن لهجات قراهم ومدنهم لم تتغير قط، ولا أبالغ إذا قلت إنك إذا أردت معرفة لهجة فلسطينية ما، لقرية ما، بعيداً عما طرأ على اللهجات من تحولات وإضافات، فإن عليك الذهاب إلى هناك لمعرفة اللهجة بجذورها وغصونها وظلالها.
قبل السفر، كنت اتخذت قراراً يمكن القول إنه متسرع جداً، ومبني على موقف مسبق تجاه كل ما سمعت عنه ولم أره وأعشْه، وأول تلك القرارات أنني لن أكتب قصيدة أو قصائد عن نيويورك، بشكل خاص، لا لشيء إلا لأنه خُيِّل إليّ أن كل الشعراء الذين ذهبوا إليها كتبوا قصائد عنها:
لوركا كتب عن نيويورك، سعدي يوسف، أدونيس، محمود درويش، راشد حسين، عبد الوهاب البياتي، سنغور، وأظن أن «ديوان نيويورك» لو جُمِعَ لملأ عدة مجلدات.
يمكنني القول، بقليل من التهكّم، أنني صمدت أمام صدمة نيويورك، أو عاصفة نيويورك، إلى درجة بت معها معتقداً أنني انتصرت.
في الثاني من آب 1991 كنا في مدينة «أورانج كاونتي» نتابع أخبار احتلال العراق للكويت، وكم بدت الأمور في تلك الفترة متداخلة ومربكة ومخيفة في آن مع بداية توجه القوات الأمريكية إلى هناك.
حين عدت إلى عمان، تاركاً الفرقة تكمل جولتها، كنت على موقفي: لن أكتب عن نيويورك، ونجحت شهوراً، إلى أن وجدتني ذات يوم أغادر سريري في الرابعة صباحاً، وأمضي إلى مكتبي، وأكتب قصيدة «فضيحة الثعلب» وأواصل الكتابة حتى الساعة الواحدة ظهراً، دون توقف.
لم يسبق لي أن فعلت ذلك، لا قبل تلك الكتابة التي ولِدت قبل مطلع الفجر واستمرت حتى الظهيرة، ولا بعد ذلك، أيّ حتى اليوم. كتبتها كما لو أنني أحفظها غيباً، بعد ذلك ذهبت إلى سريري ونمت حتى السادسة مساء، وحين نهضت وجدت أنني كتبت قصيدة طويلة من ألف بيت، ولم يطل الوقت حتى عثرت على عنوان لها.
سأبقى دائماً دهشاً أمام تلك الحالة، إذ لم يسبق أيضاً أن كتبت طوال حياتي شعراً بهذا الكم في جلسة واحدة.
لا يعرف الإنسان كم رأى وأحسّ وعاش إلا عندما يكتب، ربما، وقد فوجئت بحجم ذلك المخزون الذي كان داخلي، وفوجئت أنه ألحق بي هزيمة أحببتها، حين تدفّق بكل تلك القوة.
أظن أن الكتابة من أفضل الوسائل التي يمكن أن يعرف بها المرء نفسه.
لقد قدمتْني قصيدتي لنفسي حين هدمت الجدار الذي بيني وبينها فوجدتني في ذاتي، ولا أقول أمام ذاتي. لم أكن أختلف عن إنسان كبح جماح ذاكرته ومشاعره وأوصد عليها، وفي لحظة ما هدمت السدّ.
وحسناً أن القصيدة كتبت بتلك الطريقة، أي حين يكتبها الشاعر رغماً عنه، حيث تبدو القصيدة وكأنها السيدة بعيداً عن كل حساباته، وحين يكون هناك بكامل قلبه، فغالباً ما ردَّدتُ: اكتب بربع قلبك، يقرؤك القارئ بربع قلبك، بنصفه يقرؤك بنصف قلبه، بكله يقرؤك بكل قلبه.
ستظل تلك التجربة واحدة من التجارب المُعَلِّمة في طريقة كتابتها، أما القرار الذي سبقها فأظنه قد علمني شيئاً مهماً: اذهب وعش التجربة، ثم اترك أمر الكتابة لقلبك وروحك، فأن تعيش الحياة هذا هو الأساس.
حين التقيتُ أدونيس في عمّان، كنتُ قد أرسلت له القصيدة قبل ذلك للنشر في مجلة «مواقف»، لذا وجدت نفسي أقول له معتذراً «أرسلتها إليك، مع أنني أظن أنها طويلة جداً لتنشر في المجلة».
فقال لي مازحاً: «لقد تأخرت في قول هذا، فالقصيدة احتلت عشرين صفحة من العدد الذي بات الآن في المطبعة»، وحدثني كم أحبها، وهي مناسبة للقول إنني أكبرت في صاحب «قبر من أجل نيويورك» إعلانه كل ذلك الحبّ بشفافية، نادراً ما تكرّرت.
لم يطل الوقت، حتى وجدت نفسي أكتب ما لم أكتبه في تلك القصيدة، فكتبت تكملتها، ربما، قصيدة «زيتون مؤجل» وقد صدرتا في كتاب واحد هو «فضيحة الثعلب»، ونشرتا مترجمتين إلى الإنجليزية كاملتين أيضاً، واستقبلتا بحفاوة يعتز بها المرء، ربما لأنهما ولدتا رغماً عنه حينما كتبت الواحدة منهما نفسها بنفسها.
لا يستطيع المرء أن يذهب إلى مكان محصِّناً قلبه في وجه الحب، أو الجمال، أو الحزن، أو البؤس. من يفعل ذلك يبدو لي أنه محصِّن نفسه ضد نفسه.
الآن، بعد مرور كل ذلك الزمن، أقول: حسناً أن روحي انتصرت عليّ، فلولاها لما كتبت القصيدتين اللتين أراهما من أقرب القصائد إلى قلبي.
وبعــد:
سأكون في نيويورك حين ينشر هذا المقال، بعد 33 عاماً من الزيارة الأولى، للمشاركة في مؤتمر «فلسطين تكتب» الذي يعقد في فيلادلفيا، لأتحدث عن تجربتي في الكتابة وتجربتي مع الكتابة والتاريخ والذاكرة، ولأتحدث في لقاء في جامعة كولومبيا عن كل هذا.
لا أعرف إن كنت سأكتب شيئاً بعد هذه الرحلة، لكنها فرصة استثنائية لألتقي إبراهيم الذي ظلّ كثيرٌ منه هناك، أو ليلقاني، ولعلها فرصة لكي يسألني: هل ستكون قادراً الآن على رؤية حجم ما رأيته أنا قبل 33 عاماً؟ أو يسألني: هل ما زلت متمسكاً بذلك القرار المتسرّع الذي جئت محصناً به إلى هنا قبل ثلاثة عقود؟
ولن أتردد في الاعتراف..