البحرين تكرر التجربة الانتخابية ما بين مشارك ومقاطع

حجم الخط
0

البحرين تكرر التجربة الانتخابية ما بين مشارك ومقاطع

د. سعيد الشهابيالبحرين تكرر التجربة الانتخابية ما بين مشارك ومقاطعالمظاهر المهرجانية التي تسعي الحكومة البحرينية لاضفائها علي الانتخابات المزمعة هذا الاسبوع لانتخاب نصف اعضاء مجلس الشوري توحي للكثيرين باستقرار الاوضاع السياسية والامنية، غير ان القراءة الفاحصة للوضع في عمومه، سواء من خلال استنطاق الرموز المعارضة ام متابعة ما يكتب في المنتديات الالكترونية الخارجة عن سلطة الحكومة، تؤكد شعورا عاما بالاحباط الذي يصل في بضع الحالات الي اليأس من قدرة الحكم علي توفير مسلتزمات الممارسة الديمقراطية خصوصا في مجال حرية التعبير، او الشراكة السياسية. وقد أثبتت تجربة السنوات الاربع الماضية من العمل ضمن أجهزة الحكم، ومنها مجلس الشوري (نصف المنتخب) عددا من الحقائق:أولها: ان التشريع من اختصاص الحاكم واجهزته، وليس اعضاء ذلك المجلس، اذ لم يصدروا تشريعا واحدا خارج ما تريده العائلة الحاكمة، ولم يستطيعوا اجهاض قانون واحد طرحته امامهم.ثانيها: ان السلطة سهلت ممارسة الفساد والوساطة والمحسوبية، ولم تسمح بحكم القانون.ثالثها: ان القضاء استمر مرتبطا بالعائلة الحاكمة يصدر احكام السجن بحق المعارضين بقرارات من البلاط الملكي، ويرفض النظر في القضايا المشروعة التي يرفعها المواطنون ومنها المرتبطة بمرتكبي جرائم التعذيب.رابعها: ان الوضع السياسي واجواء الحرية تراجعت كثيرا في الفترة الماضية، اذ فرضت السلطة قوانين عديدة لا تنسجم مع قيم الحرية والديمقراطية، أهمها قانون الجمعيات الذي يلزم مؤسسات المجتمع المدني باقرار دستور 2002 الذي فرض علي البلاد بدون ان يكون للشعب دور في صياغته او اقراره عبر استفتاء حر، وقانون التجمعات الذي يصادر حرية التجمع والاحتجاج، وقانون الارهاب الذي يحكم بالاعدام من يعارض دستور 2002، اذ نصت المادة السادسة منه علي ما يلي: يعاقب بالإعدام كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار، علي خلاف أحكام القانون، جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة أو فرعا لإحداها، أو تولي زعامة أو قيادة فيها، يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلي تعطيل أحكام الدستور أو القوانين .خامسها: ان عددا من أعضاء مجلس الشوري (نصف المنتخب) اعترف بان المجلس لم يصدر تشريعا واحدا بشكل مستقل عن ارادة الحكم. التطورات السلبية في الايام القليلة الماضية جاءت لتضفي المزيد من الوجوم علي الوضع العام. فقد بدأت السجون تستقبل المعارضين مجددا، وازدادت أعداد قوات الشغب في العاصمة خصوصا عندما يعلن عن مسيرة احتجاجية او اعتصام مطلبي. وجاء التصدي للمسيرة السلمية مساء الجمعة الماضية ليذكر المواطنين، ليس بحكم القانون، بل بسلطة العسكر وقوة السلاح. فقد اعتقل احد النشطاء السياسيين، الدكتور محمد سعيد، بتهمة سعيه لتوزيع كتيب يعارض المشاركة في الانتخابات المقبلة لمجلس الشوري نصف المنتخب، ومعه شاب آخر هو السيد حسين عبد العزيز الحبشي، ويخشي من تطبيق قانون الارهاب عليهما. ولعلها المرة الاولي في التاريخ المعاصر ان يتم تقنين عقوبة الاعدام ضد من يعارض دستورا ما بأية وسيلة، حتي لو كانت سلمية. ولذلك تصاعدت الاصوات الدولية المطالبة باطلاق سراح الشخصين المذكورين اللذين اعتبرتهما المنظمات الحقوقية الدولية سجناء رأي . وزاد الوضع اضطرابا في الايام الاخيرة تبلور حالة استقطاب حاد في المواقف بين الحكم والمعارضة التي تمثلها حركة الحقوق والحريات حق . فالحكومة تسعي لفرض أمر واقع بعد فرض دستور 2002 مهما كلف الامر، وتراهن علي عدد من العوامل: اولها شيخوخة أغلب رموز المعارضة التقليديين وعجزهم عن مواصلة المشوار.ثانيا: تعميق الشق الطائفي بين ابناء الوطن الواحد علي اسس مذهبية وعرقية، الأمر الذي أكده تقرير البندر .ثالثا: الاعتقاد بامكان تحييد مواقف بعض الرموز السياسية والدينية المعارضة عن طريق الاموال والوجاهات والمناصب.رابعا: تقنين القمع في ظل دستور يمنح الحكم سلطات مطلقة لسن القوانين، ويسلب من المواطنين، او من يمثلهم، حق الشراكة في صنع القرار.خامسا: ان قرارات مجلس الشوري (نصف المنتخب) غير ملزمة للحكم، فهو يختار منها ما يناسب سياساته ويرفض ما لا يناسبه. وتجلي ذلك بوضوح عندما اتخذ المجلس قرارا ضد فتح مكتب صهيوني في المنامة، فتجاهلته العائلة الحاكمة وكأنه لم يكن. وبدلا من ان تكون الممارسة الانتخابية طريقا للعمل المشترك، تعامل معها الحكم علي انها شهادة حسن سلوك يعلقها علي صدره امام من يعترض او ينتقد غياب اية ممارسة ديمقراطية. في خضم هذا التداخل الغريب في تشعبات الوضع السياسي لهذا البلد الخليجي الصغير، برزت من تحت انقاض المرحلة السابقة التي انتهت باحتواء عدد غير قليل من المناضلين القدامي، حركة الحقوق والحريات حق التي ركزت علي عدد من الثوابت وبدأت النضال علي اساسها. اولها افشال المشروع السلطوي في التشطير المجتمعي علي اسس عرقية او مذهبية. وهنا يلاحظ ان هذه الحركة تختلف عما يسمي جمعيات المجتمع المدني الاخري. فهي تجمع المواطنين الراغبين في مواصلة مشوار النضال، ليس من منطلقات مذهبية او ايديولوجية، بل علي عدد من الثوابت التي تهم المواطنين والوطن. ولذلك تميزت هذه الحركة بعدد من السمات: اولها انها رفضت العمل من تحت مظلة الحكم، ورفضت التوقيع علي قانون الجمعيات ، وضمت قيادتها عددا من الرموز السياسية المخضرمة، ذات التاريخ الوطني الناصع، وتعددت التوجهات الايديولوجية والمذهبية بين اعضائها، فضمت السني والشيعي، الوطني والاسلامي، الرجل والمرأة. دفعها رفض مبدأ التشطير الاجتماعي لحركة المعارضة، الي الاصرار علي المواقف المبدئية، ورفض المساومات عليها، والتركيز علي حسن الأداء بدلا من تقديم الوعود التي لا تتحقق. يضاف الي ذلك انها أحدثت نقلة نوعية في العمل السياسي المعارض لنظام الحكم في البحرين، وذلك بتوسيع أفق خطابها السياسي ليشمل جميع المواطنين اولا، ولينفتح علي الأفق الدولي من أوسع مداركه، والخروج من الشرنقة التي سعي الحكم لتوريط المعارضين فيها. هذه الحركة لم تعد تمثل اتجاها دون آخر، بل تمثل الاجماع الوطني الذي يتجاوز الخصوصيات المذهبية والاثنية، ويتصل بالقيم العليا لدي العقلاء والنشطاء واهل المبادئ. وكان من الاعمال الاولي لهذه الحركة طرحها مشروع عريضة اممية موجهة الي الامين العام للامم المتحدة للمطالبة بدستور عقدي تشرف علي صياغته. وحشر الامم المتحدة في القضية ليس اعتباطا بل يستند الي خلفية تاريخية تتصل بالانسحاب البريطاني من البحرين والخليج في 1971. ذلك الانسحاب لم يكن ليسمح للعائلة الحاكمة في البحرين بحكم البلاد لولا موافقة اهل البحرين علي ذلك، وتصريحهم به للجنة الدولية التي بعثتها الامم المتحدة في 1970 لاستمزاج آراء المواطنين ومواقفهم. فجاء قيام دولة البحرين العربية والاعتراف بحكم العائلة الحاكمة فيها مشروطا بالشراكة السياسية مع اهل البحرين. وهذا ما حدث بعد الانسحاب مباشرة، فكان دستور 1973 الذي كان وثيقة توافقية بين الطرفين. ويعتبر المعارضون ان ما فعله الشيخ حمد بإعلان دستوره الجديد في 2002 إلغاء لمبدأ الشراكة والتعاقد، الامر الذي لا يستقيم مع روح الثقة والرغبة في الشراكة التي تجلت قبيل الانسحاب البريطاني. من هنا طرحت حركة حق اكبر عريضة في تاريخ البحرين (وقعها اكثر من 82 الفا من المواطنين) رفعت في الصيف الماضي الي الامم المتحدة مطالبة بدستور تعاقدي تشرف الامم المتحدة علي صياغته واقراره. وهناك معلومات ترشح بين الحين والآخر من داخل دهاليز الحكم بان العائلة الحاكمة سوف تتصدي بعنف ضد الحركة التي تعتبرها المعوق الاكبر لسياساتها في البحرين. وثمة تساؤلات عن البعد الامريكي في ما يجري في البحرين. فواشنطن التي فشلت سياساتها في كل مكان تقريبا سعت، وما تزال تسعي، لاظهار نجاحات لمشاريعها السياسية، ولذلك لم تخف دعمها الواسع للمشروع السياسي في البحرين، علي أمل ان تطرحه نموذجا لـ التغيير الديمقراطي المطلوب. ولكن استمرار المعارضة الفاعلة ضد هذا المشروع أدي الي حالة جديدة من الاحتقان السياسي تؤكدها الوقائع اليومية، وقللت كثيرا من بريق التجربة. واشنطن، هي مهندسة المشروع الاصلاحي الحالي، حيث بدأت في بلورته بعد رحيل الامير السابق في 1999، واستقطبت له عددا من الاشخاص الناشطين في المجالات السياسية والحقوقية والدينية، في مقابل تخفيف القبضة الامنية واطلاق سراح السجناء السياسيين. وقد نشطت واشنطن في الترويج للمشروع، فافتتح مكتب للمعهد الوطني الديمقراطي (ان دي آي) ليكون حلقة الوصل بين واشنطن والمؤسسات المدنية والرموز السياسية والدينية، ونشط السفير الامريكي بلقاءاته المتواصلة مع النشطاء والرموز لحثهم علي التخلي عن المعارضة والعمل مع الحكم. اما الخارجية الامريكية فقد رفضت اللقاء مع اية جهة رافضة للمشروع. والأخطر من ذلك ان مكتب (ان دي آي) تدخل مباشرة في صياغة اللوائح الداخلية لبعض الجمعيات السياسية لضمان انسجام تلك اللوائح مع المشروع السياسي. ادت تلك الصياغة الي فرض واقع جديد علي تلك الجمعيات، مكن أقلية صغيرة من أعضائها من اتخاذ قرارات مصيرية ومنها قرار مسايرة الحكم. المشروع السياسي في البحرين اذن، انطلق بجهود امريكية قبل سبعة اعوام، وتزامن مع تطور تصاعدي في العلاقات بين المنامة وتل أبيب، سياسيا واقتصاديا وأمنيا. فحتي عندما أقر مجلس الشوري (نصف المنتخب) قراره الوحيد ضد اقامة العلاقات مع الكيان الاسرائيلي، تجاهلته الحكومة وكأن شيئــا لم يكن.الجديد في الأمر ليس قرار بعض الجمعيات السياسية المشاركة في انتخابات هذا الاسبوع، بل في موقف بعض هذه الجمعيات وداعميها من المرجعيات الدينية بالتغاضي عن اربعة امور اساسية:أولها: الدور الامريكي في المشروع السياسي الذي تمت صياغته بقدر من الحرفية، بحيث يسحب من المواطنين بيعة للحكم، ويوهمهم بانجازات غير موجودة في مقابل تقليص دورهم في التشريع والشراكة السياسية.ثانيها: تنامي العلاقات مع الكيان الاسرائيلي الذي لم يعد خافيا علي احد، والذي تطرق اليه علنا كل من ولي العهد ووزير الخارجية اللذين اجتمعا بشمعون بيريز، نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي، علي هامش الدورة الاخيرة للامم المتحدة، وأعربا له عن أملهما بزيارة تل أبيب قريبا، وان يقوم هو بزيارة البحرين. وقد تلاشت معارضة تلك الجمعيات والمرجعيات الدينية للتغلغل الاسرائيلي في هذه الجزيرة الخليجية، لأسباب غير معروفة، ولكنها تدعو الي التساؤل والقلق. ثالثها: غض الطرف عن مفهوم سيادة الشعب في ما يتعلق بكتابة الدستور، وهو المبدأ الذي غاب تماما عن رمزي الشاعر، الخبير الدستوري المصري الذي كتب دستور 2002، وصاغ بنوده ليتناسب مع ما يريده الحكم، بعيدا عن الموقف الشعبي. وهذا الشخص نفسه هو الذي يستعين به الرئيس المصري هذه الايام في ما يسميها التعديلات الدستورية لذر الرماد في العيون. رابعا: القوانين التي فرضها الحكم بعيدا عن الارادة الشعبية ومبدأ الشراكة في صنع القرار، فأصبحت ملزمة لمن يلتزم بها ويعيد وجوده القانوني علي ضوئها. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية