بغداد ـ «القدس العربي» : لا ينفك الشاعر والناقد البحريني جعفر حسن عن المضي في مشاريعه المتواصلة، ليقدّم نفسه في كل مرة بشكل مغاير، إن كان شاعراً أم ناقداً. ففضلاً عن كونه شاعراً له لغته وأسلوبه الخاص، عرف كناقد مميز قدم أعمالاً عن الشعر والسرد ونقد النقد، مبيناً أنه يتناول النص الذي يستفزه وينفث في روحه حمم الأسئلة التي تكون دافعا نحو ملاغاة النص، ويشير إلى أنه يذهب أكثر نحو الشعر، بسبب علاقته الحميمة معه، لكنه مع هذا اهتم بدراسة السرد، والرواية على وجه الخصوص، مؤكداً أن السرد يتعرض للتهميش وهو أساسا في حالة من الندرة إذا ما قورن ووزن بميزان الحضور الثقافي على المشهد المحلي والعربي.
عن المفاهيم النقدية والتحولات التي طرأت على الأدب العرب، كان لنا معه هذا الحوار:
* تختلف توجهات النقاد في اختيار المناهج التي يشتغلون عليها، والنماذج التي تكون موضوع دراستهم، أي الأجناس الأدبية أقرب إلى أسلوبك في النقد؟ وهل هناك أسباب تجعلك تختار نصاً لتكتب عنه دون آخر؟
– يبدو للمتأمل في حالة النقد الأدبي أن هناك محاولات من أجل تأصيل بعض المناهج في النقد الأدبي لدينا وفي الأغلب يكون ذلك مبرراً كافياً لتلك الدراسات، ولذا يلتزم بعض النقاد بمنهجية صارمة يصعب معها الالتزام بالحيادية تجاه النص، ذلك أن النص بذاته يعكس رؤية للحياة مغايرة عن المواقف المعتادة، بينما تكون الصرامة المنهجية تدعي عدم الآيديولوجية، مع معرفتنا أن تلك المناهج قد أبدعها مشتغلون في الفلسفة، وهل الفلسفة بريئة من الآيدولوجيا؟ ومن الممكن أن يكون في تطبيق تلك المناهج نوع من التعسف والجمود والتعقد يؤدي بها إلى القطيعة مع المتلقي، بينما تقوم كثير من الدراسات النقدية الأكاديمية على تبني منهجية صارمة تقودها النزعة التحيدية في الدراسات الأكاديمية، وهذه النزعة التحيدية لا تنتج دراسات يعتد بها، ولذا نرى قلة تأثير خريجي الجامعات الأدبية على مجمل الصورة النقدية، إلا أن ندرة منهم من يصبح ناقداً له تأثير في الاتجاه العام للدراسات النقدية.
تبدو سلطة المنهج مثل الصحراء، بينما تقف النصوص مثل الغيلان التي لا تشبه إلا نفسها، ولكنها تشترك في ذلك الإغواء الذي ينصب فخاخ الجميل ليقع فيها المتلقي بمستوياته المختلفة بما فيها الناقد في بعض الأحيان. لا يمكن للناقد إلا أن يتسلح بمعرفة فلسفية عميقة، واضطلاع واسع على المناهج المختلفة والمدارس المتعددة. قد يروق لي أن أدخل إلى النص عاريا مما يحمله المنهج من منطقية، ذلك أني استحم في سرمد النص أتحسس سلطته على روحي وأحاول أن أتساءل عن تلك المنابع الخفية التي ينطلق منها هذا الجمال الذي يملأ فضاء روحي، أتناول ذلك النص الذي يستفزني وينفث في روحي حمم الأسئلة التي تكون دافعا نحو ملاغاة النص، ولعلي اذهب أكثر نحو الشعر، ذلك أن لي علاقة حميمة قديمة به، ولكن مع نمو التجربة حاولت أن أجيب على سؤال ما النقد وهو اشتغالي الحالي، فرأيت أن النقد فعل حياة، يتمدد في كافة الاتجاهات ولا يكتفي أبداً بالأدب، بل يتمدد نحو الثقافة بعامة مع تخصصه في المنتج الأدبي.
أنحاز أكثر نحو النص الجديد، كل نص لا يطرح نفسه على أنه ارتياد له خصوصية ويخضع لقوانينه الجمالية باعتباره متفرداً عن غيره من النصوص قد لا يعنيني كثيراً، انحاز نحو المستقبل، أتحسس كثيراً من الجمل الجاهزة والمكرورة والمستعادة من أفق التاريخ بدون وعي يوظفها من اجل المستقبل، كنت أتحزب للشعر، ولكني بت أذهب نحو السرد أيضاً، وأعتقد أن قصيدة النثر اتجاه يحوز على كم معقول من إنتاج الشعرية العربية، وبات يكسب أرضاً في سياقات الصراعات المنعكس من التمسك بالماضي ورفض المغاير والمختلف حتى من أنصار قصيدة التفعيلة، ولعل المعارك لم تهدأ على الرغم من ذهابنا منذ أكثر من نصف قرن في تأكيد قصيدة النثر، ولعل قصيدة النثر ساهمت في الشعرية بما أوجدت من تراكيب جديدة في الجملة العربية وأثريت بتغايرها ورفضها للنمذجة، فأخذت بالتنوع الفائق في الشكل المفتوح على تجارب معاصرة متعددة (محلية وأجنبية) مما أتاح لها طاقة الاستجابة لتسارع الحياة المعاصرة وانضغاطها وباتت تتناسب مع وسائل الاتصال الحديثة (الانترنت، توتير، الفيسبوك)، ومن الممكن أن يكون هذا التماهي مع العصر الراهن هو ما جعل شعريتها تتمدد في اتجاهات متشعبة منها ما هو في السرد، كما تعبر عنه شعرية الرواية والقصة القصيرة جدا أو كما يظهر في الشعرية الطارئة في عموم الحياة، ويبدو لي على الأغلب أن قصيدة النثر تستشرف حافة المستقبل الذي لا يتوقف عن كونه فتياً.
* تداخلت في مناهج ما بعد الحداثة الفنون والآداب، وانهارت الحدود بين الأنواع والأجناس الإبداعية عموماً، إلى أي مدى تمكنت الحداثة العربية من الاشتغال على هذا التداخل واستلهام روحنا الخاصة لبناء النص الجديد؟
* يبدو لي أن كل الفنون؛ ومنها الأدب، يقوم في بنيته الداخلية العميقة على مجموعة من التقاليد الفنية والأدبية بينما يتجاور ويتحاور مع الفنون الأخرى، تلك التقاليد تقع باستمرار في تناقض بين ما ينتجه المجموع وما ينتجه الفرد باعتباره كذلك. إن ذلك التناقض هو الذي يقوم في مستوياته الأعمق بين الذات والموضوع، بين وعي الضرورة والتفلت في أفق الصدفة الثاوية في الممكن الذي لا يمسك به الوعي باعتباره احتمالاً مفتوحاً ومتشجراً ليلغي كل احتمال يتحقق شجرة الاحتمالات القائمة باعتبارها ممكناً غير متحقق وليفتح في ذات الوقت إمكانيات هائلة لتشجر الممكن أمامه.
وكما يقول البعض أن الإبداع «مشروط ومنسوب، ولكن شرطه ونسبته لا تلغي ذاتيته المتميزة، كما أن ذاتيته المتميزة لا تلغي شرطه ونسبته» فالتناقض يقوم بين ما هو مستقر من الإيقاع وبناء الجملة والذائقة العامة وما هو ثاوٍ في القدرة على التغيير بما ينتج من فوضوية النظام وتنظيم الفوضى، الجملة القارة في اللغة والتصوير والتشبيه القائم في التقاليد الشعرية والممكن الغير مستنفذ في أفق التركيب والصورة الجديدة، بين لا فردانية الشعرية العربية وتمايز الذات الشاعرة التي تنتقم من لا فردانية الأدبية من خلال تأكيد وجودها الفردي عبر مسار وعي التاريخ.
ويبدو أن بعض كتاب النص الجديد ذهبوا في اتجاهات السرد والشعرية العربية نحو التجريب، ذلك أن حدود الشكل الأدبي عادة ما تكون غائمة وتمثل مشكلة للتنظير لذا نجد أن فكرة البنية المستقلة لا يمكن أن تكون حقيقية، إذ إنها مخترقة باستمرار من بنى أخرى وإلا كان مصيرها الانهيار، ولذلك رأى البعض إمكانية الذهاب نحو ذلك الأفق الرمادي الذي يتشكل فيه الأدب الجديد، ويبدو أن بعض التجارب التي ذهبت في القصة القصيرة جداً قد وقعت في الشعرية دون أن يكون ذلك مقصوداً، وقد شهدنا الكثير من التجارب التي دخل فيها عنصر التشكيل مع السرد أو الشعر، أو بالعكس دخول النصوص الحديثة والقديمة منها إلى عالم التشكيل، ولعل هناك إمكانية غير مكتشفة بكفاية لهذا التمازج بين الفنون، ولعل ذلك التمازج هو ما يخرج الفنون الجديدة.
* هناك من يرى أن النقد لم يعد آليات وتقنيات فحسب، بل يعدونه نصاً إبداعياً يضاف للنص الأصلي الذي يكتب عنه، ما مدى اقتراب النقد من الوجدان والعلاقات الحميمة بين النص وكاتبه؟
* أميل كثيرا لكون النقد الأدبي نصاً إبداعياً على الرغم من وجود تيار آخر في النقد يعتبر ذلك الأمر فائضاً عن الحاجة، ولا يقر للنص النقدي بإبداعيته. تبدو لي صورة العلاقة بين النص وكاتبه في سياق تطور النقد الأدبي متحققة عبر تلك الثلاثية التي حكمت النظر للنصوص الأدبية عبر تطور الممارسة النقدية (المبدع، المتلقي، النص)، فكان أن ركز النقاد على حياة المبدع لفهم النص، وهي ممارسة نقدية شائعة حتى اليوم لذلك ينظر إلى الأعمال الروائية على أنها سيرة ما لكاتبها، بينما ظل النقد فترة من الزمن يستهدف النص باعتباره بنية مستقلة إلى أن ذهب نحو التناص، ثم تحول النقد لفحص مسألة التلقي والتركيز على القارئ باعتباره العنصر الأهم مما قاد نحو موت المؤلف، ولعل تفطننا يشير إلى أن دور الناقد هو تجسير الفجوة بين النص الجديد والمتلقي عبر كشف جماليات النص وتطوير الأدوات التي يمكن بها تلمس جمالياتها الجديدة، خصوصاً مع الأدوار التدميرية التي تلعبها المناهج المدرسية للذائقة التي تحبسها في القديم، وكذلك تفعل بعض الاتجاهات الدراسية في الجامعات.
ويبدو لي أن ما سبق كان بالتركيز أكثر على الرواية باعتبارها ابنة المدنية الحديثة وارتباطها بنهوض البرجوازية في أوروبا، ولعل مسألة العلاقة بين المبدع وخصوصا الشاعر ونصه لا يمكن فصم عراها باعتبارات عديدة، إذ إن الشعرية العربية يظهر فيها صوت الذات جليا عبر (الأنا) وهي تتحول في أقاليم القصيدة وتتغاير عبر تقنية القناع مثلا، وربما تفقد الشعرية الكثير من القها عندما تكون غيرية فقط، إذ إن عملية الإبداع الشعري تقوم بالتعبير عن الذات التي بغوصها على ما هو إنساني تستطيع لمس جميع الذوات التي تتلقى النص.
* لم ينفكّ عدد من النقاد في البحث عن فكرة الثقافة وبنيتها، ساعين إلى إعادة إنتاج هذه الثقافة في ظل المفاهيم الجديدة التي تعرف بالنقد الثقافي والاجتماعي الجديد، وغيرها من المفاهيم، كيف يمكن إعادة قراءة الواقع الثقافي وإعادة إنتاج ثقافتنا الشعبية من خلال النتاج الإبداعي لكل بلد؟
* يبدو على الأغلب أن مسألة دور الناقد باعتباره مثقفاً عضوياً في المجتمع وكأنها تذهب في اتجاهين، أحدهما ينظر بعين التحقير المطلق للنقد، وهو ما يسود في الثقافة الراهنة بمستوى يخترق المجتمع رأسيا باعتبار أن النقد هو تبيان العيوب، بينما يذهب الاتجاه الآخر عبر نظرة تبجيلية للنقد، وهو امتداد أفقي عند شرائح المثقفين، ولعل النقد الموجه للدولة يعتبر نقدا هداما ويتهم بشتى الاتهامات القبيحة حتى العمالة للأجنبي.. الخ، بينما يرى النقد إلى أن الدولة هي منتج من منتجات الثقافة، يمكن للدولة أن تنحل وتزول وتتحول بينما تبقى الثقافة التي أنتجتها إذ إن الثقافة قادرة على إنتاج أشكال متعددة من الدولة، وكذلك الحال بالنسبة للقيم والعادات والتقاليد والتي عادة ما تكون في حراك دائم وتحول، لذلك قاد البعض مسألة النقد الثقافي. ويبدو أن تلك النظرة التبجيلية للنقد تعمى عن رؤية أولئك النقاد الذين ينشرون أفكاراً ضدَّاً على التحديث والتقدم مثلهم مثل بعض السياسيين الذين يرون خلاص المجتمع قائم على مد أيديهم إلى أشد النماذج سوء في التاريخ العربي الإسلامي ومحاولة تطبيقه بأشد آلات البطش ولكن دون حيازة رؤية لإدارة الدولة وإيجاد التنمية الشاملة… الخ.
* أغلب المناهج الأدبية التي ظهرت في أميركا وأوروبا كانت نتيجة للصراعات الآيديولوجية والثقافية التي تعيشها مجتمعاتهم، لكن هذا الأمر لم يحدث معنا، بل نعيد إنتاج ما أنتجه نقادهم فحسب.. كيف يمكن أن نبني مفاهيمنا الخاصة التي تخرج من بنية مجتمعاتنا؟ وهل يمكن أن تنتج الفوضى التي نعيشها نظريات قارَّة؟
* نعم من يظن أن المناهج والنظريات الأدبية معلقة في الهواء فهو يجانب ما حدث فعلا فالصراعات بين الفلاسفة والعلماء أنتجت مناهج متعددة ولكنها آيديولوجية، ويبدو أن نقل تلك المناهج إلى لغتنا ساهمت في كثير من الأحيان بصبغها بالايدولوجيا السائدة سواء بوعي أو بدون، قلة هي الدراسات التي نقلت المنتج الثقافي الغربي وتتبنى نظرة معارضة للسائد في مجتمعاتنا، ويبدو أن تُخلق نظرية للأدب ربما لم تنضج ظروفها الموضوعية بعد، فما زلنا في مرحلة يمكن تشبيهها بإنتاج الجرح لأسوأ ما فيه، وحتى يطهر هذا الجرح ويعاد صياغة الإنسان ضمن مجتمع قابل للتعدد في مقابل الهويات الضيقة (الطائفية، العرقية، القبلية، المناطقية.. الخ)، من ثم يمكن أن تتحقق بعض الشروط التي تتيح حرية التفكير في مسألة النظرية. إن ما أنتج في داخل ثقافتنا حتى اللحظة الراهنة يعطي تباشير أولية كسرتها موجات التطرف التي باتت تهدد باجتياح الكائن ووجوده لمجرد لونه أو طائفته أو عرقه أو منطقته فما بالك بقيمه وأفكاره، على الرغم من أن الدبابات لا تبيد الأفكار، ولا تستطيع الطائرات ولا الجيوش أن تبيد قصيدة واحدة من وجدان الأمة، ولكن حيوية إنسان الثقافة تتعرض لهزة عنيفة قسرية.
* عنيت الثقافة العربية بموضوعة الجوائز، وبرزت أسماء يرى بعض النقاد أنها لا تستحق القيمة التي حصلت عليها.. ما مدى تأثير الجوائز الحالية على تاريخ الثقافة العربية؟ وهل يمكن أن تؤسس هذه الجوائز لثقافة رصينة يمكن أن تغير من بنية ثقافتنا العربية؟
* عادة ما يكتب النقاد عن المشهور من المبدعين إما إعجاباً أو تسلقاً وتملقاً، فالكتابة عن المغمور يحارب ضمن الصراع على النفوذ والمصالح ضمن دائرة الأصدقاء والأتباع في بعض الأحيان، وهذا يؤدي إلى احتكار للمواسم الثقافية والجوائز العينية والنقدية المتنوعة التي تقدم فيها، وقد باتت تلك الجوائر تعطى على سبيل تأكيد الهوية القطرية الضيقة، وهي تشبه إلى حد ما الجامعات التي باتت تخرج علينا كالفطر دون أن يكون لها معنى حقيقي منتج في الثقافة والعلوم.
وعند التدقيق سنجد أن تلك الجوائز تعطى في أحيان كثيرة للمشهور من المبدعين، وبذلك نجد أن دور الجائزة ينحصر في زيادة شهرة المبدع وتكرسه، ويبدو أن تصور إعطاء الجائزة لمن هو غير مشهور مستبعدة في ثقافتنا الراهنة أو هي ممارسة هامشية، ولعل سببا يكمن وراء حقيقة تعبر عن نفسها بغياب التنمية البشرية الحقيقية.
ويبدو من جانب آخر أن الجوائز المجزية ضرورية لكون كثير من المبدعين لا يستطيعون العيش على ما تنتجه أقلامهم، وذلك لعدم قدرتهم على إدارة الصراع مع كل من يعنيهم إنتاج الكتاب وتسويقه، بما في ذلك الجهات التي تضمن حقوق النشر في الدولة والتي نجد أن عندنا قوانين لامعة ولكن لا يوجد جهاز تنفيذي لمتابعة تطبيقها، فدولنا مشغولة بتلميع الرموز السياسية وجب ما دونها. إن الاشتغال على تلك الجوائز بعدل قادر على دفع عجلة الإبداع. إن جائزة البوكر العربية دفعت بمجموعة من الروايات التي تستحق الاحترام، بينما تجاوزت جوائز أخرى كثيرة أصوات جديدة لمجرد أنها ذهبت نحو الخط الأحمر لنبش تاريخ المنطقة الذي يراد له الجب، بالرغم من مشاركة نقاد محترمين، وهم ذاتهم من مارس هذا الجب.
صفاء ذياب